هبة بريس – ياسين الضميري
لم تعد التصريحات الرئاسية في الجزائر مناسبات لشرح السياسات أو عرض الرؤى، بقدر ما تحولت إلى عروض مرتجلة تنهل من قاموس الإثارة الشعبوية، هدفها الوحيد شد الانتباه وافتعال الضجيج، خطاب يراكم الانفعالات ولا يقدم حلولا، ويستبدل لغة الدولة بلغة منصات التواصل.
بدل مصارحة المواطن الجزائري بالحقائق الثقيلة، من تعثر تنموي وأزمات اجتماعية واقتصادية، يفضل الهروب إلى الأمام عبر عبارات فضفاضة وخصومات وهمية، فالإقرار بالفشل أصعب من اختراع خصم خارجي يعلق عليه كل شيء.
هكذا، يجد الشارع نفسه مساقا من قضية إلى أخرى، لا بوصلة ولا أفق، بينما الأسئلة الحقيقية مؤجلة، أين الثروة؟ أين التنمية؟ وأين تذهب عائدات بلد يزخر بالإمكانات؟ أسئلة لا تحظى بنسبة مشاهدة عالية، ولا تصلح لافتتاحية مثيرة.
شارع كان الأجدر به أن ينشغل بمستقبله وحقوقه الأساسية، نجده اليوم غارقا حد الثمالة في تيكتوك، يتقاسم مقاطع “عمي البهلوان”، ويحلل كل حركة وكل جملة كما لو كانت ترندا جديدا، لا خطاب رئيس دولة يفترض فيه الرزانة والمسؤولية.
المشهد أقرب إلى سباق على “التكبيس” منه إلى تدبير شؤون شعب، كلمات تلقى، تعليقات تتصاعد، ثم يقاس النجاح بعدد المشاهدات لا بمدى تحسين حياة الناس، هكذا تختزل الدولة في لقطة، والمؤسسة في مقطع قصير.
عبد المجيد تبون، في هذا السياق، يبدو أصلح لصناعة المحتوى منه لقيادة دولة، فصانع المحتوى يهمه الانتشار، والرئيس يفترض أن يهمه القرار، الأول يبحث عن التفاعل، والثاني عن الأثر، وبين الاثنين مسافة دولة.
المفارقة أن هذا الأسلوب، بدل أن يحجب الفشل التنموي، يفضحه أكثر، فالدول الجادة لا تحتاج إلى رفع الصوت، ولا إلى دغدغة الغرائز، لأن إنجازاتها تتكفل بالحديث عنها دون مؤثرات صوتية.
في الوقت الذي تنشغل فيه الرئاسة بصناعة اللقطات، تتسع الفجوة بين الخطاب والواقع، واقع يزداد قسوة، وشباب يزداد إحباطا، ومؤسسات تدار بعقلية رد الفعل لا الفعل.
الخطير في الأمر ليس السخرية ذاتها، بل تطبيعها، حين يصبح العبث أسلوب حكم، ويقدم التهريج على أنه حنكة سياسية، فذلك مؤشر على أزمة عميقة في فهم معنى الدولة.
وفي النهاية، لا تدار الأوطان بعدد المشاهدات، ولا تقاس هيبة الرئاسة بسرعة انتشار المقاطع، الدولة مسؤولية، والرئاسة تكليف ثقيل، ومن يخلط بين المنصة والكرسي، سيبقى حبيس “الترند” ولو جلس في قصر.
المصدر:
هبة بريس