أكد كريم زيدان، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية في المغرب، أن العالم اليوم يعيش مرحلة دقيقة تتسم بتعدد الأزمات وتزايد التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، سواء داخل بعض الدول أو على المستوى الدولي، مردفا أن “هذا الوضع يجعل مسألة الاستقرار والتنمية ليست مجرد خيار، بل ضرورة ملحة لضمان استمرارية التقدم وحماية المكتسبات”.
وأشار زيدان، في إطار سلسلة “مسار المستقبل” والمنتدى الوطني للتجار والحرفيين التجمعيين، الذي احتضنته مدينة الدار البيضاء، اليوم السبت، تحت عنوان: “التجار والحرفيون.. في قلب التحول الاقتصادي الوطني”، إلى أن الحكومات أصبحت مطالبة أكثر من أي وقت مضى بلعب أدوار محورية في تدبير المرحلة، من خلال اعتماد سياسات عمومية أكثر فعالية ونجاعة.
وأفاد المتحدث عينه بأن التحديات الحالية تتطلب رؤية واضحة وقدرة على التكيف السريع مع المتغيرات، بما يضمن الاستجابة لحاجيات المواطنين بشكل مباشر وملموس.
وأبرز زيدان أن أهمية إعادة النظر في عدد من السياسات السابقة، والعمل على تطوير التجارب التي تم اعتمادها في السنوات الماضية، بهدف تجاوز الاختلالات التي قد تكون أثرت على بعض القطاعات، معتبرا أن الإصلاح المستمر هو شرط أساسي لبناء نموذج اقتصادي أكثر توازنا واستدامة.
وفي سياق متصل، وأوضح الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية في المغرب، أن المغرب يسعى إلى تعزيز أسس اقتصاد قوي ومتين، يقوم على تشجيع الاستثمار بجميع أنواعه، سواء الوطني أو الأجنبي، مضيفا أن “خلق بيئة استثمارية مستقرة وجذابة يعد عاملا أساسيا في تحفيز النمو الاقتصادي وتحقيق التنمية الشاملة”.
وأضاف أيضا أن تحسين مناخ الأعمال يرتبط بشكل مباشر بقدرة الدولة على تبسيط المساطر الإدارية، وتقوية الشفافية، وتعزيز الثقة بين المستثمرين والمؤسسات، مؤكدا أنه “كلما كانت القواعد واضحة ومستقرة، كلما ارتفعت جاذبية الاقتصاد الوطني”.
ولفت المسؤول الحكومي إلى أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة تلعب دورا محوريا في دعم الاقتصاد الوطني، من خلال تمويل المشاريع الكبرى، ونقل الخبرات والتكنولوجيا، والمساهمة في خلق فرص شغل جديدة، وهي عناصر أساسية لأي دينامية اقتصادية ناجحة.
ويرى زيدان أن تدفقات الاستثمار، رغم أهميتها، تظل مرتبطة بمدى توفر شروط الاستقرار السياسي والاقتصادي، إضافة إلى قوة البنية التحتية وجودة الحكامة. وقد تم تسجيل مستويات من هذه التدفقات، وفق ما تم التطرق إليه، تعكس اهتماما متزايدا بالمغرب كوجهة استثمارية.
غير أن هذه الدينامية، حسب التصريحات نفسها، لا تخلو من تحديات، إذ يظل الرهان الأكبر هو ضمان استمرارية هذه التدفقات وتحويلها إلى مشاريع منتجة وذات أثر اجتماعي واقتصادي واضح، وليس فقط أرقاما ظرفية.
وفي هذا السياق، شدد زيدان على أن تحسين الحكامة الجيدة يشكل ركيزة أساسية في أي إصلاح اقتصادي ناجح، حيث يقتضي الأمر تعزيز الشفافية، ومحاربة كل أشكال الفساد أو الاختلالات التدبيرية التي قد تعرقل مسار التنمية.
وأوضح أيضا أهمية تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، باعتبار أن التنمية الحقيقية لا تقاس فقط بمؤشرات الاقتصاد الكلي، بل أيضا بمدى انعكاسها على حياة المواطنين وتحسين أوضاعهم المعيشية.
واختتم زيدان حديثه قائلا: “نجاح أي سياسة اقتصادية يظل رهينا بقدرة الدولة على ضمان الاستقرار الشامل، وتوفير مناخ ملائم للاستثمار، وتوجيه الجهود نحو مشاريع تنموية مستدامة تستجيب لتطلعات المجتمع وتخدم المواطن بشكل مباشر وفعال”.
من جهته، أكد لحسن السعدي، كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، أن برنامج التدرج المهني بدأ يعطي نتائج إيجابية وملموسة على أرض الواقع، حيث يرتقب أن يساهم خلال السنوات المقبلة في تكوين ما يقارب 150 ألف مستفيد.
وأضاف السعدي، هذا البرنامج إلى تمكين الشباب من اكتساب مهارات مهنية وحرفية بشكل تدريجي ومنظم، بما يعزز إدماجهم في سوق الشغل ويدعم استمرارية الحرف التقليدية والصناعات المرتبطة بها.
وفي السياق نفسه، أشار كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، إلى أن مشروع “الكنوز الحرفية” يشكل ورشا مهما داخل الاستراتيجية الجديدة للقطاع، إذ يعتمد على خبرة “المعلمين” والحرفيين المتمرسين الذين ينقلون معارفهم إلى الأجيال الشابة، سواء في الحرف التقليدية أو بعض المهن ذات الطابع الصناعي.
واعتبر أيضا أن هذا التبادل بين الأجيال ركيزة أساسية للحفاظ على الهوية الحرفية المغربية وضمان استمراريتها.
وأبرز المسؤول الحكومي أن عملية هيكلة قطاع الصناعة التقليدية تعرف تقدما ملحوظا، حيث تم تجاوز 130 هيئة مهنية على المستوى الوطني، في إطار تفعيل مقتضيات القانون 15.17 المتعلق بتنظيم القطاع.
وأضاف أنه تم كذلك إصدار “بطاقة الصانع” التي تمنح مجموعة من الامتيازات لفائدة الحرفيين، وتساعدهم على الاندماج بشكل أفضل في المنظومة الاقتصادية والاستفادة من برامج الدعم والتأطير.
وأشاد بالدور المحوري الذي تلعبه رؤساء غرف الصناعة التقليدية، باعتبارهم فاعلين أساسيين في تأطير المهنيين والدفاع عن مصالحهم والمساهمة في تطوير القطاع.
واعتبر أن من بين مظاهر التحول الإيجابي التي يشهدها هذا المجال، هو انفتاح الحرفيين على الوسائل التكنولوجية الحديثة في تسيير أنشطتهم اليومية وتسويق منتجاتهم، مما يعكس تطورا تدريجيا في أساليب العمل.
وأضاف أن هناك عددا من البرامج والأوراش المهيكلة التي يتم تنزيلها في القطاع، والتي يصعب التطرق إليها جميعا في وقت محدود، لكنها تعكس رؤية شمولية تهدف إلى تأهيل الصناعة التقليدية وتعزيز مساهمتها في الاقتصاد الوطني.
وأكد السعدي أن الحكومة الحالية جعلت من الأسرة والحرفيين في صلب هذه التحولات، في إطار مقاربة اجتماعية تروم تحسين أوضاع هذه الفئات.
وفي معرض حديثه، لفت أيضا إلى أن المرحلة السابقة عرفت، حسب تعبيره، نوعا من التهميش الذي طال فئة الحرفيين، حيث لم تحظَ بالاهتمام الكافي، بينما تسعى الحكومة الحالية إلى إعادة الاعتبار لهم وتعزيز مكانتهم الاقتصادية والاجتماعية.
وأوضح أن هذه المقاربة الجديدة تعكس رؤية مختلفة تهدف إلى دعم التجار والحرفيين وتمكينهم من لعب دور أكبر في التنمية.
وأردف أيضا أن هذا القطاع لم يعد ينظر إليه كما في السابق، بل أصبح يساهم اليوم في خلق أرقام مالية مهمة داخل الاقتصاد الوطني، وهو ما يعكس تحوله من قطاع تقليدي محدود الإمكانيات إلى قطاع منتج وفاعل.
وأقر السعدي بأن الطريق ما يزال طويلا، خاصة فيما يتعلق بتسهيل الولوج إلى المواد الأولية، وهو تحد يرتبط بالإرادة الجماعية وبمواصلة الإصلاحات.
واختتم بالإشارة إلى أن القطاع يعيش مرحلة تحول مهمة، عنوانها الأساسي هو الاعتراف بدور الحرفي وتثمين مهاراته، مع الطموح إلى مزيد من التطوير والانفتاح على فرص جديدة تضمن استدامة هذا الموروث الاقتصادي والثقافي.
المصدر:
العمق