في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في لحظة تنظيمية محملة بالرمزية والدلالات، اختار عزيز أخنوش أن يجعل من إعلان رحيله عن رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار حدثا سياسيا قائما بذاته، لا مجرد إجراء داخلي يفرضه منطق المؤتمرات. فالكلمة المطولة التي ألقاها نهاية الأسبوع المنصرم بالجديدة خلال أشغال المؤتمر الوطني الاستثنائي للحزب لم تصغ كخطاب وداعي تقليدي، بقدر ما جاءت أقرب إلى لحظة سياسية ترسم معالم مرحلة، وتعيد ترتيب سردية الحزب، وتبعث برسائل متعددة الاتجاهات، داخليا وخارجيا.
بدأ المؤتمر بلحظة عاطفية لافتة: عزيز أخنوش، الذي قاد حزب التجمع الوطني للأحرار من دكة الاحتياط إلى موقع الصدارة في المشهد السياسي، صعد إلى المنصة لا بصفته رئيسا للحكومة فقط، بل كقائد يستعد لتسليم المفاتيح. لحظة مشحونة بالرمزية، اختار فيها أخنوش أن يؤطر خروجه من قيادة الحزب كفعل مؤسساتي هادئ، لا كوداع شخصي أو انسحاب اضطراري.
خطاب أخنوش بدا أقرب إلى “جرد حساب” سياسي وتنظيمي، استعرض فيه المسار الذي قطعه الحزب منذ 2016، مركزا على ما اعتبره جوهر التحول: الانتقال من حزب انتخابي ظرفي إلى تنظيم قائم على المأسسة، والعمل الميداني، وتراكم الثقة. لم يكن الخطاب احتفاليا بقدر ما كان دفاعيا وتفسيريا، يسعى إلى تثبيت سردية مفادها أن الصدارة التي بلغها الحزب لم تكن وليدة لحظة انتخابية، بل نتيجة مسار طويل من إعادة البناء والانفتاح على المجتمع.
إقرأ أيضا: مؤتمر الأحرار يشيد بـ“العصر الذهبي” لأخنوش ويؤكد مواصلة “مسار الإنجاز” بعيدا عن الشعبوية
منذ اللحظات الأولى، بدا واضحا أن أخنوش يتعاطى مع المؤتمر باعتباره محطة مفصلية، لا فقط في تاريخ الحزب، بل في علاقته بفكرة الممارسة الديمقراطية داخل التنظيمات السياسية، من خلال التأكيد على أن قوة الأحزاب لا تقاس بمدة بقاء قياداتها، بل بقدرتها على إنتاج الاستمرارية عبر التجدد.
الخطاب، في عمقه، لم يكن استعراضا للحصيلة بقدر ما كان تفكيكا لمسار. أخنوش قدم تجربته على رأس الحزب باعتبارها جزءا من مشروع جماعي انطلق منذ 2016، هدفه إعادة بناء الثقة مع المواطن، قبل السعي إلى كسب المواقع.
وفي هذا الإطار، استعاد محطات إعادة الهيكلة، وتعزيز الديمقراطية الداخلية، وإطلاق المنظمات الموازية، معتبرا أن هذه الخيارات لم تكن تقنية أو ظرفية، بل تعبيرا عن رؤية سياسية تراهن على القرب، والإنصات، والعمل الميداني كمدخل لإعادة الاعتبار للفعل الحزبي.
ولم يكن استحضار مبادرات من قبيل “مسار الثقة” و”100 يوم 100 مدينة”” و”مسار الإنجازات” مجرد تذكير بذاكرة تنظيمية، بل محاولة لتثبيت فكرة محورية مفادها أن الحزب انتقل من منطق الحملات الظرفية إلى منطق الاشتغال المستدام في الميدان. وهي سردية سعى أخنوش من خلالها إلى تأكيد أن الصدارة التي بلغها الحزب لم تكن نتاج لحظة انتخابية مواتية، بل نتيجة تراكم سياسي وتنظيمي.
في الشق الحكومي، دافع أخنوش عن حصيلة ولايته بلغة تجمع بين الواقعية والتبرير السياسي. فقد اعترف بثقل الظرفية الدولية والوطنية، لكنه شدد في المقابل على أن الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية لم يكن خيارا تقنيا معزولا، بل شرطا لضمان استدامة الورش الاجتماعي.
وفي هذا السياق، قدم أوراش تعميم الحماية الاجتماعية، والدعم الاجتماعي المباشر، والحوار الاجتماعي، كتحولات بنيوية في فلسفة تدخل الدولة، تمت في إطار التوجيهات الملكية، وتُراهن على إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع.
إقرأ أيضا: أخنوش يرسم معالم “مرحلة ما بعده”.. لا للزعامات الخالدة والدعم الكامل لـ”شوكي”
غير أن الرسالة الأبرز في الخطاب -الذي لم يشأ أخنوش أن يجعله لحظة وادع- تمثلت في الإعلان الصريح عن عدم الترشح لولاية ثالثة على رأس الحزب. قرار حرص أخنوش على تأطيره أخلاقيا وسياسيا، باعتباره ترجمة عملية لرفض “منطق الزعامات الخالدة”، وتأكيدا على أن التداول الديمقراطي ليس شعارا للاستهلاك، بل ممارسة تقتضي الجرأة على المغادرة في لحظة القوة. بهذا الاختيار، سعى إلى منح المؤتمر بعدا رمزيا إضافيا، يعزز صورة حزب يراهن على المؤسسات لا الأشخاص، وعلى النموذج لا الفرد.
كما لم يخل الخطاب من رسائل موجهة إلى المستقبل، خاصة نحو القيادة الجديدة، ممثلة في محمد شوكي. فقد شدد أخنوش على منطق الدعم والمواكبة الجماعية، مع تحميل الجميع مسؤولية المرحلة المقبلة، في أفق استحقاقات 2026. وهي إشارة واضحة إلى أن انتقال القيادة لا يعني نهاية التحديات، بل يفتح مرحلة أكثر تعقيدا، بالنظر إلى موقع الحزب كقوة سياسية أولى، وكحزب يقود الحكومة في سياق اجتماعي واقتصادي حساس.
في المحصلة، يمكن قراءة حصيلة أداء أخنوش التي عرضها منها على أنظار المؤتمر، لحظة سياسية تؤسس لسردية متكاملة حول مسار حزب التجمع الوطني للأحرار: من إعادة البناء إلى المأسسة، ومن العمل الميداني إلى التدبير الحكومي، ومن القيادة الفردية إلى التداول الديمقراطي. سردية تراهن، في عمقها، على ترسيخ معادلة مفادها أن الثقة لا تمنح مرة واحدة، بل تبنى بالتراكم، وتُصان بالفعل، وتُختبر بالقدرة على التجدد. ويبقى السؤال المفتوح، بعد لحظة أخنوش، هو ما إذا كان الحزب قادرا على تحويل هذا الانتقال الهادئ إلى عنصر قوة سياسية، أم أن مرحلة ما بعده ستكشف حدود النموذج الذي سعى إلى ترسيخه.
المصدر:
العمق