سلّط تقرير تحليلي نشرته صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية الضوء على التحولات المتسارعة التي تشهدها موازين القوى العسكرية في منطقة المغرب العربي، معتبرا أن التعاون الدفاعي المتنامي بين المغرب وإسرائيل بات عاملا رئيسيا في إعادة صياغة الحسابات الاستراتيجية للجزائر، التي رفعت ميزانيتها العسكرية إلى مستوى قياسي بلغ 25 مليار دولار.
التقرير، الذي أعده الباحث المغربي أمين أيوب المعروف بمواقفه المؤيدة لإسرائيل، يرى أن اتفاقيات أبراهام لم تقتصر على التطبيع الدبلوماسي بين الرباط وتل أبيب، بل أسست لمرحلة جديدة من نقل التكنولوجيا العسكرية والتصنيع الدفاعي المشترك، بما ينعكس على التوازنات الأمنية في المنطقة.
واستهل الكاتب تحليله بالإشارة إلى نقاش برلماني غير معتاد شهدته إسبانيا أواخر شهر ماي الماضي، عندما وجّه نواب من حزب “فوكس” اليميني المتطرف سؤالا إلى الحكومة الإسبانية بشأن مدى استعداد مدريد للتعامل مع سيناريو افتراضي يتضمن استخدام المغرب لطائرات “سباي إكس” المسيّرة الانتحارية، وهي منظومة إسرائيلية يجري تصنيعها محليا في المملكة.
واعتبر أيوب أن مجرد طرح هذا السؤال داخل برلمان دولة عضو في حلف شمال الأطلسي يعكس حجم التحول الذي تشهده المنطقة، مشيرا إلى أن انتقال التكنولوجيا الدفاعية الإسرائيلية إلى الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق تجاوز، وفق رؤيته، الإطار الدبلوماسي التقليدي ليصبح عاملا مؤثرا في إعادة رسم معادلات القوة الإقليمية.
تباين في العقيدة الدفاعية
وبحسب التقرير، فإن سنة 2026 كشفت عن تباين واضح في فلسفة الإنفاق العسكري بين الرباط والجزائر. فالمغرب اختار، وفق الكاتب، استراتيجية تقوم على التحديث النوعي والاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة، من خلال تخصيص 17.1 مليار دولار لتطوير قدراته العسكرية وإنشاء صناعة دفاعية محلية بشراكات مع شركات إسرائيلية، من بينها “بلو بيرد أيرو سيستمز”.
في المقابل، رفعت الجزائر ميزانيتها الدفاعية إلى 25 مليار دولار، وهو ما يمثل نحو 20.6 في المائة من الميزانية العامة للدولة، وحوالي 9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزة بذلك مجموع الإنفاق على قطاعي التعليم والصحة.
ويرى التقرير أن الجزائر بررت هذا الإنفاق المرتفع بالحاجة إلى تأمين حدودها الممتدة مع دول الساحل وليبيا، وتحديث ترسانتها العسكرية، وتعزيز قدراتها في مجالات الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية ومكافحة الطائرات المسيّرة.
غير أن الكاتب يعتبر أن جانبا مهما من هذا الإنفاق يرتبط مباشرة بمحاولة مواكبة التطور العسكري المغربي، لاسيما في ظل دخول تكنولوجيا إسرائيلية متقدمة إلى ترسانة القوات المسلحة الملكية.
مصنع “سباي إكس” في بنسليمان
وأشار التقرير إلى أن شركة “بلو بيرد أيرو سيستمز”، التابعة لمجموعة الصناعات الجوية الإسرائيلية، افتتحت منشأة صناعية بمنطقة بنسليمان، مخصصة لإنتاج ذخائر “سباي إكس” الجوالة، لتصبح أول وحدة إنتاج من هذا النوع خارج إسرائيل في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط.
وتتميز هذه الطائرات المسيّرة، وفق المعطيات الواردة في التقرير، بمدى عملياتي يصل إلى 50 كيلومترا، وقدرة على التحليق لمدة تصل إلى 120 دقيقة، وسرعة انقضاض تتجاوز 250 كيلومترا في الساعة، مع إمكانية تزويدها برؤوس حربية متنوعة يصل وزنها إلى 2.5 كيلوغرام، مخصصة لاستهداف المركبات المدرعة ومراكز القيادة والأهداف ذات القيمة العالية.
وأوضح التقرير أن مهندسين مغاربة تلقوا تدريبات متخصصة للإشراف على عمليات تجميع هذه المنظومات داخل المملكة، في إطار سياسة تهدف إلى نقل التكنولوجيا وبناء قدرات صناعية محلية.
منظومة دفاعية متعددة المصادر
ولفت التقرير إلى أن طائرات “سباي إكس” تندرج ضمن شبكة دفاعية مغربية متعددة الطبقات، تضم أنظمة إسرائيلية وصينية وأميركية وفرنسية.
ووفق المصدر ذاته، تشمل هذه المنظومة أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية “باراك إم إكس”، والمنظومة الصينية “إف دي-2000 بي”، و”سكاي دراغون 50″، إضافة إلى صواريخ “هاربون بلوك 2” ومقاتلات “إف-16” الأميركية، ومروحيات “أباتشي”، ومنصات إطلاق الصواريخ “هيمارس”.
ويرى الكاتب أن المغرب انتقل خلال أقل من خمس سنوات من جيش يعتمد على العقيدة العسكرية التقليدية إلى بنية قتالية متعددة المجالات تعتمد على الضربات الدقيقة والتكامل بين الأنظمة المختلفة.
وفي المقابل، يعتبر التقرير أن الجزائر ما تزال تعتمد بشكل كبير على معدات روسية، في وقت تسعى فيه إلى تعزيز قدراتها في مجالات الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية ومكافحة الطائرات المسيّرة لمواجهة التطورات التكنولوجية الجديدة.
وأشار التقرير إلى أن المغرب وإسرائيل وقعا، مطلع يناير الماضي، خطة عمل عسكرية مشتركة لسنة 2026، تشمل تعزيز الحوار العسكري وتطوير المشاريع الصناعية المشتركة وتنظيم تدريبات ميدانية وتنسيق المواقف بشأن التهديدات الإقليمية.
ونقل التقرير عن مسؤولين إسرائيليين وصفهم المغرب بأنه “أهم شريك أمني لإسرائيل في القارة الإفريقية”. وختم الكاتب تحليله بالدعوة إلى تعزيز التعاون الأمني الثلاثي بين الولايات المتحدة والمغرب وإسرائيل، معتبرا أن واشنطن مطالبة بتوسيع دعمها للمغرب بوصفه حليفا استراتيجيا في المنطقة.
المصدر:
العمق