آخر الأخبار

مبادرة من أجل الشباب… ليكون قوة بناء لا عبئًا ثقيلا (1)

شارك

عزيز رباح

تدخل بلادنا مرحلة جديدة عنوانها “المغرب الصاعد بسرعة واحدة”، يكون الإنسان والعمران في صلب أولوياته، وترتكز على ترسيخ العدالة المجالية والاجتماعية كمدخل أساسي للتنمية والكرامة والاستقرار.

ومن داخل هذا الورش الوطني الكبير، تبرز قضية تشغيل الشباب باعتبارها أحد أبرز التحديات المطروحة اليوم، لما لها من تأثير مباشر على النمو والتماسك الاجتماعي والثقة في المستقبل. فالمسألة لم تعد مجرد إشكال مرتبط بسوق الشغل، بل أصبحت قضية استراتيجية تمسّ مستقبل الوطن وأمنه واستقراره وازدهاره.

وقد حققت بلادنا خلال السنوات الأخيرة تقدمًا مهمًا في مجال البنيات التحتية والاقتصادية “العمران”، وهو مجهود واضح يعكس إرادة تحديث البلاد وتعزيز جاذبيتها الاقتصادية. غير أن بناء الإنسان وضمان كرامته يظل أساس أي نموذج تنموي ناجح.

فالعمران، التنمية المادية، الذي أنجزته بلادنا، مهما بلغت أهميته، لا يكتمل أثره إذا لم يواكبه استثمار حقيقي في الإنسان، وخاصة في الشباب.

الشباب ثروة وطنية إذا تم تأهيلها وإدماجها بالشكل المطلوب. أما استمرار البطالة والهشاشة وضعف الإدماج الاقتصادي، فيؤدي إلى كلفة اجتماعية واقتصادية مرتفعة، ويُفقد البلاد جزءًا مهمًا من إمكاناتها البشرية والإنتاجية.

وحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، يتجاوز معدل بطالة الشباب (15–24 سنة) عتبة 30%، مع نسب أعلى لدى حاملي الشهادات وفي الوسط الحضري. كما تشير تقارير البنك الدولي إلى أن إدماج الشباب في سوق الشغل يظل من أبرز التحديات البنيوية في المغرب. وتمثل فئة الشباب غير المنخرطين في التعليم أو التكوين أو الشغل (NEET) حوالي ربع الشباب، أي أكثر من 3 ملايين شاب وشابة في وضعية هشاشة أو خارج الدورة الاقتصادية.

كما تشير بيانات اليونسكو إلى استمرار تحديات الهدر المدرسي، حيث يغادر سنويًا ما بين 280 ألفًا و300 ألف تلميذ مقاعد الدراسة قبل استكمال تعليمهم، مما ينعكس سلبًا على قابلية التشغيل مستقبلًا.

كما أن نسبة مهمة من فرص الشغل المتاحة تظل غير مستقرة أو ضعيفة الحماية الاجتماعية، مما يوسع دائرة “الفقر رغم العمل”.

في حين أن نسبة معتبرة من التشغيل ما تزال مرتبطة بالقطاع غير المهيكل، في حين تواجه المقاولات الصغيرة جدًا، التي تشكل العمود الفقري للنسيج الاقتصادي الوطني، صعوبات مرتبطة بالتمويل والمواكبة والاستمرارية.

ورغم تعدد البرامج والمخططات العمومية والإمكانات المرصودة في مجال التشغيل ودعم المبادرة الاقتصادية، فإن النتائج المحققة ظلت دون مستوى الانتظارات.

وأمام هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى الانتقال من منطق البرامج المتفرقة إلى رؤية وطنية مندمجة تجعل من التشغيل محورًا أساسيًا للسياسات الاقتصادية والاجتماعية والترابية.

ستتناول هذه السلسلة مجموعة من المحاور التي يمكن أن تساهم في بناء مقاربة أكثر نجاعة، من بينها:
– تطوير منظومة مندمجة للتشغيل والتكوين عبر تنسيق أفضل بين التكوين وحاجيات سوق الشغل وربط الكفاءات بفرص الإدماج.
– إصلاح التكوين والتوجيه المهني لملاءمة التكوين مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وتعزيز اللغات والمهارات شوثقافة المبادرة.
– دعم الاستثمار الصغير جدًا والمقاولة الفردية وتسهيل التمويل والمواكبة لفائدة الشباب.
– تعزيز القطاعات الأكثر قدرة على خلق فرص الشغل: مثل الفلاحة والصناعة التقليدية والسياحة والبناء والخدمات والاقتصاد الرقمي.
– تقوية الاقتصاد الاجتماعي والتضامني: باعتباره مجالًا واعدًا للإدماج الاقتصادي والاجتماعي.
– الانفتاح على سوق الشغل الدولي: عبر تأهيل الكفاءات المغربية وفق المعايير المطلوبة دوليًا.
– تعبئة القطاع الخاص والمجتمع المدني: بإشراك أكبر للفاعلين الاقتصاديين والجمعويين في التكوين والإدماج.
– إعطاء أولوية للشباب في التنمية المجالية: خصوصًا في المدن الصغرى والمناطق القروية.
– الحكامة والتقييم وربط المسؤولية بالنتائج: عبر مؤشرات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء.
– الاستفادة من التجارب الناجحة: داخل المغرب وخارجه مع تكييفها مع الواقع الوطني.

وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة إلى إطلاق نقاش وطني واسع حول قضايا الشباب والتشغيل، تشارك فيه مختلف القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، إلى جانب الخبراء والكفاءات داخل الوطن وخارجه.

إن قضية التشغيل تعد ورشًا وطنيًا استراتيجيًا يتجاوز البعد الاجتماعي المباشر، لارتباطه الوثيق بمسار التنمية وتعزيز التماسك والاستقرار.

كما يساهم الإدماج الفعّال للشباب في تعزيز قيم المواطنة والانتماء، وتقوية مناعة المجتمع في مواجهة مختلف أشكال الاستقطاب والانحراف والاختراق.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا