في أعقاب زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين، وصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اليوم الثلاثاء (19 مايو/ أيار 2026) إلى العاصمة الصينية لعقد قمة جديدة مع نظيره شي جينبينغ. وبثت قناة "سي سي تي في" التلفزيونية الصينية الرسمية مشاهد لهبوط طائرة بوتين في مطار بكين الدولي بعيد الساعة 23,15 (15,15 ت غ). وتأتي تلك الزيارة في وقت تبدو فيه موسكو أكثر اعتماداً من أي وقت مضى على شريان الدعم الاقتصادي الصيني.
منذ بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، تضاعفت تقريباً صادرات روسيا إلى الصين، لتصل في عام 2024 إلى نحو 129 مليار دولار، معظمها من النفط الخام والفحم والغاز الطبيعي الذي بيع بأسعار مخفضة.
في المقابل، تحولت الصين إلى المورد الصناعي الأكبر لروسيا، عبر تصدير الآلات والإلكترونيات والمركبات التي اختفت من السوق الروسية بعد انسحاب الشركات الغربية. كما أصبحت المنتجات الصينية ذات الاستخدام المزدوج المدني والعسكري جزءاً أساسياً من استمرارية الصناعات الدفاعية الروسية.
العقوبات الغربية المفروضة منذ عام 2022 قطعت وصول روسيا إلى التكنولوجيا الغربية المتقدمة، خصوصاً أشباه الموصلات والمعدات الدقيقة اللازمة لإنتاج الأسلحة.
فروسيا أصبحت مضطرة إلى شراء كثير من المعدات عبر شبكات التفاف معقدة تمر بدول ثالثة، وغالباً بأسعار أعلى بكثير من أسعار ما قبل الحرب. كما أن اعتمادها المتزايد على التكنولوجيا الصينية يمنح بكين قدرة أكبر على التأثير في القطاعات الحيوية الروسية، من الصناعات العسكرية إلى البنية التحتية الرقمية.
وتشير تقارير غربية أيضاً إلى أن الصين زودت روسيا بصور أقمار صناعية وتقنيات مرتبطة بالطائرات المسيّرة، ما ساعد موسكو على الحفاظ على إنتاجها العسكري وتوسيع اقتصادها الحربي.
مع استبعاد بنوك روسية من نظام "سويفت" وتجميد جزء كبير من احتياطات البنك المركزي الروسي في الخارج، وجدت موسكو نفسها مضطرة للتخلي تدريجياً عن الدولار واليورو في تجارتها الخارجية.
نتيجة لذلك، أصبحت غالبية المبادلات التجارية بين روسيا والصين تتم اليوم بالروبل واليوان ، في إطار مساعي البلدين إلى ما يسمى "التحرر من الدولار".
لكن هذا التحول خلق تبعية مالية جديدة. فروسيا باتت أكثر ارتباطاً بالنظام المالي الصيني، وأكثر عرضة لتقلبات العملة الصينية وقرارات بكين الاقتصادية. كما أن اتساع استخدام اليوان "العملة الصينية" يمنح الصين نفوذاً عالمياً أكبر، ويحول الدول التي تعتمد عليه تدريجياً إلى فضاء اقتصادي يدور في الفلك الصيني.
وتأتي قمة بوتين وشي أيضاً بعد أيام فقط من زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين، حيث حاولت واشنطن وبكين تهدئة التوترات بينهما بشأن التجارة والتكنولوجيا والقضايا العالمية.
لكن أي تحسن في العلاقات الأمريكية الصينية لن يصب بالضرورة في مصلحة بوتين، إذ قد يقلل من حاجة بكين إلى الاصطفاف الكامل مع موسكو في مواجهة الغرب، خصوصاً أن الصين تضع مصالحها الاقتصادية الضخمة مع الولايات المتحدة وأوروبا في مقدمة أولوياتها.
ويرى كثير من الخبراء أن اختلال التوازن بين الطرفين مرشح للتعمق خلال السنوات المقبلة، خصوصاً مع سعي موسكو إلى توسيع صادرات الطاقة نحو الصين.
ومن المتوقع أن يدفع بوتين خلال زيارته الحالية باتجاه تسريع مشاريع الطاقة الكبرى، وعلى رأسها خط أنابيب "قوة سيبيريا 2" والذي قد ينقل ما يصل إلى 50 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً إلى الصين عبر منغوليا. لكن المشروع لا يزال يواجه خلافات تتعلق بالأسعار والتفاصيل التقنية.
ورغم أن المشروع لا يزال متعثراً بسبب الخلافات حول الأسعار والشروط التقنية، فإن أي اتفاق نهائي سيزيد ارتباط مستقبل الطاقة الروسي بالسوق الصينية، ويمنح بكين أوراق ضغط إضافية على الكرملين.
في المقابل، تستفيد الصين من هذا الوضع للحصول على الطاقة بأسعار تفضيلية، وتعزيز أمنها الطاقي في حال تصاعد التوتر مع الغرب، خصوصاً حول تايوان .
ويرى جوزيف ويبستر، الباحث البارز في المجلس الأطلسي، أن زيادة قدرة خطوط الأنابيب الروسية المتجهة إلى الصين "ستعزز بشكل كبير أمن النفط الصيني في حال وقوع أزمة حول تايوان".
ويشير ويبستر بذلك إلى التهديدات الصينية المتكررة بغزو تايوان، وهي خطوة قد تؤدي إلى فرض عقوبات غربية على بكين، أو حتى إلى حصار بحري أمريكي يعرقل واردات الصين النفطية المنقولة بحراً.
كما أن رغبة بكين في تأمين إمدادات طاقة برية موثوقة ازدادت بعد الاضطرابات التي شهدها مضيق هرمز خلال الحرب الإيرانية. غير أن أي تقدم في هذه المشاريع سيجعل مستقبل الطاقة الروسي أكثر ارتباطاً بالصين، ما يعزز نفوذ بكين على موسكو.
أعده للعربية: أنور فطناسي
تحرير: عبده جميل المخلافي
المصدر:
DW