مات المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، بعد عقودٍ من علاقات غير مستقرّة بين إيران وعددٍ من الدول العربية، من بينها المملكة المغربية، إذ ظلّت العلاقات الإيرانية- المغربية تتأرجح بين القطيعة والانفتاح.
وتفتح نهاية حقبة علي خامنئي “آية الله”، الذي ظلّ في منصب المرشد الإيراني لأكثر من ثلاثة عقودٍ ونصف العقد، الباب أمام التساؤلات عن آفاق عودة العلاقات بين البلدين إلى ما قبل سقوط حكم الشاه، أو على الأقل إنهاء القطيعة مستمرّة منذ 2018، على خلفية إثبات الرباط بأدلة دامغة إيغال طهران في دعم جبهة البوليساريو.
وبعد قطيعة حادة في الثمانينيات بدأت حقبة خامنئي بعودة تدريجية للعلاقات بين البلدين، لكن سنة 2009 حملت أزمة جديدة أدت إلى قطعها بفعل المطامع الإيرانية في البحرين وسعي طهران إلى استهداف الأمن الروحي للمغرب عبر نشر التشّيع.
وعادت المياه إلى مجاريها جزئياً عام 2014، عودة “باردة ومشوبة بالحذر”، لكن “العلاقات الهشّة” لم تصمد طويلاً، حتى قطعت سنة 2018.
محمد بوبوش، أستاذ العلاقات الدولية، جامعة محمد الأول بوجدة، أشار إلى أن المغرب بالتزامن مع اغتيال خامنئي “أدان، إلى جانب دول أخرى مثل المملكة الأردنية الهاشمية والإمارات العربية المتحدة، الردود الإيرانية على الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية، خاصة الهجمات الصاروخية الإيرانية على قواعد أمريكية في دول خليجية تربطه بها علاقات إستراتيجية، مثل الكويت والبحرين وقطر والإمارات”.
وقال بوبوش لهسبريس: “هذه الإدانة جاءت دون إدانة صريحة للهجمات الأمريكية-الإسرائيلية الأولية، ما يعكس موقفاً مغربياً يميل نحو التحالف مع الولايات المتحدة وإسرائيل، خاصة في سياق التحالفات الإقليمية ضد نفوذ إيران. كما أن جامعة الدول العربية، التي ينتمي إليها المغرب، أدانت الهجمات الإيرانية كانتهاك لسيادة الدول العربية”.
هذا الموقف يشير، بحسب المتحدث ذاته، إلى أن “الاغتيال لم يفتح صفحة جديدة فورية، بل ربما قد يعزز التوترات، إذ يرى المغرب في الردود الانتقامية الإيرانية تهديداً للاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط”، وزاد مستدركا: “مع ذلك إذا أدى الاغتيال إلى سقوط النظام في إيران أو تشكيل قيادة انتقالية أكثر اعتدالاً (كما حدث في حالات تاريخية مثل سقوط نظام صدام حسين في العراق)، أو أدى إلى نظام موال للولايات المتحدة (عودة آل بهلوي)، سيفتح ذلك فرصاً لإعادة تقييم العلاقات، خاصة إذا انسحبت القيادة الجديدة من تصدير المشروع الشيعي لشمال إفريقيا ودعم الجماعات مثل حزب الله أو البوليساريو”.
ولفت الأكاديمي نفسه إلى أنه “لم تتضح إلى حد الآن معالم القيادة الإيرانية الجديدة، لكن التقارير تشير إلى فراغ قيادي محتمل، مع تعيين شخصيات مثل علي لاريجاني أو علي رضا عرفي في مناصب انتقالية”، وتابع: “الأكيد أن القيادة الجديدة مهما كانت ستكون مخلصة لعقيدة المرشد ومبادئ الثورة الإيرانية”.
ورجحّ بوبوش أن “تستمر السياسة العدائية لإيران تجاه المغرب، خاصة مع استمرار دعم إيران قضايا تتعارض مع مصالح المملكة، مثل الصحراء المغربية”، مردفا بأن “هذا النهج قد يعزز من عزلة إيران إقليمياً، ما يجعل المغرب أقل حماساً للتقارب”.
وواصل المحلل نفسه: “من المستبعد أن يفتح اغتيال المرشد الإيراني خامنئي صفحة جديدة فورية في العلاقات المغربية-الإيرانية، بل قد يعزز فرضية الاستمرار في النهج الحالي المتشدد من قبل القيادة الإيرانية المقبلة، خاصة مع إدانة المغرب الشديدة للردود الإيرانية”.
محمد نشطاوي، رئيس مركز ابن رشد للدراسات الجيوسياسية وتحليل السياسات، يرى أن الحديث عن “إحداث مقتل المرشد الأعلى في إيران، علي خامنئي، وعدد من القادة البارزين في النظام الإيراني، تقارباً في العلاقات بين المملكة المغربية والجمهورية الإيرانية، سابق لأوانه”.
وأضاف نشطاوي، في تصريح لهسبريس، أن “هذا التطور مرتبط بمآلات الحرب الجارية، وما إذا كانت ستتمكن الولايات المتحدة وإسرائيل، من خلالها، من تغيير أسس ودعائم نظامٍ إيراني قام منذ عقود”، خصوصاً أن “عدداً كبيراً ن الإيرانيين مازالوا مرتبطين بالثورة الإيرانية والقيادة الحالية”.
لذلك شدد الخبير في العلاقات الدولية على أنه “من الصعب التكهن بآفاق علاقات بين البلدين”، واستدرك: “المغرب يبقى، في اعتقادي، منفتحاً على أي تطور (إيجابي) في العلاقات بين البلدين، شريطة الالتزام بشروطه الواضحة في هذا الإطار: قطع الدعم عن جبهة البوليساريو الانفصالية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للمملكة”.
وأكدّ المتحدث مرور العلاقات المغربية الإيرانية بعدد من المنعطفات بين القطيعة والانفتاح، وصولأً إلى قطع المغرب علاقاته مع إيران سنة 2018، “ومازالت القطيعة مستمرّة، خصوصاً بسبب الدعم الإيراني للجبهة الانفصالية (..) وكذا التدخل في الشؤون الداخلية للمغرب، مع مخاوف من نشر التشيّع”.
وقال نشطاوي إن المساعي الإيرانية السابقة لتحقيق التقارب مع المغرب “عبر وساطات عربية، لا سيّما من سلطنة عمان، كانت دائماً تصطدم بثبات المغرب حول شروطه سالفة الذكر”.
المصدر:
هسبريس