في ردّه على تعقيبات المستشارين خلال جلسة المساءلة الشهرية بالبرلمان، الثلاثاء 27 يناير الحالي، استعرض رئيس الحكومة عزيز أخنوش ملامح التحول العميق الذي عرفته السياسة الرياضية الوطنية، مبرزاً أن الرياضة أضحت جزءاً لا يتجزأ من الاختيارات الكبرى للدولة، وليس مجرد نشاط ترفيهي أو تنافسي.
وأكد أخنوش في مستهل مداخلته أن النقاش حول الرياضة “لم يعد نقاشاً صحياً أو تقنياً فقط، بل أصبح نقاشاً سياسياً ومجتمعياً بامتياز”، مشدداً على أن الرياضة اليوم ترتبط بالصحة العمومية، والإدماج الاجتماعي، وصورة البلاد، والاقتصاد الوطني، وهو ما يفسر، حسب قوله، التحول في طريقة تعاطي الحكومة مع هذا القطاع.
وأوضح رئيس الحكومة أن هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتيجة تراكمات وتجارب، “وأحياناً حتى إخفاقات تعلمنا منها”، مؤكداً أن الحكومة منذ بداية ولايتها تعاملت مع الرياضة كرافعة للتنمية، وليس كقطاع معزول، وهو ما يفرض، بحسب تعبيره، تشريعاً ملائماً وتنسيقاً محكماً بين مختلف القطاعات الحكومية. وقال في هذا السياق إن الرغبة واضحة في جعل الرياضة حقاً لكل مغربي ومغربية، في كل جهة وإقليم وحي، “ولا نريد رياضة نخبوية أو محصورة، بل نريد رياضة وطنية جامعة” .
وأشار أخنوش إلى أن الشعبية الكبيرة لكرة القدم في المغرب واقع لا يمكن إنكاره، لكنه شدد في المقابل على أن هذه الشعبية يجب أن تكون رافعة لتطوير باقي الرياضات، مؤكداً أنه “لا يوجد أي سبب لإقصاء باقي الرياضات بسبب نجاح كرة القدم”. وذكّر بأن هذا النجاح، سواء على مستوى المنتخبات الوطنية بمختلف فئاتها أو على مستوى الأندية، “لم يكن صدفة، بل كان نتيجة إصلاح طويل استغرق سنوات، وتطلب جرأة في بعض اللحظات وصبراً في لحظات أخرى”، معتبراً أن هذا النجاح ينبغي أن يكون مدخلاً لتوسيع الرؤية نحو تصور شامل للرياضة الوطنية.
وفي هذا الإطار، اعتبر رئيس الحكومة أن تنظيم كأس إفريقيا والاستعداد لكأس العالم 2030 يتجاوزان البعد الاحتفالي الرياضي، ليشكلا اختياراً استراتيجياً يؤكد أن المغرب قرر “الدخول بقوة إلى نادي الدول القادرة على التنظيم واحترام المعايير العالية وتقديم نموذج إفريقي ناجح”. وأضاف أن هذه التظاهرات لن تكون مجرد صور أو ذكريات، بل ستترك إرثاً ملموساً يتمثل في منشآت رياضية، وخبرات تنظيمية، وموارد بشرية مؤهلة، ونقلة نوعية في طريقة تدبير الرياضة.
وأكد أخنوش أن الحكم على السياسة الرياضية لا يمكن أن يتم من خلال إجراءات معزولة، بل من خلال النظر إليها كوحدة متكاملة تشمل التشريع، والميزانية، والرياضة المدرسية، والدبلوماسية الرياضية، ودور الجمهور. واستدل على التحول الذي عرفته السياسة الرياضية بالأرقام، خاصة على مستوى الميزانية، مشيراً إلى أن الميزانية العمومية الموجهة للرياضة عرفت ارتفاعاً مهماً خلال هذه الولاية، وانتقلت من منطق الاعتمادات المحدودة إلى منطق الاستثمار متعدد السنوات. وأوضح أنه بين 2021 و2025 ارتفعت الموارد المالية المخصصة للرياضة بشكل كبير، سواء عبر الميزانية المركزية أو عبر مساهمة الجماعات الترابية والشراكات القطاعية.
وأضاف أن هذا الارتفاع المالي تُرجم ميدانياً بإنجاز أو تأهيل أكثر من 120 منشأة رياضية في مدة لم تتجاوز سنتين، ما بين ملاعب كبرى، وقاعات مغطاة، ومراكز تكوين، إلى جانب تنظيم ما يفوق 80 تظاهرة رياضية دولية فوق التراب الوطني، وهو رقم غير مسبوق جعل المغرب من بين أكثر الدول الإفريقية استقبالاً للتظاهرات الرياضية. كما أشار إلى إنجاز حوالي 2500 بنية رياضية، إضافة إلى تلك التي أنجزتها الجماعات الترابية بإمكانياتها الخاصة.
وفيما يتعلق بالحكامة، شدد رئيس الحكومة على أن من بين أعمق التحولات التي عرفها تدبير الرياضة في المغرب الانتقال من منطق الدعم العمومي غير المشروط إلى منطق “العقد-البرنامج”، الذي أصبح، حسب تعبيره، العمود الفقري للحكامة الرياضية. وقال إن هذا التعاقد “لم يأت لتعقيد الأمور، بل لتوضيحها”، من خلال تحديد الأهداف والمؤشرات والنتائج المنتظرة، مضيفاً أن الدولة “لم تعد تدعم من أجل الدعم، بل تدعم مقابل التزام واضح وبرنامج مضبوط وأهداف قابلة للتتبع والتقييم” .
وأوضح أن هذا المنهج اعتمد في البداية مع كرة القدم وألعاب القوى باعتبارهما قاطرتي الرياضة الوطنية، ثم أصبح نموذجاً يُحتذى به في باقي الجامعات الرياضية، مبرزاً أن الجامعة الرياضية لم تعد مجرد إطار تنظيمي، بل أصبحت شريكاً مسؤولاً خاضعاً للتقييم وملزماً بالنتائج. وأكد أن التمويل أصبح مرتبطاً بالتكوين، وتأطير الأطر، وتوسيع قاعدة الممارسين، وتحقيق النتائج، وليس فقط بالمشاركة.
وتوقف أخنوش عند مسألة تقنين منح الإعانات العمومية، مشيراً إلى أن الدعم لم يعد يمنح دون شروط، بل أصبح مرتبطاً بالاعتماد واحترام الشروط القانونية والالتزام بالحكامة والشفافية. وقال إن الجمعيات الرياضية اليوم “ملزمة بأن تكون معتمدة للاستفادة من الدعم”، وإن الجامعات مطالبة باحترام دفاتر تحملات واضحة، وإلا فلن يكون هناك أي مبرر للاستفادة من المال العام.
وعلى مستوى إصلاح الجامعات الرياضية، أشار رئيس الحكومة إلى تسوية الوضعية القانونية لعدد من الرياضات التي كانت متوقفة لسنوات، مستشهداً بعودة رياضة الريكبي بعد توقف دام 11 سنة، وإعادة هيكلة رياضات أخرى مثل كرة السلة، وكرة الطاولة، والشراع، مع وجود رياضات أخرى في طور تسوية وضعيتها القانونية. وأكد أن النتائج الحقيقية للعمل القاعدي “لن تظهر إلا في السنوات المقبلة”، مبرزاً أن بناء أبطال رياضيين “ليس عملاً يمتد 4 أو 5 سنوات، بل يتطلب على الأقل 10 سنوات من الإرادة الجماعية والاستثمار في السياسات العمومية” .
وفي هذا السياق، شدد أخنوش على أهمية الرياضة المدرسية، معترفاً بوجود اختلالات كبيرة في واقعها السابق، ومؤكداً أن الحكومة تعاملت معها كرافعة استراتيجية، وليس كنشاط موازٍ. وقال إن الهدف هو إعادة الاعتبار للتربية البدنية، واكتشاف المواهب في سن مبكرة، وخلق جسور حقيقية بين المؤسسات التعليمية والجمعيات والجامعات الرياضية، مبرزاً أن “بطل الغد لا يولد صدفة، بل يُبنى من القسم، ومن الملعب الصغير، ومن التأطير المبكر” .
كما تطرق رئيس الحكومة إلى برامج “الثانوية الرياضية الممتازة”، التي تهدف إلى الجمع بين المسار الدراسي والمسار الرياضي دون أن يطغى أحدهما على الآخر، مؤكداً أن المغرب يريد “رياضيين يدرسون ويلعبون ويتكونون، ويكون لهم أفق سواء نجح المسار الرياضي أو لم ينجح”. وأشار أيضاً إلى دور مدارس الفرصة الثانية، التي تعتمد الرياضة كمدخل للإدماج، مبرزاً أن هذه التجارب “أعطت نتائج حقيقية على مستوى إعادة إدماج الشباب، سواء دراسياً أو رياضياً” .
وفيما يتعلق بمحاربة العنف في الملاعب، أوضح أخنوش أن الحكومة اشتغلت على هذا الملف من زاوية تشريعية وتنظيمية، معتمدة مقاربة وقائية تشاركية تشمل التشريع، والتحسيس، والتنسيق مع القطاعات المعنية، مؤكداً أن الهدف “ليس الزجر فقط، بل حماية الرياضة والجمهور وقيم المنافسة الشريفة”. وأكد أن المجهود التشريعي في هذا المجال “مسار مستمر”، مع العمل على تجويد قانون التربية البدنية والرياضة وتكييفه مع التحولات الجديدة المرتبطة بالاحتراف والرقمنة والاستثمار.
كما شدد رئيس الحكومة على أن الرياضة لم تعد مجرد نشاط عمومي، بل أصبحت أداة من أدوات تموقع الدولة في العالم، مبرزاً أن تنظيم أكثر من 80 تظاهرة رياضية دولية فوق التراب الوطني “لم يكن صدفة ولا مجرد رهان تنظيمي عابر، بل اختيار واعٍ لبناء الثقة مع الاتحادات القارية والدولية”. وأكد أن هذا الحضور الخارجي القوي يجب أن يوازيه انخراط فعلي للجمهور المحلي، لأن “أي مشروع رياضي قوي ومستدام لا يمكن أن ينجح دون جمهور حي ومنخرط ومؤمن”، معتبراً أن إشراك الجمهور هو أفضل ضمانة ضد العنف والفوضى.
المصدر:
لكم