أكد عبد الرحيم الشافعي، رئيس هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي “أكابس”، أن عشر سنوات من عمل الهيئة مكنت من ترسيخ نموذج رقابي مستقل ومتطور، وضع المغرب في مصاف الدول التي تعتمد أعلى المعايير الدولية في تنظيم قطاعي التأمين والاحتياط الاجتماعي، مشدداً على أن الهدف الأسمى لهذا المسار يظل الحفاظ على استقرار القطاع، باعتباره ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد الوطني، خاصة في ظل استثمارات تديرها شركات التأمين تفوق 240 مليار درهم، وما تمثله من ضمانة لحماية حقوق ومستقبل المواطنين.
وأوضح الشافعي، في لقاء عقدته الهيئة، صباح الخميس بالرباط، بمناسبة الاحتفال بالذكرى العاشرة لتأسيس الهيئة، أن آليات حماية المؤمن لهم تعززت بشكل ملموس خلال هذه الفترة، من خلال إرساء منظومة متكاملة لمعالجة الشكايات، التي تجاوز عددها 6000 شكاية خلال سنة واحدة، بما يعكس تنامي ثقة المرتفقين في دور الهيئة كضامن للإنصاف وحماية الحقوق، في سياق إصلاحي شامل عزز شفافية القطاع وفعالية رقابته.
حصيلة غنية خلال 10 سنوات
وأكد الشافعي، أن حصيلة عشر سنوات من عمل الهيئة تعكس مساراً غنياً بالإصلاحات والأوراش الهيكلية التي مكنت من ترسيخ موقعها كمؤسسة رقابية مستقلة ومواكبة لتحولات قطاعي التأمين والاحتياط الاجتماعي، مبرزاً أن هذا المسار لم يكن مجرد مرور زمني، بل ورشاً متواصلاً لبناء مؤسسة حديثة تستجيب للمعايير الدولية وتحديات السوق.
وأبرز المتحدث ذاته أن المرحلة الأولى من هذا المسار تمثلت في إرساء أسس الهيئة كمؤسسة مستقلة عن وزارة الاقتصاد والمالية، وفق مقتضيات القانون رقم 64-12، حيث تم وضع الهياكل التنظيمية وإجراءات العمل وتدبير الانتقال المؤسساتي، مع الاستمرار في الاضطلاع بالصلاحيات القانونية، في سياق وصفه بكونه “ورشاً مفتوحاً” رافق مسار التأسيس.
وأضاف أن من بين أبرز الاختيارات الاستراتيجية التي طبعت عمل الهيئة منذ انطلاقها، التوجه نحو ملاءمة الإطار التنظيمي مع المعايير الدولية، مؤكداً أن هذا التوجه شكل محدداً أساسياً لمختلف الأوراش التي تم إطلاقها، وأسهم في تموقع المغرب ضمن الأسواق التي تعتمد أفضل الممارسات في مجال تنظيم قطاع التأمين والاحتياط الاجتماعي، مشيراً إلى أن المملكة تعد ثاني أكبر سوق إفريقي في مجال التأمين، إلى جانب ما يعرفه قطاع الاحتياط الاجتماعي من دينامية، خاصة في ظل ورش تعميم التغطية الاجتماعية.
وأشار الشافعي إلى أن الهيئة حرصت كذلك على تقاسم تجربتها مع محيطها الإقليمي، حيث استقبلت العديد من الهيئات والأسواق الأجنبية للاطلاع على التجربة المغربية، معتبراً أن ما تحقق يتيح للمغرب تقديم نموذج يمكن الاحتذاء به على مستوى القارة الإفريقية والعالم العربي.
وفي ما يتعلق بالابتكار، أبرز المتحدث ذاته أن الهيئة عملت على مواكبة التحولات التكنولوجية في القطاع، من خلال تأطير البيع عبر الإنترنت، وإطلاق مبادرات مرتبطة بتكنولوجيا التأمين (Assurtech)، بما يتيح إدماج الحلول الرقمية وتوفير قيمة مضافة لفائدة المؤمن لهم والمستفيدين من العقود، ومواكبة التطورات العالمية في هذا المجال.
وعلى مستوى الإطار الاحترازي، أفاد الشافعي بأن الهيئة استكملت بناء نظام حديث للملاءة المالية قائم على المخاطر، بعد إنجاز خمس دراسات لتقييم الأثر، موضحاً أن هذا النظام، المستوحى من معيار “Solvabilité II” مع تكييفه مع خصوصيات السوق الوطنية، سيمكن من قياس أدق للمخاطر مقارنة بالنظام السابق القائم على نسب ثابتة، مع الحفاظ على دور شركات التأمين كمستثمر مؤسساتي يساهم في تمويل الاقتصاد.
كما شدد على أن الهيئة عززت مقاربتها للإشراف الاحترازي الكلي، خاصة في سياق أزمة كوفيد، حيث تم الانتقال من مراقبة المخاطر على مستوى كل مؤسسة على حدة إلى تحليلها على مستوى القطاع ككل، وذلك بتنسيق مع بنك المغرب والهيئة المغربية لسوق الرساميل، عبر إطار تحليلي يمكن من محاكاة سيناريوهات الصدمات واتخاذ إجراءات استباقية.
وفي ما يخص قطاع الاحتياط الاجتماعي، أكد الشافعي أن الهيئة وضعت إطاراً إشرافياً حديثاً يشمل صناديق التقاعد والتعاضديات، ويرتكز على مقاربة شمولية للمخاطر، مبرزاً أن مختلف هذه الإصلاحات تصب في هدف أساسي يتمثل في حماية المؤمن لهم وضمان احترام الالتزامات التعاقدية.
6000 شكاية وورش حماية المستفيدين
وبخصوص حماية المستفيدين، كشف المسؤول ذاته أن الهيئة عملت على تأطير حكامة المنتجات التأمينية، من خلال فرض مساطر دقيقة لإعدادها ومراجعتها من حيث الامتثال، إلى جانب إحداث مصلحة خاصة بتدبير الشكايات، التي تجاوز عددها 6000 شكاية سنة 2025، مع تسجيل نمو سنوي ملحوظ، مشيراً إلى أن نسبة مهمة من هذه الشكايات تنتهي بقرارات لصالح المشتكين، وأن أكثر من نصفها يقدم عبر محامين، ما يبرز أهمية هذه الآلية في حماية الحقوق.
وسجل الشافعي أن من بين التحديات المطروحة توسيع الولوج إلى آليات الشكايات وتبسيطها لفائدة عموم المستفيدين، بما يتيح تسوية النزاعات بشكل ودي وفعال.
وفي معرض حديثه عن آفاق التطوير، أكد أن الإشراف والتنظيم لا يمكن أن يبلغا درجة الكمال، بالنظر إلى التحولات المتسارعة، خاصة المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، الذي يطرح بدوره مخاطر جديدة تستدعي التأطير القانوني، لاسيما في ما يتعلق بعمليات الاكتتاب وتدبير التعويضات.
وأضاف أن الهيئة تعتمد نظاماً لليقظة الاستراتيجية عبر مختلف مديرياتها، لرصد التطورات الدولية والمحلية وتحديد المخاطر الناشئة واقتراح الحلول المناسبة لها بشكل دوري.
وكشف في هذا السياق عن عمل جارٍ لتعديل القانون رقم 64-12، بهدف تعزيز الإطار القانوني للهيئة، خاصة في ما يتعلق بتدبير الأزمات المرتبطة بصعوبات شركات التأمين أو حالات التصفية، إلى جانب تقنين مهام الإشراف الاحترازي الكلي ضمن النصوص القانونية، بما يسمح بفرض متطلبات إضافية وتعزيز الشفافية.
كما أبرز أن من بين الأولويات المطروحة تعزيز الشمول المالي، من خلال تطوير منتجات وخدمات تستهدف الفئات ذات الدخل المحدود، وتكييف الإطار التنظيمي بما يتيح الوصول إلى “قاعدة الهرم”، مشيراً إلى أن عدد عقود التأمين الأصغر بلغ أزيد من 2.7 مليون عقد مع نهاية سنة 2025، مع توقعات بمضاعفة هذا الرقم مستقبلاً، بفضل اعتماد مقاربات جديدة وتوظيف التكنولوجيا لتقليص الكلفة وتوسيع قاعدة المستفيدين.
وفي ما يتعلق بالحماية الاجتماعية، أكد الشافعي أن الهيئة تواكب الحكومة عبر تقديم تحليلات تقنية واكتوارية بشأن إصلاح أنظمة التقاعد، حيث تم إعداد تسعة تقارير موجهة إلى رئيس الحكومة منذ تأسيس الهيئة، إضافة إلى المساهمة في تقييم التوازنات المالية للتأمين الإجباري الأساسي عن المرض، ومواكبة تنزيل القانون الإطار للحماية الاجتماعية، سواء في ما يتعلق بفقدان الشغل أو تقاعد المستقلين.
وشدد رئيس الهيئة على أن دور المؤسسة يتمثل في تقديم رأي تقني محايد لصناع القرار، قائم على تحليل دقيق لاستدامة الإصلاحات، بما يساعد على اتخاذ قرارات مبنية على أسس علمية وموضوعية.
المصدر:
العمق