مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية، يعود ملف الدعم الاجتماعي المباشر إلى واجهة النقاش العمومي، في ظل تباين واضح بين الأرقام الرسمية التي تقدمها الحكومة باعتبارها مؤشرا على نجاح هذا الورش الاجتماعي، وبين مؤشرات اقتصادية واجتماعية تواصل تسجيل ضغوط متزايدة على القدرة الشرائية للأسر المغربية.
وتؤكد الأغلبية الحكومية أن برنامج الدعم الاجتماعي المباشر شكل آلية غير مسبوقة لحماية الفئات الهشة وتعزيز العدالة الاجتماعية، غير أن استمرار موجة التضخم والتقليص التدريجي لدعم صندوق المقاصة يطرحان تساؤلات حول مدى قدرة هذه التحويلات المالية على تعويض آثار تحرير الأسعار والحد من تراجع القدرة الشرائية، خاصة بالنسبة للطبقة المتوسطة غير المشمولة بنظام الاستهداف.
دعم الفئات الهشة
ومنذ إطلاق البرنامج أواخر سنة 2023 إلى غاية أبريل 2026، ضخت الحكومة نحو 59 مليار درهم لفائدة حوالي 3.9 ملايين أسرة مستفيدة من الدعم الاجتماعي المباشر. غير أن مؤشرات المندوبية السامية للتخطيط تعكس صورة أكثر تعقيدا للواقع المعيشي، إذ أفاد تقريرها السنوي بأن وتيرة الزيادة السنوية في أسعار المواد الغذائية استقرت عند 0.6 في المائة خلال شهر أبريل 2026 مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، فيما ظل مؤشر ثقة الأسر عند مستويات متدنية، متأثرا باستمرار ارتفاع الأسعار وما يترتب عنه من استنزاف للأثر المالي للدعم.
وفي هذا السياق، اعتبر رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير، يوسف كراوي الفيلالي، في تصريح لجريدة “العمق المغربي”، أن أي حديث عن رفع الدعم عن بعض المواد يقتضي أولا ضمان وجود منافسة حقيقية داخل الأسواق للحفاظ على مستويات أسعار مناسبة للمواطنين، خاصة في قطاع المحروقات.
وأوضح الفيلالي أن غياب آليات فعالة لضبط السوق وتسقيف الأسعار بما يضمن هوامش ربح معقولة ساهم في زيادة الأعباء على الأسر، مشيرا إلى أن المواطن وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع تداعيات تحرير الأسعار دون وجود أدوات كافية لحمايته من انعكاساتها.
وبخصوص الدعم الاجتماعي المباشر، وصف المتحدث هذه الآلية بالخطوة الإيجابية لفائدة الفئات الفقيرة والهشة، لكنه سجل وجود اختلالات في نظام الاستهداف، موضحا أن عددا من المواطنين حرموا من الاستفادة بسبب معايير مرتبطة بمؤشر الاستحقاق، من قبيل اقتناء بطاقة تعبئة هاتفية أو امتلاك دراجة نارية، وهو ما يستدعي، بحسبه، مراجعة شاملة للمنظومة المعتمدة.
وشدد الفيلالي على أن الهدف الأساسي من الدعم يجب أن يتجاوز البعد المالي الظرفي نحو التمكين الاقتصادي والمواكبة الاجتماعية، عبر توفير فرص التكوين والإدماج في سوق الشغل. وفي هذا الإطار، اعتبر أن التعديل القانوني الذي يسمح للمستفيدين بالاستمرار في تلقي الدعم لمدة ستة أشهر بعد الحصول على عمل يمثل خطوة إيجابية تشجع على الاندماج المهني.
أما بخصوص الطبقة المتوسطة، فقد وصفها رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير بـ”الحلقة الأضعف” في السياسات الاجتماعية الحالية، مؤكدا أنها تحملت كلفة الأزمات الاقتصادية المتتالية، من تداعيات جائحة كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية، وصولاً إلى التضخم المستورد الذي تحول إلى تضخم هيكلي.
تراجع هامش الإدخار
وأشار إلى أن هذه الفئة لم تستفد من أي إجراءات مباشرة للتخفيف من أعبائها، مثل مراجعة الضريبة على الدخل، الأمر الذي أدى إلى تآكل قدرتها الشرائية وتراجع هامش الادخار والاستهلاك لديها، معتبرا أن جزءا مهما منها انتقل عمليا إلى فئة ما دون الطبقة المتوسطة.
وفي ما يتعلق بالمقاولات الصغرى والصغيرة جدا، أكد الفيلالي أن ضعف آليات المواكبة والتمويل الاستثماري وصعوبة الولوج إلى الصفقات العمومية أسهما في تفاقم أوضاع عدد كبير من هذه المقاولات، ما أدى إلى إفلاس العديد منها. ودعا إلى توسيع نظام المقاول الذاتي وتخفيف العبء الضريبي عنه بما يراعي خصوصية هذه الفئة ويعزز قدرتها على الاستمرار.
كما تطرق المتحدث إلى الدعم الموجه لقطاع النقل، معتبرا أنه يفتقر إلى النجاعة المطلوبة بسبب غياب آليات صارمة تضمن انعكاس الدعم الممنوح على أسعار التنقل. وأوضح أن الدعم يوجه أساسا إلى أصحاب المأذونيات دون توفير ضمانات كافية لوصول أثره إلى المستهلك النهائي.
وأضاف أن عددا من السائقين المهنيين لم يستفيدوا من هذا الدعم، وهو ما حال دون انعكاسه على التسعيرات المطبقة، مسجلا مفارقة تتمثل في تخصيص الدولة لمبالغ مالية مهمة لدعم القطاع، مقابل استمرار ارتفاع كلفة النقل وتضرر القدرة الشرائية للمواطنين.
وتعيد هذه المعطيات طرح سؤال جوهري حول حصيلة سياسات الدعم الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين حماية الفئات الهشة ومواجهة تداعيات تحرير الأسعار والتضخم، في وقت تتزايد فيه المطالب بتوسيع دائرة المستفيدين وتعزيز آليات الرقابة والتتبع لضمان وصول أثر الدعم إلى المواطنين بشكل فعلي.
آلية لتدبير آثار الأزمة
وفي المقابل، يرى لحسن نازيهي، منسق مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمجلس المستشارين، أن الأرقام التي قدمها التقرير السنوي للوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي بشأن استفادة 3.9 ملايين أسرة و5.5 ملايين طفل و1.7 مليون من كبار السن من نظام الدعم الاجتماعي المباشر، لا تكفي لوحدها للحكم على نجاح هذا الورش الاجتماعي.
وأوضح نازيهي أن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على عدد المستفيدين، بل يجب أن ينصب على الأثر الفعلي لهذا الدعم على القدرة الشرائية للأسر المغربية ومدى مساهمته في الحد من الفقر والهشاشة. وأضاف أن السؤال الذي يفرض نفسه بعد أكثر من سنة على تنزيل البرنامج يتمثل في معرفة ما إذا كان الدعم الاجتماعي المباشر قد نجح فعلا في تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين، أم أنه تحول إلى آلية لتدبير آثار الأزمة الاجتماعية دون معالجة أسبابها البنيوية.
وأشار المتحدث إلى أن الحكومة تواصل تقديم معطيات رقمية حول أعداد المستفيدين، لكنها لا تقدم، بحسب تعبيره، مؤشرات دقيقة بشأن عدد الأسر التي تمكنت من الخروج من دائرة الفقر بفضل هذا الدعم، أو مدى تحسن شروط العيش والولوج إلى فرص الشغل والخدمات الأساسية. كما سجل استمرار شكاوى مواطنين بشأن معايير الاستهداف والإقصاء، وهو ما يثير تساؤلات حول عدالة وشفافية المنظومة المعتمدة.
وأكد نازيهي أن نجاح السياسات الاجتماعية يقاس بقدرتها على تحقيق الاستقلالية الاقتصادية للأسر وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وليس فقط بحجم التحويلات المالية الموزعة. واعتبر أن الدعم المالي، رغم أهميته، لا يمكن أن يعوض غياب فرص الشغل اللائقة واستمرار تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
ودعا منسق مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمجلس المستشارين إلى إجراء تقييم مستقل وشفاف لبرنامج الدعم الاجتماعي المباشر، مع نشر مؤشرات دقيقة حول أثره الاقتصادي والاجتماعي، معتبرا أن الاكتفاء بعرض الأرقام الكمية لا يعكس بالضرورة حجم التحسن الحقيقي في أوضاع المواطنين، مسجلا أن المواطن المغربي لا ينتظر دعما ماليا شهريا فقط، بل يتطلع إلى سياسات عمومية قادرة على توفير الشغل الكريم وتعزيز العدالة الاجتماعية وتحقيق التنمية المستدامة.
المصدر:
العمق