يبدو أن استفزازات الطغمة العسكرية الجزائرية المتكررة على الحدود المغربية الجزائرية، التي يقف وراءها قائد الأركان، السعيد شنقريحة، والتي كان آخرها إقدام عسكر قصر المرادية على الاعتداء على الأراضي المغربية في منطقة “إيش” بإقليم فجيج، هي محاولة للتغطية على حجم المشاكل الداخلية التي يعيش على وقعها الشعب الجزائري، إذ يسعى النظام العسكري إلى إيجاد موطئ قدم داخل المشهد السياسي، خاصة بعد أن أصبحت نهاية المسؤول عن الجيش وشيكة، إثر الانتصارات الدبلوماسية المتتالية التي حققتها المملكة المغربية في قضية الصحراء المغربية.
ودفع الوضع الجزائري الداخلي المتأزم القيادة العسكرية الجزائرية إلى محاولة الدخول في مواجهة مباشرة مع المغرب بحثا عن مخرج سياسي يضمن استمرار نفوذها، مما يبين أن هذه التحركات لا تعكس فقط توترا حدوديا عابرا، بل تكشف عن أزمة عميقة في بنية النظام الجزائري الذي يراهن على افتعال الأزمات الخارجية لتجاوز مأزقه الداخلي.
وفي هذا السياق، أوضح خالد شيات، الخبير في العلاقات المغربية الجزائرية في تصريحه لجريدة “العمق”، أن استفزازات عناصر الجيش الجزائري ليست سوى محاولات من النظام السياسي العسكري لجر المغرب إلى مواجهة يمكن أن تشكل بالنسبة للجزائر مخرجا سياسيا واستراتيجيا في مجموعة من القضايا التي تعجز عن حلها داخليا.
وأضاف أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، أن هناك أزمة حقيقية على مستوى تدبير السياسة الداخلية في الجزائر بين أجنحة متصارعة، خاصة بعد ترهل نفوذ السعيد شنقريحة، حيث تحاول مجموعات أخرى داخل الجيش السيطرة من جديد على مقاليد السلطة، وهذا الصراع الداخلي قد يدفع نحو ما وصفه ب”خيار الحرب مع المغرب” باعتباره وسيلة لإعادة ترتيب البيت الداخلي.
ولفت شيات إلى أن هناك أيضا تفلتا من الناحية القانونية والاستراتيجية فيما يتعلق بقرارات مجلس الأمن، حيث تسعى الجزائر إلى تصوير المغرب كدولة مهاجمة توسعية، وهو خطاب لا يمكن أن يجد له صدى إلا عبر الدفع نحو مواجهة عسكرية، ما يعكس رغبة النظام الجزائري في الهروب إلى الأمام.
وأوضح أن الجيش الجزائري يحاول تشتيت كل مجهود دبلوماسي مغربي في قضية الصحراء، سواء على مستوى القرارات الصادرة عن مجلس الأمن أو الاتحاد الأوروبي أو مواقف مجموعة من الدول، وهي كلها عناصر عقدت موقف الجزائر التي بنت وجودها على أساس معاداة الوحدة الترابية للمغرب، وهو أمر مكلف استراتيجيا بالنسبة لها، ما يجعلها تبحث عن منظومة متوازنة مع المغرب ولو عبر التصعيد العسكري.
وأشار المصدر ذاته إلى أن هذا الواقع يدفع الجزائر إلى الدخول في صراع مع المغرب بهدف تصريف الجوانب المالية الضخمة التي صرفت على المستوى العسكري، حيث بلغت ميزانية الجيش الجزائري حوالي 27 مليار دولار هذه السنة، أي ما يقارب 20 في المائة من الناتج الوطني الداخلي، وهو رقم ضخم يعكس حجم التجييش الذي يقوم به النظام العسكري بمختلف أنواع الأسلحة.
ولفت إلى أن هذا الإنفاق لا يمكن أن يبقى دون توظيف عملي، إذ هناك رغبة في تصريف هذه الأسلحة وإخراجها للعمل ومحاولة إيجاد أدوات تجارية على المستوى الدولي للارتهان بها، كما هو الحال في العلاقات مع روسيا وغيرها، ما يجعل من خيار الحرب وسيلة لتبرير هذا الإنفاق الهائل.
وخلص شيات إلى أن هذه المعطيات كلها تشجع الجزائر على الذهاب بعيدا في علاقاتها المتوترة مع المغرب على المستوى العسكري، وأن تقوم بمختلف أنواع الاستفزازات للدخول في ما يمكن أن تسميه “مخرجا سياسيا” عبر عملية عسكرية ممتدة وطويلة، وإن كانت محدودة بفعل تدخل الأطراف المجاورة للحد من آثارها، غير أن هذا الاحتمال يبقى معلقا على مآلات أي صراع بين المغرب والجزائر ومن سيتحكم في مساره، وهو ما يجعل المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة قد تعيد رسم موازين القوى في شمال إفريقيا.
المصدر:
العمق