كشف المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة في تقرير حديث عن تصدر الفئة الصامتة للمشهد الحزبي والانتخابي في المغرب، مشيرا إلى أن هذه الكتلة غير المصوتة تفوق في وزنها الديمغرافي أكبر الكتل البرلمانية مجتمعة، بعدما تجاوز عدد المواطنين المؤهلين غير المنخرطين في الفعل الانتخابي سقف 16 مليون شخص، مما يحول الامتناع عن التصويت إلى قوة أولى في المشهد العام.
وأوضح التقرير، الذي اعتمد على مقاربات تاريخية وإحصائية وتحليلية ومقارنة، أن نسبة المشاركة البالغة 50.35 في المائة المسجلة خلال انتخابات سنة 2021 تحتسب فقط من أصل 17.51 مليون مسجل في اللوائح الانتخابية، مبرزا أنه من أصل 25.23 مليون مواطن في سن التصويت، لم يدل بصوته فعليا سوى 8.8 ملايين ناخب، وهو ما يمثل نحو 34.9 في المائة فقط من إجمالي المؤهلين، ليترك حوالي 16.4 مليون مواطن خارج دائرة الفعل الانتخابي.
وفصل المصدر ذاته في مسببات هذا العزوف، مرجعا إياه إلى أزمة بنيوية ترتبط بضعف وظيفة الوساطة الحزبية، ومفسرا ذلك بتركيز الهيئات السياسية على الحسابات الضيقة للتحالفات العددية بدل التنافس حول البرامج، وغياب الديمقراطية الداخلية التي تحسم الترشيحات في دوائر ضيقة، فضلا عن سيادة منطق الأعيان ونفوذ المال، مما أدى إلى اتساع الفجوة بين المؤسسات والمواطنين وتحول صناديق الاقتراع إلى أداة تعكس اختيارات أقلية منظمة وليس إرادة أغلبية جامعة.
وأشار معدو الدراسة إلى أن المشهد الحزبي يعاني من ظاهرة التطاير الانتخابي الحاد التي تقوض استقرار التمثيل السياسي، مستدلين بانتقال الحزب المتصدر من 125 مقعدا سنة 2016 إلى 13 مقعدا فقط في اقتراع 2021، في حين قفزت مقاعد حزب آخر من 37 إلى 102 مقعد، معتبرين أن هذا التذبذب يعكس تصويتا عقابيا ظرفيا ومزاجا متقلبا يفتقر إلى قواعد عضوية صلبة أو ولاء برنامجي مستقر.
وأضافت الوثيقة أن هذا الانهيار الرقمي المفاجئ لا يكتمل تفسيره دون استحضار التعديل التقني الذي طرأ على القوانين الانتخابية، حيث غير القانون التنظيمي رقم 21-04 طريقة احتساب القاسم الانتخابي ليقوم على عدد المسجلين في اللوائح بدلا من الأصوات المعبر عنها، مؤكدة أن هذا التعديل أعاد توزيع المقاعد بعيدا عن الحزب المتصدر ولصالح الأحزاب الأصغر، مما ضخم ميكانيكيا من حجم التراجع.
وأبرز التقرير أن تراجع المشاركة يمثل مسارا تنازليا ممتدا على مدى ستة عقود، لافتا إلى أن المنحنى هبط من نسب رسمية مرتفعة بلغت 85.3 في المائة مطلع السبعينيات إلى قاعه التاريخي عند 37 في المائة خلال اقتراع سنة 2007، قبل أن يشهد تعافيا جزئيا في المحطات اللاحقة لم يعكس استعادة حقيقية للثقة بين الناخب والمؤسسات بقدر ما تزامن مع إعادة تشكيل عميقة للخريطة الحزبية.
وسجلت الدراسة انقسام التطور السياسي للمشهد الانتخابي إلى أربع مراحل تاريخية، تنطلق من مرحلة التأسيس بين 1956 و1970 التي سادت فيها هيمنة الدولة واصطبغت بمشهد شبه أحادي، مرورا بمرحلة التوتر حتى 1990 التي شهدت تراجعا في المشاركة بفعل الصراعات وضعف الشفافية، ثم مرحلة الانفتاح وحكومة التناوب إلى غاية 2011، وصولا إلى مرحلة الدستور الجديد التي عززت صلاحيات البرلمان والحكومة رغم استمرار تحديات التفعيل.
واستعرض المركز الإفريقي معطيات مسحية من الموجة الثامنة للباروميتر العربي لعامي 2023 و2024، تظهر تراجع الثقة المعروضة للأحزاب السياسية إلى 18 في المائة لتتذيل ترتيب المؤسسات، مقابل 38 في المائة للبرلمان و33 في المائة للحكومة، في حين تحظى مؤسسات أخرى كالقضاء والمجتمع المدني بثقة أعلى، مع تسجيل بقاء نسبة تأييد النظام البرلماني التعددي مرتفعة في حدود 68 في المائة، ما يدل على أن الأزمة تتعلق بالممارسة الحزبية ولا تمس جوهر الخيار الديمقراطي.
وبينت الوثيقة وجود مؤشرات إيجابية تتعلق بتجديد النخب قابلة للبناء عليها، في مقدمتها القفزة النوعية للتمثيلية النسائية داخل قبة البرلمان، والتي ارتفعت من 10 في المائة بواقع 35 مقعدا خلال سنة 2002 إلى 24.3 في المائة بواقع 96 مقعدا في تشريعيات 2021، داعية إلى ضرورة البناء على هذا الإنجاز للانتقال من التمثيل العددي الوصفي إلى التأثير الفعلي في مواقع القرار ومراكز القيادة.
واعتبرت الهيئة البحثية أن الشباب المغربي لم ينسحب من السياسة بل غادر قنواتها التقليدية نحو الفضاء الرقمي، مشيرة إلى وجود أكثر من 35 مليون مستخدم للإنترنت ونحو 23 مليون ناشط على الشبكات الاجتماعية في المغرب بنهاية سنة 2025، حيث تتم مناقشة قضايا التعليم والتشغيل والبيئة بعيدا عن الأطر الحزبية الكلاسيكية التي لم تحدث لغتها وأدواتها لتستوعب هذه الدينامية الشبابية المتصاعدة.
ولفت التقرير الانتباه إلى الارتباط الوثيق بين الضغط الاقتصادي وتنامي العزوف السياسي، كاشفا أن نسبة البطالة الوطنية المحددة في 13 في المائة تخفي أزمة مركبة تتمثل في ارتفاع بطالة الشباب المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 سنة إلى 37.2 في المائة، وبطالة حاملي الشهادات إلى 19.1 في المائة، مما يغذي الشعور بتعطل المصعد الاجتماعي ويحول الإحباط الاقتصادي إلى انسحاب سياسي مباشر.
وكشفت الوثيقة عن مقترح لبرنامج اقتصادي نموذجي يرتكز على التشغيل المستدام، والعدالة المجالية في توزيع الاستثمارات بين الجهات، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة التي تشغل فئة واسعة من الشباب، بالإضافة إلى التحول الرقمي لإدارة الشأن العام، وتبني إصلاح ضريبي عادل يوسع الوعاء ويخفف العبء عن الطبقة الوسطى، مع وضع حماية الموارد والمياه في صدارة أولويات الأمن الاقتصادي.
وربطت الدراسة أزمة الوساطة بالتحولات التي يشهدها المشهد الإعلامي، مسجلة تراجع حضور البرامج السياسية الحوارية في التلفزيون العمومي، مثل برامج حوار ونقط على الحروف، مقابل بروز برامج تهتم بقضايا المجتمع كبرنامج للحديث بقية، مشيرة إلى أن دمج قناتي دوزيم وميدي 1 تيفي ضمن القطب العمومي سنة 2025 يستدعي اعتماد ميثاق مهني يضمن التفاعل العميق مع هموم المواطنين ويربط القرار العمومي بالمعيش اليومي.
واقترح معدو التقرير توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي كرافعة لتعزيز الشفافية والمساءلة الديمقراطية، عبر تصميم تطبيقات لتلخيص التشاورات العمومية وتتبع تنفيذ الوعود الانتخابية بالاعتماد على بيانات مفتوحة قابلة للتحقق، فضلا عن إنشاء منصات للميزانية التشاركية الرقمية، محذرين في الوقت عينه من مخاطر اتساع الفجوة الرقمية، والتضليل المعلوماتي، وتأثير الخوارزميات على توجيه النقاش وتضخيم الاستقطاب السياسي.
ووقف التقرير عند تحليل نقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات، مبرزا أن دستور 2011 والدبلوماسية النشطة وتجربة التناوب تشكل نقاط قوة، يقابلها ضعف في الديمقراطية الداخلية للأحزاب وتطاير انتخابي حاد، في حين تشكل الكتلة الشبابية الرقمية والنموذج التنموي الجديد فرصا حقيقية للإقلاع، مقابل تهديدات تتمثل في تكريس فقدان الثقة وتآكل شرعية التمثيل السياسي وانزياح النقاش لوسائط غير مؤطرة.
وقارنت الدراسة نسبة المشاركة الانتخابية المغربية مع دول الجوار الإقليمي والإفريقي، موضحة أنها تجاوزت نظيراتها في تونس المحددة في 11.2 في المائة خلال اقتراع 2022، والجزائر البالغة 23 في المائة في تشريعيات 2021، واقتربت من السنغال التي سجلت 49.5 في المائة خلال انتخابات 2024، مؤكدة في ذات السياق أن المعيار الأصدق للنجاح هو استعادة الثقة الوطنية وتجاوز سقف 65 في المائة من المشاركة وليس مجرد التفوق الإقليمي.
ووضع المركز الإفريقي خارطة طريق شاملة للإصلاح تمتد من سنة 2026 إلى غاية 2035، موزعة على ثلاث مراحل زمنية وتستهدف أربعة فاعلين أساسيين هم الأحزاب والإعلام والدولة والمجتمع المدني، تروم إقرار ديمقراطية حقيقية وتجديد النخب وتحقيق مساءلة فعلية، مع تسطير أهداف اقتصادية تطمح إلى خفض البطالة إلى 5 في المائة وتحقيق نمو اقتصادي يصل إلى 6 في المائة بحلول نهاية الخطة.
وقدمت الهيئة توصيات إجرائية عاجلة تدعو إلى إحداث مرصد وطني مستقل لتتبع مؤشرات الثقة والمشاركة السياسية، واعتماد آلية التسجيل الآلي في اللوائح الانتخابية بمجرد بلوغ سن الرشد القانوني لتقليص الفجوة، وتبسيط فعل التصويت عبر اختبار حلول رقمية آمنة، بالإضافة إلى ضرورة إلزام الأحزاب السياسية بنشر برامج قابلة للقياس واعتماد آليات شفافة لانتخاب القيادات.
وسطر التقرير ضمن توصياته المتعلقة بالفضاء الرقمي مقترحا لإقرار ميثاق وطني لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي العمومي يصون سيادة المواطن ويحمي معطياته الشخصية، وإطلاق برنامج وطني للتربية الرقمية والمدنية يستهدف تكوين مليون مستفيد في أفق سنة 2030، مع إطلاق منصة وطنية مفتوحة المصدر لتتبع الالتزامات العمومية للبرامج خلال ثمانية عشر شهرا.
وحذر المصدر من خطورة الاستمرار في تجاهل الرسائل الصامتة للناخبين، معتبرا أن استعادة الفئة الصامتة يتطلب جهدا يتجاوز الحملات التواصلية الموسمية التي تسبق الاقتراع، ليؤسس لمشروع دولة ومجتمع يعيد بناء الوساطة من أساسها، ويضمن تكامل الأدوار لبناء جسور الثقة المفقودة.
وخلص التقرير الاستراتيجي في ختام تحليله إلى طرح ثلاثة سيناريوهات مستقبلية لواقع الممارسة السياسية، يتمثل أولها في استمرار الجمود وتآكل شرعية التمثيل، وينذر الثاني بقطيعة متسرعة تحمل مخاطر على الاستقرار، بينما يرجح السيناريو الثالث مسار الإصلاح التدريجي المنظم، المبني على هندسة ديمقراطية مبتكرة تعيد للوساطة معناها الحقيقي وتسترجع ثقة المواطن المفقودة عبر ربط القول بالفعل في تدبير الشأن العام.
المصدر:
العمق