أكدت نادية فتاح، وزيرة الاقتصاد والمالية، أن هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي، تحولت بعد عشر سنوات من إحداثها، إلى ركيزة أساسية لترسيخ الثقة داخل قطاع التأمين، بفضل ما راكمته من مصداقية ونجاعة في أداء مهامها الرقابية، مشددة في الوقت ذاته على أن المرحلة المقبلة تفرض مواصلة هذا المسار بطموح متجدد يواكب التحولات المتسارعة التي يعرفها القطاع.
وأبرزت نادية فتاح في كلمة لها صبيحة اليوم الأربعاء بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي،أن ورش إصلاح أنظمة التقاعد يندرج ضمن أولويات هذه المرحلة، بالنظر إلى ما يطرحه من رهانات مالية واجتماعية، مؤكدة أن هذا الإصلاح يظل ضرورة ملحة يتعين تدبيرها بروح المسؤولية والوضوح وفي إطار من التشاور، بما يضمن استدامة الأنظمة وتعزيز ثقة المواطنين فيها.
وفي هذا السياق، أكدت وزيرة الاقتصاد والمالية، أن هذه المناسبة لا تمثل مجرد محطة احتفالية، بل تجسد عشر سنوات من اختيار هيكلي حاسم في مسار تحديث المنظومة المالية الوطنية، مبرزة أن إحداث هيئة مستقلة وحديثة بصلاحيات معززة، بموجب دخول القانون رقم 64.12 حيز التنفيذ سنة 2016، شكل تحولا عميقا في تنظيم قطاع التأمين والاحتياط الاجتماعي بالمغرب.
وأوضحت أن هذا التوجه جاء في إطار دينامية أشمل تروم تحديث الإطار التنظيمي الوطني وملاءمته مع أفضل المعايير الدولية، مشيرة إلى أن النتائج المحققة بعد مرور عقد من الزمن باتت ملموسة، وهو ما يعكس، بحسب تعبيرها، حجم الجهود التي بذلتها الهيئة وكافة أطرها، وما أبانوا عنه من التزام وصرامة وقدرة على التكيف، الأمر الذي مكن من إرساء منظومة رقابية تتسم بالمصداقية والفعالية.
واعتبرت أن ما تحقق خلال هذه السنوات العشر يتجاوز مجرد تطور مؤسساتي، ليشكل ركيزة حقيقية للثقة داخل القطاع، مؤكدة أن هذه المصداقية تمثل مكسبا ثمينا، لكنها لا يمكن أن تكون غاية في حد ذاتها، بل ينبغي أن تشكل منطلقا لطموح متجدد يستجيب لمتطلبات المرحلة، خاصة في ظل التطور الذي يعرفه قطاع التأمين، والذي تضاعف حجمه تقريبا خلال عقد من الزمن، دون أن يبلغ بعد كامل إمكاناته، في ظل استمرار محدودية معدل الاختراق واتساع هوامش التقدم في مجال الشمول المالي، إلى جانب تسارع تطور انتظارات المواطنين.
وشددت على أن التحدي لم يعد يقتصر على تحقيق النمو، بل أصبح يرتبط بإحداث تحول عميق في دور التأمين داخل الاقتصاد والمجتمع، باعتباره ليس مجرد منتج مالي، وإنما آلية للحماية وعاملا لتعزيز الصمود وأداة للاستشراف، مبرزة أن هذا التحول يتم في سياق يتسم بتزايد تعقيد المخاطر وتسارعها، سواء تعلق الأمر بالمخاطر المناخية أو السيبرانية أو التقلبات الاقتصادية، وهي مخاطر أكثر ترابطا وأحيانا يصعب التنبؤ بها.
وفي هذا الإطار، أكدت أن المقاربة التقليدية القائمة على التكيف لم تعد كافية، بل يتعين الانتقال إلى منطق الاستباق وأحيانا المبادرة، معتبرة أن التقنين والضبط لم يعودا يقتصران على التأطير، بل أصبحا يرتكزان على الاستباق من أجل الحماية، وهو ما يبرز الدور المحوري للهيئات المنظمة، التي يتعين عليها تطوير أدوات المراقبة عبر الاعتماد بشكل أكبر على المعطيات، وتعزيز المقاربة القائمة على المخاطر، والحفاظ على مستوى عال من المتطلبات في ما يتعلق بممارسات السوق.
كما دعت إلى مواكبة الابتكار، خاصة في مجال التكنولوجيا التأمينية، مع التأكيد على مبدأ أساسي مفاده أن الابتكار لا يكتسي معنى إلا إذا أدى بشكل ملموس إلى تحسين حماية المواطنين، مشيرة إلى أن هذه التحديات تتقاطع مع الورش الكبير للحماية الاجتماعية الذي انخرط فيه المغرب خلال السنوات الأخيرة، والذي مكن من تمكين ملايين المواطنين من الولوج إلى حقوق أساسية، معتبرة أن هذا الورش يشكل مكسبا مهما للبلاد.
وأضافت أن المرحلة المقبلة تفتح آفاقا جديدة ترتبط بتحقيق الجودة والموثوقية والاستدامة، وهو ما يستوجب إيلاء اهتمام خاص لجودة الخدمات واستمرارية المرفق وضمان التوازنات المالية للأنظمة، مبرزة أن إصلاح أنظمة التقاعد يندرج ضمن هذا المسار، ويتعين تدبيره بروح المسؤولية والوضوح وفي إطار التشاور.
وأكدت أن الطموح خلال السنوات العشر المقبلة يجب أن يكون واضحا، ويتمثل في جعل المغرب مرجعا إقليميا وقاريا في مجال التأمين والاحتياط الاجتماعي، وتحويل هذا القطاع إلى رافعة حقيقية للتحول الاقتصادي والاجتماعي، من خلال تعزيز جودة المراقبة، وتشجيع الابتكار المفيد، وتحسين استيعاب المخاطر الجديدة، والانفتاح على المستوى الدولي.
وختمت نادية فتاح كلمتها بالتأكيد على أن تجربة عشر سنوات من عمل هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي تبرز أن الثقة لا تُمنح بقرار، بل تُبنى على المدى الطويل من خلال قواعد واضحة ومؤسسات قوية وطموح جماعي، مشددة على أن الاستقرار يظل ضرورة، غير أن الطموح يظل اختيارا ينبغي أن يكون في أعلى مستوياته، بالنظر إلى تطور انتظارات المواطنين وتسارع التحولات، وقدرة المغرب على تحقيق هذا الطموح.
المصدر:
العمق