هبة بريس-عبد اللطيف بركة
لم تعد الفيضانات التي شهدتها مدينتا آسفي والقصر الكبير مجرد حوادث موسمية معزولة، بل باتت تعكس تحوّلًا مناخيًا عميقًا يفرض نفسه بقوة على المغرب. مشاهد الشوارع الغارقة، وتعطّل الحياة اليومية، وإجلاء السكان من الأحياء المنخفضة، كلها مؤشرات على ظاهرة مركّبة تتجاوز منطق الأمطار العادية.
التحليل المناخي يُظهر أن العواصف التي تضرب البلاد أصبحت في الغالب قادمة من المحيط الأطلسي، محمّلة بكميات كبيرة من الرطوبة، ما يؤدي إلى تساقطات كثيفة خلال فترات زمنية قصيرة. هذا النمط الجديد من الأمطار، المعروف علميًا بالأمطار القصوى، يفوق قدرة التربة وشبكات الصرف على الاستيعاب.
وتزداد حدة هذه الظاهرة بفعل اضطرابات في التيار النفاث القطبي، الذي يسمح بتداخل كتل هوائية باردة مع الرطوبة الأطلسية، مولّدًا عواصف قوية وغير مستقرة. والنتيجة أمطار غزيرة مصحوبة برياح عاتية، كما حدث في آسفي والقصر الكبير.
في المدن الساحلية مثل آسفي، يتعقّد المشهد أكثر بسبب تزامن الأمطار مع المدّ البحري وارتفاع مستوى البحر، ما يحدّ من تصريف مياه الأودية والمجاري نحو المصبات الطبيعية. أما في القصر الكبير، فقد ساهم تشبع التربة وتوالي التساقطات في تحويل كل مطر إضافي إلى سيول جارفة اجتاحت الأحياء السكنية.
هذه الفيضانات كشفت أيضًا هشاشة البنية التحتية الحضرية، إذ لم تُصمَّم شبكات الصرف الحالية لتحمل هذا النوع من التساقطات المركزة والعنيفة، ما يطرح تساؤلات حول جاهزية المدن المغربية لمواجهة التحولات المناخية المقبلة.
ويجمع خبراء المناخ على أن ما وقع في آسفي والقصر الكبير ليس استثناءً، بل مؤشر على دخول المغرب مرحلة من التطرف المناخي، حيث تتناوب فترات الجفاف الطويلة مع فيضانات مفاجئة وشديدة. واقع جديد يفرض إعادة التفكير في التخطيط الحضري، وتدبير المياه، وسياسات الوقاية، قبل أن تتحول هذه الظواهر إلى تهديد متكرر للأمن البيئي والاجتماعي.
المصدر:
هبة بريس