نبه حقوقيون وأكاديميون مغاربة إلى “مطبات خطاب التخوين الذي يطفو على السطح كلما أثير موضوع التضامن مع إيران”، محذرين من “خطورة ربط المواقف السياسية للأفراد بالحكم على وطنيتهم، في وقت تتطلب الوحدة الوطنية في المغرب حماية تتولى صون حرية الرأي، وإدارة الاختلاف في إطار القانون واحترام الضوابط المتعارف عليها كونياً بشأن الرأي”.
وتقرّ أصوات مغربية بأن “الأخطاء التي ترتكبها الدولة الفارسية في ما يتعلق بالوحدة الترابية للمغرب لا يمكن التساهل معها أو تبريرها، باعتبارها تمس قضية وطنية جوهرية ذات نزاع مفتعل”، بيد أن ذلك، وفق رؤى أخرى، “لا يعدّ تسويغاً لمصادرة حق المواطن المغربي في التعبير عن رأيه أو مؤازرة ما يراه صائباً، دون خوف من الإقصاء أو التشكيك في انتمائه الوطني”.
وأضاف المتحدثون إلى هسبريس أن “الديمقراطية تقتضي الاعتراف بحق المواطنين في التعبير عن مواقفهم، مهما كانت حادّة أحياناً؛ لأن حفظ اللحمة الوطنية لا يتحقق بابتلاع الاختلاف، بل بإدارته في إطار مؤسساتي مسؤول يقوي هيبة الدولة مثلما يقوي تنوع وحيوية المجتمع”، مسجلين أنه “يضمن أيضاً تحرك الرؤى المناوئة للسياسات الرسمية بقدر من الحرية والمسؤولية”.
عبد الحميد بنخطاب، أستاذ العلوم السياسية، نبه إلى أن “إيران تُعتبر عدواً ضمن قائمة أعداء المغرب ومصالحه الإستراتيجية، ولذلك فإن من يتضامن معها يعبر عن سوء تقدير، لأنه من المفترض أن نكون مع المصالح الوطنية للبلاد، وبالتالي فإن أي جهة تعادي مصالحنا نكون ضدها”، غير أنه أبرز أن “هذا الربط الموضوعي لا يمكن أن يكون مبرراً للقبول بخطاب التخوين في حق فئة تختار مساندة الإيرانيين في هذه الحرب”.
وأوضح بنخطاب، في تصريح لجريدة هسبريس، أن “خطاب التخوين يخلق وضعية مفادها أن أي شخص يختلف معي يجب أن أهاجمه، سواء كنت يسارياً أو يمينياً أو إسلامياً”، مشيراً إلى أن “هذا الخطاب يكشف قصوراً في فهم التعددية وغنى المشارب وتنوع المواقف”، وتابع: “لسنا مطالبين بأن نكون في الموقف نفسه أو في الخندق ذاته، وأن نردد التصورات نفسها بنوع من التطابق”.
وشدد أستاذ العلوم السياسية على أن “هذا النوع من الخطاب مرفوض في أي ديمقراطية وفي أي مجتمع يتوفر فيه حد أدنى من حرية التعبير، لما ينطوي عليه من نزعة إقصائية تتعارض مع أسس العيش المشترك”، وزاد: “ليس المواطن مطالباً بأن يكون متماهياً مع آراء حكومته ودولته، ومن حقه أن يكون له رأي خاص، غير أن الحكومة تبقى مسؤولة عن الوطن كله، وقراراتها تُلزمه، لأن عدم الموافقة على قرارات الدولة لا يعني التحلل منها”.
وذكر المتحدث ذاته أن “الدولة هي المؤسسة التي تتخذ القرارات وتتحمل المسؤولية عن المجموعة الوطنية برمتها”، مبرزاً أن “من يختلف مع هذه الآراء لا يعني أنه أقل وطنية”، وأن “التخوين والمزايدة باسم الوطن وتحديد حدود الانتماء إليه وفق المواقف والتصورات والآراء يتضمن منطقاً متطرفاً تتعين محاربته بكل قوة، لكونه يحول الاختلاف المشروع إلى سبب للتشكيك في النيات”.
وأجمل بنخطاب: “الوحدة الوطنية أساسية، وهي لا تعني الإجماع”، مبيناً أن “المسائل السياسية في المنطق الديمقراطي تُدبر بمنطق الأغلبية وبمنطق قوة الدولة وشرعيتها ومشروعيتها”، وخالصاً إلى أن “الدولة لها شرعية يخولها إياها القانون لاتخاذ القرارات، ولها مشروعية مستمدة من قبول أغلبية المجتمع المغربي بها”.
خالد البكاري، الكاتب والناشط الحقوقي، قال إن “من حق أيٍّ كان أن يعبّر عن موقفه من الحرب الدائرة اليوم بين إيران من جهة والتحالف الأمريكي الصهيوني من جهة أخرى، سواء بدوافع عقائدية أو مذهبية أو أيديولوجية أو إنسانية”، مضيفاً أن من حقه أن يعبّر عن هذا الموقف، “وإن كان يصعب تقبّل موقفٍ مناصرٍ لدولة تمارس الإبادة الجماعية، ومبنية على العنصرية والممارسات الفاشية”.
وانتقد البكاري، في حديثه إلى هسبريس، “ما يجري من برمجة وما يرافقها من تضليل أكسب التطبيع مع الفاشية مساحات من القبول لم تكن متوفّرة من قبل”، موضحاً أن “اتساع هذه الرقعة يقود، بشكل طبيعي، إلى استدعاء خطابات الإقصاء والتخوين والقتل الرمزي؛ وهي تشكّل مقدمات مباشرة للعنف إذا لم يتم تطويقها في الوقت المناسب”.
وأشار المتحدث ذاته إلى أنه “في أمريكا نفسها، التي تقود الحرب ضدّ إيران، لا يلاقي موقف الرئيس إجماعاً، إذ توجد معارضات من داخل الكونغرس، ومن طرف الديمقراطيين، ومن طرف مسؤولين سابقين، فضلاً عن الكثير من المواطنين؛ ولا تُعتبر هذه المعارضة خيانة رغم أن البلد في حالة حرب”، مورداً أن “الرئيس لم يسعَ إلى فرض إجماع قسري بدعوى أن إعلان الحرب والعلاقات الخارجية من صلاحياته الحصرية، بل يواصل مهاجمة خصومه بخصوص قضايا الهجرة، منتجاً خطابات قد تعمّق الانقسامات، خصوصاً في ولايات الجنوب”.
وأفاد الحقوقي نفسه بأن “الأمر نفسه ينطبق في ‘إسرائيل’ بكيفيات أخرى”، معتبراً في المقابل أن “هناك من يسعى إلى فرض موقف موحّد على المغاربة بدعوى أنه ينسجم مع الموقف الرسمي للدولة، في حين أن الدولة نفسها لم تعلن علناً دعمها لإسرائيل وأمريكا في هجماتهما على إيران، واكتفت بإدانة قصف إيران مواقع داخل تراب بعض الدول الخليجية”، ومبرزا أن “الإكراهات المتحكّمة في المواقف الرسمية لا تعني بالضرورة حصول تماهٍ شعبي معها، ولا تبرّر فرضها قسرياً أو اعتبارها مرجعاً ملزماً لمواقف الأشخاص والأحزاب والنخب”.
وشدد الجامعي ذاته على أن “قوة أي مجتمع تنبع من قدرته على استيعاب الاختلافات، وقوة أي دولة من قدرتها على استيعاب مختلف المواقف”، مردفا بأن “الخيانة تعني التورّط في اتصالات وعلاقات وأعمال مشتركة مع دولة عدوّ للإضرار بالمصالح الوطنية العليا، بينما يظلّ التعبير عن الموقف، فردياً كان أم ضمن إطار جماعي، ممارسة ينبغي حمايتها، حتى لا يتحوّل المجتمع إلى قطيع، ولا نسقط في مآزق كارثية لا يتقوّى فيها إلا النفاق والوصولية”.
المصدر:
هسبريس