حميد زيد – كود//
لم يشفع لي حذائي المفلطح. ولا تي شورتي الشبابي. ولا قبعتي الرياضية. ولا بنطلوني الجينز. في أن أقنع جمهور المراهقين بأني واحد منهم
وأني أنا أيضا. هنا. في منصة السويسي. للرقص على إيقاعات فرقة ماجور ليزر الصاخبة.
وقد كنتُ أنط مثلهم.
وأقفز مثلما يقفزون.
و أكابر.
وأبذل مجهودا خرافيا كي لا تخونني قدمي.
ولا أقع.
ولا أتعرض لأي وعكة.
وحين يرفعون أيديهم. كنتُ أقلد حركاتهم. متظاهرا بالغناء.
واقفا.
صابرا.
مقاوما.
محتاجا إلى كرسي أجلس عليه.
في ساحة لا مقاعد فيها. ولا مكان للجلوس.
وقد فرض علي صغاري أن أصطحبهم إلى هذا الحفل الصاخب.
الذي لا يناسب شخصا في مثل عمري.
إلا أن الشكوك كانت تحوم حولي منذ البداية.
ورغم كل هذا المجهود الذي بذلته. فإن المراهقين ظلوا طوال مدة الحفل ينظرون إلي بريبة.
وأي حركة مني.
وأي تصرف. وأي سلوك. كان يفضحني. و يؤكد لهم بالملموس. أني شخص غريب. ومتطفل على عالمهم.
و بينما كنت أصوّر صغيريّ بالهاتف وهما يرقصان. تدخلت مراهقة كانت تقف خلفي. لتخبرني أني لا أصور أي شيء.
و أنه علي أن أضغط على الزر الأحمر.
فشعرت أني مراقب.
وكانت هذه هي فضيحتي الأول.
وكي لا ينكشف أمري. فإني لم أتوقف لحظة عن النط.
إلا أن كل المراهقين الذين كانوا على مقربة مني انتبهوا على ما يبدو إلى وجودي بينهم.
وأني مندس.
وأني في مرحلة سنية لا تناسب هذا الحفل.
وما لم أكن أتوقعه يوما حصل.
فقد اقترب مني مراهق وقال لي بالحرف”شحال فعمرك آعمي”.
وأنا الذي كنت أظنني شابا.
وأنا الذي كنت أتابع جميع الموضات. والأغاني الشبابية. والكليبات. كي لا أشيخ.
وكي لا أتقادم.
وكي لا يفلت مني أي جديد. وكي أبقى “إين”. متتبعا لكل التفاهات. ولكل التسالي. ولكل ثقافة الترفيه.
وكي أبقى ابن وقتي.
شعرت في هذه اللحظة أني صرت غير مرغوب في.
و مطرودا.
و مندسا. ومراقبا.
قبل أن يحييني نفس المراهق على شبابي الدائم.
وبعد نهاية الحفل الذي تم تنظيمه في منصة السويسي.
وبعد أن شكرتنا فرقة ماجور ليزر.
وبينما كنت أحاول أن أخرج وصغيري التوأم. منسلين بين الجموع.
مشكلين صفا. كل واحد يقف خلف الآخر. لئلا نصطدم بأحد. ولئلا يدوس أحد على أقدامنا.
انتبه المراهقون مرة أخرى إلى وجود رجل كهل بينهم.
و شرعوا يصفقون لي.
ويشجعونني. و يحيونني. ويفسحون لي الطريق. ويطبطبون على كتفي. وصغيرتي تسخر من والدها.
وأنا في ورطة.
وأشعر أني صرت أضحوكة.
وأبحث عن أقراني. وأصدقائي. وعن فئتي السنية. وأرى النادي مغلقا في هذا الوقت المتأخر من الليل.
و ألوم نفسي. وأراجعها. وأقول لها أنا لست عم أحد.
و أتجعّد.
وأخشى من نظرة الصغار لي. بعد كنت أظنني شابا.
وبعد أن كنت شبه مقتنع أنهم لن ينتبهوا لوجودي بينهم.
متظاهرا بأني واحد منهم.
وأني في مقتبل العمر. ومن عشاق الموسيقى الإلكترونية. والديدجيات.
وبما أنهم عيروني بالشيب. وصفقوا لي.
ونادوني بعمي.
فإني سأخبر القراء عن المشروبات التي كان بعضكم يشربها.
وعن قناني الماء التي كنتم تحملونها في أيديكم وما هي بقناني ماء.
وعن مشروب فانتا والتي ما هي بفانتا.
وعن السجائر الملفوفة والتي لم تكن مجرد سجائر ملفوفة.
والتي كانت تجعلكم تقفزون إلى عنان السماء
وتصرخون كالحمقى
وتستغربون مع ذلك لوجود كهل بينكم
تحمل عناء الوقوف في حفلكم لأكثر من ثلاث ساعات
وصبر كل هذا الوقت
ولم ينهزم. ولم يسقط أرضا. ولم ينسحب.
بينما لا أحد منكم يا مراهقي المغرب فكر في أن يمنحه
جرعة ماء ليروي عطشه
ولا أحد قال له: خذ يا عمي هذه القنينة.
إنها لك. وتستحقها.
لا أحد.
لا أحد.
المصدر:
كود