آخر الأخبار

لماذا عادت البوليساريو إلى بوابة “حقوق الإنسان” بعد خسائرها الدبلوماسية؟

شارك

في خضم التحولات الدبلوماسية المتسارعة التي يشهدها ملف الصحراء المغربية، عادت بعض المنظمات غير الحكومية المرتبطة بالأطروحة الانفصالية إلى توظيف واجهة “حقوق الإنسان” لإعادة طرح خطاب سياسي يستهدف الوحدة الترابية للمملكة داخل المحافل الإفريقية والدولية.

وفي هذا السياق، أثار بيان صادر عن عدد من الجمعيات والمنظمات جدلا واسعا، بعدما اعتبر إلغاء ندوة جانبية كانت مبرمجة على هامش الدورة الـ87 للجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب “استهدافا” لما وصفه بـ”المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان”، مستعملاً توصيفات سياسية متجاوزة في محاولة واضحة لإضفاء طابع حقوقي على خطاب انفصالي مرفوض من طرف المغرب والدول الكبرى التي تعترف بمغربية الصحراء.

البيان، الذي تحدث عن إلغاء حجز القاعة من طرف مركز المؤتمرات بالعاصمة الغامبية بانجول دون تقديم توضيحات رسمية، حاول الربط بين هذا القرار وبين ما سماه “الضغط الخارجي” لإسكات الأصوات الداعمة للبوليساريو، رغم أن الجهة المنظمة للمؤتمر تملك كامل الصلاحية في تدبير فضاءاتها وبرمجتها. ويأتي هذا التحرك في توقيت حساس يتزامن مع المكاسب الدبلوماسية التي راكمها المغرب بخصوص قضية الصحراء، ما يطرح تساؤلات حول خلفيات توظيف الملف الحقوقي كأداة للضغط السياسي، وحول طبيعة الأجندات التي تحرك بعض المنظمات الدولية تحت غطاء الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان.

وتعليقا على هذا الموضوع، وصف رئيس منظمة “أفريكا ووتش”، عبدالوهاب الكاين، البيان الذي صدر في 13 ماي الجاري بتوقيع من منظمة “الخط الأمامي” الدولية وشركاء آخرين، بأنه رد فعل متشنج على قرار إلغاء ندوة موازية كانت مقررة ضمن أشغال الدورة 87 للجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب.

وأوضح المتحدث في تصريح أدلى به لجريدة “العمق”، أن مسعى عقد هذا النشاط تحت عنوان حماية المدافعين يندرج ضمن مناورة سياسية جديدة تهدف إلى توظيف الآليات القارية كمنصة للدعاية المغرضة لصالح جبهة البوليساريو، في محاولة لاختراق الوعي الإفريقي عبر واجهة تفتقر للنزاهة الموضوعية.

وأكد الكاين، الذي يشغل أيضا منصب نائب منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، أن هذا السلوك يعكس توجها محموما لرهن الأجندة الحقوقية الإفريقية لحسابات جيوسياسية مرتبطة بالنزاع المفتعل، مبرزا أن هذا المخطط اصطدم بيقظة الفاعلين المؤسساتيين الذين رفضوا تحويل المنصات الإفريقية إلى أبواق دعائية تتنكر للواقع الميداني وللتحولات الجذرية بالمنطقة.

وأشار المصدر ذاته إلى أن الاحتجاج الصادر عن تلك الجهات يبرهن على إفلاس معرفي عبر محاولة فرض سردية تخدم تنظيما عسكريا انفصاليا في تندوف، مع تسجيل إصرار مريب على تغييب مآسي الضحايا الحقيقيين لعمليات القتل خارج نطاق القضاء والاختفاء القسري والتعذيب داخل المخيمات، وهو ما اعتبره المتباحث تزييفا للحقائق وتجهيلا ممنهجا بفراغ المساءلة القانونية هناك.

وأضاف المتحدث في تصريحه أن الانحياز السياسي الصارخ في هذا البيان يتجلى من خلال توظيف عبارة الصحراء الغربية المحتلة، موضحا أن هذا الاستخدام المتعمد للغة مشحونة أيديولوجيا يعد خروجا عن النزاهة المعرفية، ويتناقض مع تصنيف الإقليم بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1514 كإقليم غير متمتع بالحكم الذاتي، مما يجعل لغة البيان تمردا صريحا على الإطار الأممي الذي يحصر مسار الحل في التفاوض والبراغماتية تحت وصاية مجلس الأمن.

وتابع الفاعل الحقوقي تحليله لخلفيات البيان، مبينا أن التوقيعات الملحقة به تكشف عن تغييب للحياد المنهجي، حيث ترتبط غالبية المنظمات الموقعة، لاسيما الناشطة في دول الاتحاد الأوروبي، بشراكات استراتيجية وتمويلية مع تنظيم البوليساريو، معتبرا إياها استراتيجية التفاف دبلوماسي توظف الفاعلين غير الحكوميين كبدائل لخدمة الأجندة الجيوسياسية لفاعل مسلح.

وسجل رئيس “أفريكا ووتش” أن هذه المناورات تأتي في لحظة تتسم بالاختناق الدبلوماسي للأطروحة الانفصالية، تزامنا مع النجاحات التي تحققها مبادرة الحكم الذاتي المغربية واتساع رقعة الاعترافات الدولية وافتتاح القنصليات بالأقاليم الجنوبية، مشددا على أن هذا الانحسار دفع الجبهة نحو محاولة استغلال اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان كملاذ أخير لتعويض الإخفاق في المسار السياسي.

وأردف المصدر الحقوقي أن المشهد الحالي يعكس مواجهة بين نموذج مغربي يعتمد المقاربة الدولية المتعددة الأطراف والاحتكام للآليات الأممية، ونموذج آخر توظفه الجزائر والبوليساريو لاختراق الفضاءات عبر وكالات مدنية مسيسة، مؤكدا أن امتناع المغرب عن الدخول في سجالات داخل منصات تفتقر للحياد يمثل خيارا استراتيجيا لتجنب فخ التشويه المؤسساتي.

واعتبر الكاين أن ادعاء تعرض المؤسسة لضغوط خارجية عقب إلغاء النشاط الموازي هو مجرد تكييف سياسي عاجز يرمي إلى تدويل إخفاق إجرائي للجهة المنظمة، مبرزا أن إخضاع الفعاليات الموازية لضوابط تنظيمية يندرج ضمن سلطة التقدير المؤسساتية لحماية المحافل الدولية من الاستقطاب، ولا يمكن منطقيا أو قانونيا مساواته بالاعتداء على الحريات الأساسية والحق في الحياة.

وخلص الفاعل الحقوقي إلى أن توصيف قرار إداري تنظيمي يخص حيزا مكانيا بأنه تهديد للسيادة المؤسسية وإسكات ممنهج، يمثل نموذجا صارخا لتوظيف التضخم اللغوي بهدف خلق استنفار عاطفي، وذلك لتمويه الحقيقة المتمثلة في عجز الجهات المنظمة عن تقديم مادة ترافعية تستوفي شروط النزاهة والموضوعية المعتمدة في المنتديات القارية الرصينة.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا