آخر الأخبار

كيف تزيد العقبات الإدارية نقص العمالة الماهرة في ألمانيا؟

شارك
مطلوب بشكل عاجل في ألمانيا: قوى عاملة ماهرة من الخارجصورة من: Oliver Dietze/dpa/picture alliance

يتعلم في فصل دراسي بمدينة تشيناي جنوب الهند نحو 20 ممرضة وممرض اللغة الألمانية بسرعة كبيرة. إذ يجب عليهم إتقان اللغة جيدًا في غضون ستة أشهر فقط من أجل العمل في ألمانيا .

ومن بينهم الشابة راما لاكشمي. لقد جمعت عائلتها وعلى الرغم من الصعوبات المالية ما يعادل عدة آلاف يورو من أجل تمويل دراستها كممرضة، كما قالت لـDW.

ويتطلب التمريض في الهند دراسة جامعية مدتها ثلاثة أعوام، أما في ألمانيا فيحتاج إلى تكوين مهني. وتريد الشابة راما لاكشمي أن ترد الجميل لعائلتها منذ أن أصبحت قادرة على العمل.

وحول ذلك تقول: "هدفي هو العمل في الخارج. أنا أريد تأمين عائلتي ماليًا وبناء بيت خاص لي".

وتتولى حكومة ولاية تاميل نادو، وعاصمتها تشيناي، تمويل دورة اللغة للممرضات من أجل مكافحة البطالة المحلية ومنح الأسر المحروة فرصة للاستفادة من الطلب العالمي على كوادر التمريض والرعاية الصحية. ثم تقوم وكالات خاصة بتوظيف الممرضات الهنديات لدى أصحاب العمل المحتملين في ألمانيا.

طلب على الأيدي العاملة

وألمانيا تحتاج بشدة إلى عمال مهرة. حيث سيتقاعد في السنين القادمة جيل ما يعرف باسم "طفرة المواليد" ويخرج من سوق العمل، وهذا بالتزامن مع انخفاض معدل المواليد في ألمانيا.

ولذلك تعاني المستشفيات في ألمانيا من نقص في كوادر الرعاية الصحية والتمريض، وتعاني المدارس من نقص في المعلمين وكذلك يعاني قطاع تكنولوجيا المعلومات من نقص في المطورين. ويجب على ألمانيا بحسب تقديرات معهد أبحاث التوظيف وسوق العمل (IAB) في نورنبيرغ أن توظّف كل عام 300 ألف عامل ماهر من أجل الحفاظ على الوضع الحالي.

يظهر في هذه الصورة الأرشيفية من عام 1964 العامل الضيف رقم مليون في جمهورية ألمانيا الاتحادية، الشاب أرمادو رودريغيز من قرية فالي دي ماديروس في البرتغال، بجانب الدراجة النارية التي حصل عليها كهدية عند وصوله إلى محطة قطار كولون-دويتزصورة من: Horst Ossinger/dpa/picture alliance

ومن دون هؤلاء العمال المهرة الجدد سيتعيّن على الألمان العمل أكثر والتقاعد في وقت متأخر، أو الاكتفاء بمستوى معيشي أقل، كما قال لـDW الباحث ميشائيل أوبرفيشتر من معهد أبحاث التوظيف وسوق العمل.

لا توجد "معجزة اقتصادية" من دون "عمال وافدين"

شهدت ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية (1939-1945) ازدهارًا اقتصاديًا لا يزال يوصف حتى اليوم بأنَّه "معجزة اقتصادية". وفي خمسينيات وستينيات وأوائل سبعينيات القرن الماضي نما الاقتصاد الألماني بقوة بحيث أنَّ ألمانيا الاتحادية احتاجت الاستعانة بعمال أجانب من أجل مواكبة الطلب.

وفي تلك الفترة وقّعت ألمانيا اتفاقيات رسمية مع دول مثل إيطاليا و اليونان و تركيا وغيرها من أجل ضمان استمرار تدفق القوى العاملة.

وحتى عام 1973، عندما انتهت هذه السياسة، جاء إلى ألمانيا 14 مليون شخص من أجل العمل. وقد تم وصفهم بأنَّهم " عامل ضيوف " وافدون، وذلك بسبب الاعتقاد بأنَّهم سيعودون إلى بلدانهم الأصلية بعد عدة سنين. ولكن الكثيرين استقروا في ألمانيا وبنوا لأنفسهم حياة جديدة.

عقبات بيروقراطية

واليوم تحتاج ألمانيا من جديد إلى عمالة أجنبية ماهرة. ومع ذلك فإنَّ المهاجرين يواجهون عقبات كثيرة عندما يريدون العمل هنا في ألمانيا.

ومثلًا زهرة شابة أصلها من إيران ولم يسمح لها بالعمل في ألمانيا على الإطلاق بعد تخرجها من الجامعة. وحول ذلك قالت لـDW: "لقد استغرق الأمر عامًا تقريبًا من أجل الحصول على موعد لتحويل تأشيرة الدراسة إلى تأشيرة عمل".

ولا ترغب زهرة في نشر اسمها الكامل لأنَّها تخشى من حدوث مشاكل مع السلطات. وهي تتحدث الألمانية بطلاقة وتُدرّس في جامعات وتعمل في مجال البحث، وذلك منذ عدة سنين. ومع ذلك لا يزال تصريح عملها مؤقتًا. وفي كل مرة عندما تريد تغيير وظيفتها أو تعديل عقد عمل قائم، يجب عليها التواصل مع السلطات.

وتقول زهرة: "أفكر في بعض الأحيان: هل أريد حقًا العيش هنا؟". وتضيف أنَّ بعض أصدقائها ذهبوا إلى كندا وحصلوا في هذه الأثناء على الجنسية الكندية: "بينما أنا يجب أن أعاني من ذلك حتى بعد ستة أعوام ونصف في ألمانيا".

وتجربة زهرة ليست غريبة على الأجانب، كما قال لـDW بيورن مايباوم، وهو محامٍ في مدينة كولونيا متخصص في قانون الهجرة: "للأسف، هذه هوالحال في جميع أنحاء ألمانيا".

ويتولى مكتب المحامي مايباوم نحو 2000 قضية من هذا النوع سنويًا ويحاول تسريع إجراءات الهجرة. ويوجد من بين موكليه "أطباء وممرضون ومهندسون وسائقو شاحنات"، كما يقول.

ويرى المحامي مايباوم أنَّ المشكلة الرئيسية تكمن في عبء العمل الزائد لدى سلطات الهجرة. وليس من النادر أن تستغرق مدة المعاملة عدة أشهر أو حتى عامًا كاملًا.

وهذا "ببساطة مُحبط" بالنسبة لمقدّمي الطلبات، كما يقول مايباوم: "هذه ليست الرسالة التي يجب علينا نقلها للعالم. فنحن كدولة نخوض في نهاية المطاف منافسة (على القوى العاملة)".

العمال المهرة واللاجئون

ويوجد حاليًا في ألمانيا بحسب أحدث أرقام المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين نحو 160 ألف شخص أجنبي لديهم تصريح إقامة كعمال مهرة.

ولكن لمكاتب شؤؤن الأجانب والهجرة مسؤولية معالجة طلبات لجوء ملايين اللاجئين الذين قدموا إلى ألمانيا في الأعوام الأخيرة بسبب النزاعات والحروب، مثلًا من سوريا و أوكرانيا . وكذلك يؤدي نقص الرقمنة لدى السلطات الألمانية إلى إبطاء الإجراءات بشكل إضافي.

ومنذ عام 2015 ارتفع عدد اللاجئين كثيرًا في ألمانيا، ولكن الحكومة لم تتمكن من دمج معظم اللاجئين في سوق العمل. ونتيجة لذلك ازداد استياء المواطنين من سياسة الهجرة الألمانية. وأصبح حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) اليميني المتطرف المعادي للهجرة والمهاجرين يحصل على دعم متزايد، وهو الآن ثاني أكبر حزب في البرلمان الألماني ( البوندستاغ )، وهو ممثّل أيضًا في العديد من برلمانات الولايات.

تقول الممرضة كايالولي راجاويل إنَّها تشعر بالراحة هنا في فاليندار وإنَّ زملاءها يتعاملون معها باحترامصورة من: Andreas Becker/Nicolas Martin

من تاميل نادو الهندية إلى راينلاند بفالتس الألمانية

تقوم الممرضة كايالولي راجاويل بجولاتها وتتفقد المرضى في عيادة (BDH) في فاليندار، وهي مدينة صغيرة تقع بالقرب من مدينة كوبلنز في ولاية راينلاند بفالتس غرب ألمانيا. وهذه العيادة متخصصة في إعادة التأهيل العصبي البيولوجي، وتساعد المرضى في التعافي من السكتات الدماغية أو الحوادث.

والممرضة كايالولي راجاويل جاءت من ولاية تاميل نادو في جنوب الهند ولم يمضِ على وجودها في ألمانيا سوى بضعة أشهر. وفي هذا الصدد قالت لـDW إنَّ اللغة الألمانية بشكل خاص شكلت لها صعوبة في البداية: "لكن مديري وزملائي ساعدوني أنا والآخرين كثيرًا. وهم يتعاملون معنا باحترام".

وراجاويل هي واحدة من نحو 40 ممرضة من الهند و سريلانكا ، قامت عيادة BDH بتوظيفهن في السنين الأخيرة - ومعظمهن عن طريق وكالات توظيف تتقاضى ما بين 7 آلاف و12 ألف يورو مقابل كل توظيف ناجح. وهذه العملية تحتاج وقتًا؛ ويمكن أن يستغرقق الأمر بين التواصل الأولي وبدء العمل فترة تصل إلى تسعة أشهر.

يورغ بيبراخ، رئيس قسم التمريض في عيادة BDH في فاليندارصورة من: Andreas Becker/Nicolas Martin

كراهية الأجانب تثير القلق

تشكل كراهية الأجانب والعنصرية مشكلة حقيقية بالنسبة للهنود الذين يريدون العمل في ألمانيا، كما يقول يورغ بيبراخ، رئيس قسم التمريض في عيادة BDH في فاليندار. "وقد لاحظنا ذلك أيضًا في الهند، حيث يتم سؤالنا بشكل متزايدة حول التطورات السياسية ومختلف الأحزاب في ألمانيا"، كما قال لـDW.

وتوجد أسباب كثيرة تجعل الموظفين الجدد لا يريدون البقاء بعد انتهاء عقد عملهم المعتاد لمدة سنتين، ومن هذه الأسباب الحنين إلى الوطن والمشاكل العائلية وكذلك صعوبات الاندماج. ولذلك من المهم جدًا بالنسبة لأصحاب العمل أن يمنحوا الموظفين الأجانب شعورًا بأنَّهم مرحَّب بهم هنا في ألمانيا، كما يقول بيبراخ.

ومن أجل الحفاظ على قدرتها التنافسية في سوق العمل العالمية لجلب الكوادر التمريضية المؤهلة من الهند، تقدم الآن عيادة BDH برنامجًا للشباب الذين أنهوا للتو دراستهم المدرسية في الهند وسريلانكا. ويمكنهم في هذا البرنامج إتمام تكوينهم المهني في مجال الرعاية الصحية والتمريض كله هنا في ألمانيا.

هذا يمنحهم ميزة تسريع عملية الاندماج والدخول في سوق العمل. وبما أنَّ تكوينهم المهني يتم هنا في ألمانيا، لا تعد هناك حاجة للاعتراف بالشهادات والمؤهلات الأجنبية - وهذا الاعتراف إجراء معقد تزداد صعبته بسبب اختلاف اللوائح القانونية في الولايات الألمانية الاتحادية الست عشرة.

ولكي تصبح ألمانيا أكثر جاذبية بالنسبة للمواهب الشابة واستقطابها من الخارج، يجب على السلطات أن تعمل بشكل أسرع وأن توحّد اللوائح القانونية، كما يقول بيبراخ: "الجميع يقول إنَّنا بحاجة إلى عمال مهرة. بيد أنَّنا ما نزال بعيدين جدًا عن ثقافة الترحيب التي يسير فيها كل شيء بسلاسة".

أعده للعربية: رائد الباش

تحرير: يوسف بوفيجلين

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا