حذّر تقرير جديد من أن “الواقع اللغوي” في المغرب يحوّل “اللغة إلى أداة تمييز خفية، تكرَّس عبر النظام التعليمي”؛ فقد “تحوّل التفاوت اللغوي إلى عائق بنيوي أمام تكافؤ الفرص، فيَحدث نوع من الإقصاء الرمزي الذي لا يتم صراحة لكنه يقصي عمليا من لا يمتلك لغة النخبة، وهو الوضع الذي يؤدي إلى إعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية من جيل إلى جيل”.
وسجل التقرير التركيبي الصادر عن الهيئة الأكاديمية العليا للترجمة، التابعة لأكاديمية المملكة المغربية، بعنوان “تعليم الترجمة وتعلمها في المغرب”، والذي أعده كل من عبد الفتاح الحجمري وسعيد الحنصالي وعبد الحق منصف، أن “العربية والأمازيغية، رغم طابعهما الرسمي والدستوري، لا تزالان غائبتين عن قطاعات استراتيجية؛ كالإدارة العليا والتعليم العالي العلمي والمقاولة. وهذا يعمّق الفجوة بين اللغات الرمزية القائمة على الهوية والانتماء، واللغات الوظيفية القائمة على منطق النفوذ والوصول، في غياب سياسة لغوية تعيد توزيع الوظائف بشكل عادل”.
واسترسل التقرير منبها: “في السياق المغربي، ليست الفرنسية مجرد لغة أجنبية؛ بل أضحت في الوعي الاجتماعي لغة النفوذ فهي لغة الإدارة والاقتصاد والقضاء ولغة النخبة التكنوقراطية القادرة على ولوج فضاءات التمكين الاجتماعي والاقتصادي. أما من يقتصر على العربية أو الأمازيغية أو الدارجة، فيجد نفسه محصورا في دائرة محدودة الإمكانات، وغالبا ما يواجه عوائق في الترقية الاجتماعية. وبالتالي، فإن إتقانها أو عدم إتقانها لا يعكس فقط مستوى تعليم الفرد؛ بل يحدد أيضا حظوظه في سوق الشغل وفي الترقية الاجتماعية وفي التمثيلية السياسية أحيانا. وهذا ما يؤدي إلى ثنائية لغوية طبقية، فالأسر الميسورة تستثمر في تعليم أبنائها بالفرنسية أو الإنجليزية منذ الصغر، بينما يترك أبناء الطبقات المتوسطة والفقيرة في مؤسسات عمومية تدرّس بالعربية غالبا، ليصطدموا لاحقا بلغة مغايرة تماما في الجامعة أو الحياة المهنية”.
وذكّر التقرير بأن “المغرب وجد نفسه، منذ الاستقلال سنة 1956، مطالبا بإعادة بناء المنظومة اللغوية الوطنية، انطلاقا من اعتبار اللغة أداة للهوية والسيادة الثقافية. وقد اختير التعريب آنذاك خيارا سياديا يسعى إلى فك الارتباط بالهيمنة الفرنسية؛ فبدأ المشروع بتعريب المواد الأدبية والشرعية، وتم تأسيس مكتب تنسيق التعريب بالرباط سنة 1961، تحت إشراف الألكسو، بهدف توحيد المصطلح العلمي باللغة العربية”، لافتا إلى أن “هذا التوجه، رغم أهميته الرمزية، لم تصاحبه رؤية تكاملية تدمج الترجمة بوصفها قناة ضرورية لإنتاج المعرفة بالعربية؛ بل ظلت الترجمة ممارسة متفرقة لا تخضع لتخطيط مؤسسي، ولا ترتكز على استراتيجية معرفية مستدامة مرافقة لعملية التعريب”.
وواصلت الوثيقة، بعد صفحات من التشخيص النظري والتطبيقي: “يتجلى القصور البنيوي في غياب تمييز وظيفي ومؤسسي بين مفهومي الترجمة والتعريب؛ فالترجمة تنطوي على نقل دقيق للمعنى ضمن بنيات لغوية وثقافية مختلفة، بينما يركّز التعريب على تكييف المفاهيم ضمن البنية اللسانية العربية، متأثرا بإكراهات التأصيل الثقافي ومقتضيات الهوية. وقد تُرجم هذا الالتباس لترسيخ الانتماء الوطني في التعليم المدرسي، في حين ظلت التخصصات العلمية في الجامعة تدرّس بالفرنسية، مما خلق هوة لغوية ومعرفية حادة عند انتقال الطالب من الثانوي إلى العالي”.
ثم أردف قائلا: “على الصعيد العملي، لم تقترن عملية التعريب بإصلاحات متكاملة في المناهج التعليمية؛ فقد غابت مرجعيات المصطلح الموحدة، وانخفض مستوى التكوين البيداغوجي للأساتذة في مجالي التعريب والترجمة. وأنجزت الكتب المدرسية غالبا من خلال التأليف المباشر، دون اعتماد ترجمات علمية دقيقة، وفي غياب بنك وطني للمصطلحات يمكن أن يوجه إنتاج المفاهيم العلمية والتقنية. أما الترجمة، فقد تم اختزالها في المناهج التعليمية إلى تمارين لغوية عرضية، لا ترقى إلى مستوى الأداة البيداغوجية القادرة على دعم التعددية اللغوية أو ربط المعارف بين الحقول واللغات. أما في الجامعة، فقد ظل تعليم الترجمة خارج التصور المؤسسي لتخصص مستقل”.
وعلى الرغم من “مكانة مدرسة الملك فهد العليا للترجمة بطنجة، باعتبارها المؤسسة الوحيدة ذات التخصص الصريح والمستقل في الترجمة (…) وعلى الرغم إشعاعها على المستويين العربي والإفريقي، فإن هذه المدرسة لا تزال تشكل حالة استثنائية ومعزولة داخل المنظومة الجامعية المغربية، ولم تفعّل الدولة أية آلية لنقل تجربتها العريقة إلى الجامعات العمومية الأخرى”.
أما في “الوثائق الإصلاحية الكبرى، كالميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999) والرؤية الاستراتيجية (2015-2030)”، فلوحظ “استمرار هذا التجاهل البنيوي، حيث اكتفت بتأكيد مبادئ الانفتاح والتعددية، دون بلورة سياسة ترجمة واضحة”.
وبعد تشخيص واقع يعرف “اختلالات عميقة في تدبير السياسة اللغوية”، ذكر التقرير أن هذا ما أفضى إلى “نتائج عملية؛ أبرزها: صدمة لغوية لدى الطلبة، وفوضى مصطلحية، وضعف تكوين الأساتذة، وغياب تراكم علمي باللغة العربية يمكن الركون إليه في التكوين والبحث”.
وأضاف المصدر: “إن غياب سياسة وطنية مندمجة في تعليم الترجمة، تؤطر التنسيق بين مدرسة فهد والكليات الجامعية، وتحدده مرجعية بيداغوجية ومهنية واضحة، يجعل تعليم الترجمة في المغرب مسعى غير مكتمل، ويفوت على البلاد فرصة استراتيجية لبناء منظومة ترجمة وطنية تستجيب لحاجيات الدولة والمجتمع والاقتصاد، في الداخل كما في المحيطين الإقليمي والدولي”.
وانتقد التقرير السياسات اللغوية والثقافية التي “ظلت غالبا حبيسة ثنائية الانغلاق والانفتاح أو التعريب والتغريب، دون استيعاب تحولات الواقع الاجتماعي والمعرفي الذي يفرض اليوم حتمية إدارة عقلانية وواقعية للتعدد اللساني”.
ثم وقف عند “التحول الرقمي المتسارع، وعلى رأسه الذكاء الاصطناعي بكل تجلياته”، حيث “يفرض نفسه كعنصر فارق في إعادة تشكيل مهنة الترجمة ومقاربات تعليمها؛ فقد أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي وأدوات الترجمة الآلية المعززة بالذكاء الاصطناعي جزءا لا يتجزأ من الممارسة المهنية الحديثة”، علما أن “هذه الأدوات لا تغير فقط طرائق إنجاز الترجمة؛ بل تعيد صياغة مفهوم الكفاءة الترجمية ذاتها، بما يتطلب دمج مهارات رقمية وتحليلية جديدة ضمن التكوين، من قبيل: تدقيق الترجمة الآلية، وتحليل الخطاب بمساعدة أدوات الذكاء، وضبط المعايير الأخلاقية للتفاعل مع الأنظمة التوليدية”.
كما سجل التقرير ارتهان “مستقبل تعليم الترجمة في المغرب” لـ”قدرة مؤسساته الأكاديمية على الانخراط الواعي في هذا التحول الرقمي؛ من خلال بلورة سياسات تكوين مرنة ومندمجة تراعي التطورات التكنولوجية دون السقوط في منطق الإحلال الكامل للآلة محل الإنسان، وتسهم في تكوين مترجمين ذوي كفاءة مزدوجة: إنسانية ورقمية، قادرين على إنتاج معرفة لغوية وثقافية مستقلة، ومؤهلين لقيادة الترجمة بوصفها ممارسة استراتيجية في عصر الذكاء الاصطناعي”.
ودعا تقرير الهيئة الأكاديمية العليا للترجمة التابعة لأكاديمية المملكة المغربية إلى “بلورة سياسة ترجمة وطنية واضحة، تعترف بأهمية الترجمة في الإصلاح التربوي، وتربط بين التعليم والتكوين والنشر ومؤسسات البحث في أفق بناء مجتمع معرفي متعدد اللغات، متصالح مع ذاته، ومنفتح على العالم بشروطه”، تتحول فيه الترجمة “من التصور التقليدي إلى رؤية نسقية حديثة للترجمة” ولا يكون فيها إدماج الترجمة في التعليم المغربي “استجابة ظرفية”؛ بل “مدخلا لتكريس سيادة معرفية قائمة على المساواة اللغوية، وتحقيق التكافؤ في فرص التعلم، وتثمين الإنتاج الثقافي المحلي”.
كما خلص التقرير التركيبي للهيئة إلى أن “بناء إطار مرجعي وطني بيداغوجي لتعليم الترجمة في المغرب، في ارتباطه بالتعدد اللغوي والعدالة المعرفية، يشكل فرصة لإعادة التفكير في الدور الذي يمكن للترجمة أن تضطلع به في خلق فضاء عمومي أكثر شمولا، وفي صياغة سياسات لغوية عادلة تسهم في التمكين الثقافي لكل مكونات المجتمع المغربي”؛ مما يستدعي “إلى جانب إصلاح البرامج الجامعية، إطلاق حوار وطني جامع يضم صناع القرار والجامعيين والخبراء والمترجمين وممثلي المجتمع المدني، لصياغة سياسة وطنية للترجمة، يتم إدراجها ضمن رهانات المغرب الاستراتيجية الكبرى”.
يذكر أن التقرير التركيبي المعنون بـ”تعليم الترجمة وتعلمها في المغرب.. بين الاستراتيجيات المعرفية والمؤسسية والسياسات التربوية” الصادر ورقيا في 160 صفحة، يرتكز على “جملة من المحاضرات والمنتديات والأشغال التي نظمتها الهيئة العليا للترجمة”. كما يستند هذا التقرير إلى “دراسة تحليلية لمجموعة من البحوث والدراسات الأكاديمية حول الترجمة وتعليمها، وحول تطور النظام التربوي المغربي وسياساته المنهاجية، وعدد من التقارير الوطنية حول السياسات التعليمية منذ استقلال المغرب حتى اليوم”.
المصدر:
هسبريس