حميد زيد – كود//
كنتُ أظنُّ عبد الواحد رفيع يمزح.
كنتُ أظنُّه يحلم.
كنتُ أظن أنه لن يفعلها. حين أخبرني لأول مرة أن ينوي إطلاق برنامج حواري من سطح شقته. في الإقامة التي يقطن بها. بحي سيدي معروف.
كنتُ أظنه غير جاد.
وسيتراجع.
لكنه تحداني. واستطاع أن ينجز الحلقة الأولى. والثانية. والثالثة…
وها هو الآن صاحب برنامج حواري معروف.
والكل يتصل به.
والكل يريد أن يحضر إلى برنامجه.
ومن سطح شقته.
ومن لا شيء.
و بديكور متقشف.
و بأصص نباتات وورود تبرع بها مشكورا صاحب المقهى المجاور لمحل سكناه.
و الذي لم يكتف بذلك. بل ساهم في الحلقة الأولى. بطاولة. و مقعدين.
دعما منه للمشروع.
وبعد ذلك صبغ صاحب البرنامج صندوقين خشبيين.
وصعد بأريكة ثقيلة من شقته. ليجلس عليها الضيف الذي لا يتحمل ظهره الجلوس على صندوق.
أما حين صعدت كنزة الشرايبي رئيسة مقاطعة سيدي بليوط. بكل أناقتها. إلى سطح عبد الواحد رفيع.
فقد تحول ذلك إلى حدث في الحي.
وجاء الفضوليون.
وجاء المقدم. و صعد الحارس الليلي ليتحرى الأمر.
وليعرف ماذا تفعل كنزة الشرايبي في السطح.
وليطمئن عليها.
وانتشر الخبر في كل مكان. وفي الشقق. وبين الجيران. وتحدث عنه البقال. وبائع الخبز. وبائع الدجاج.
واسترعى البرنامج انتباه المراهقين.
والبنات.
والنساء أخذن يتداولن بينهن ما يفعله جارهن. ذلك الذي له لحية. في السطح.
و كلما صادف شخصا. فإنه يسأله ذلك الشخص عن الضيف الذي سيصعد في الحلقة القادمة.
لكن طريق النجاح ليست دائمة مفروشة بالورود.
إذ يحدث أحيانا أن تصعد جارة حاملة سلة ملابس إلى السطح. كي تنشرها على حبل الغسيل.
فتقطع البرنامج. وحبل الحوار.
وتقتحم إطار الصورة.
ويحدث أن يصعد الأطفال. ويصعد المدخنون. فيقتحمون البرنامج.
إلا أن هذا كله لا يؤثر على عبد الواحد رفيع.
فقد حدث في حلقة استضاف فيها الشاعرة والفنانة التشكيلية شمس صهباني.
وبينما هو يطرح السؤال. أن جاءت صغيرته نور. لتشارك بدورها في برنامج والدها الأسبوعي.
الذي حضر فيه الزميل العربي رياض. و احميدة الباهري. أحد مؤسسي مجموعة لمشاهب. وبنات الغيوان.
و لأني أعرف صديقي وزميلي وأخي عبد الواحد رفيع حق المعرفة.
ولأننا درسنا معا الصحافة قبل أكثر من 25 سنة.
فقد كنت أشك في مشروعه. وفي قدرته على تحقيقه.
ولا يتعلق الأمر هنا بالكفاءة. ولا بالتجربة. اللتين لا يعدمها صاحب برنامج من السطح.
بل لأنه لا يتوقف عن المشي.
و منذ أن تعرفت عليه وهم يمشي. ويقطع المسافات الطويلة. دون توقف.
وأن يجلس.
وأن يضطر إلى التصوير ومن سطح شقته.
وأن يلتزم.
فقد كان ذلك بالنسبة إليّ مستحيلا.
لكنه نجح في ذلك.
وبمجرد أن يصور الحلقة. ينطلق عبد الواحد رفيع. ويعود إلى عادته القديمة. وتجده في مركز المدينة.
وفي تطوان. وفي قرية أمسا. وفي الشاطىء.
وتجده يسبح في عين الدياب.
وتجده في كل مكان.
ويمشي. ويمشي. ولا يتعب. وفي الليل. وفي النهار.
ويمشي إلى الاجتماعات.
وإلى المقاطعة.
وإلى السلطة. وإلى المنتخبين.
ليعود من جديد إلى سطحه وبرنامجه.
و الذي يظهر أنه صار مرتبطا به.
ويحبه.
ويحلم به.
ببساطته المعهودة. و بطيبته. وبلحيته. التي أعاقت كثيرا مساره المهني.
وتسببت له في الكثير من المشاكل.
و رغم أنه صحافي مهني.
فقد عانى كثيرا.
إلى أن هجم المؤثرون على المهنة .
وهجم صناع المحتوى.
و واحد ينجز برنامجا من سيارته
وآخر من السداري الذي في صالون بيته
ليبزهم عبد الواحد رفيع جميعا
لينشىء موقعا إلكترونيا
وليطل علينا من سطح البناية التي يقطن بها
و في كل مرة
وفي كل اثنين
يصعد إليه المنتخبون
والفنانون
والكتاب والشعراء
وتصعد كنزة الشرايبي
إلى البرنامج
ويصعد الجيران
وتصعد سلة الملابس
وتصعد الأسئلة
التي تتخللها حبال الغسيل
ويتخللها الهواء والكتابات على الجدران
ومن السطح
ومن برنامجه
يرى عبد الواحد رفيع الدار البيضاء
ويرى المغرب
ويرى كل الخطوات التي قطعها في الحياة
وكل الصداقات
وكل التجارب
مبتسما
ساخرا
ملتزما
زاهدا
محبا لابنتيه
قارئا ملايين المرات نفس الكتاب
لنفس الكاتب حسين البرغوثي
رافضا النزول
والاستسلام
صاعدا إلى السطح
و إلى أعلى
رغم كل الصعاب.
المصدر:
كود