اعتبر محمد كريم بوخصاص، أستاذ الصحافة والإعلام بجامعة المولى إسماعيل بمكناس، أن قرار المحكمة الدستورية بشأن مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة يحمل “دلالة دستورية ومؤسساتية عميقة”، مؤكداً أنه لا يتعلق بمجرد ملاحظات تقنية، بل بـ“تصحيح مسار تشريعي كان يقود التنظيم الذاتي للصحافة نحو انسداد خطير”.
وأوضح بوخصاص، أن المشروع في صيغته التي أحيلت على المحكمة “كان امتدادا لترتيبات استثنائية سابقة، من قبيل التمديد دون تنظيم الانتخابات وإحداث لجنة مؤقتة انتهت ولايتها القانونية في أكتوبر 2025، وهي خطوات أزاحت المسار الطبيعي للتنظيم الذاتي وأربكت المشهد المهني برمته”.
وشدد أستاذ الإعلام على أن القرار يكرس مبدأ أساسيا مفاده أن “احترام الدستور ليس إجراء شكليا، بل شرط جوهري لبناء مؤسسات مهنية مستقلة وقادرة على أداء أدوارها في حماية الأخلاقيات وخدمة الصالح العام”.
وأضاف أن المحكمة الدستورية بعثت برسالة واضحة مفادها أن “أي محاولة لإعادة هندسة مجلس وطني للصحافة خارج منطق التوازن والديمقراطية محكوم عليها بالسقوط دستوريا”.
ومن أبرز ما توقف عنده بوخصاص إسقاط المحكمة للمقتضيات التي كانت تمنح غلبة لفئة الناشرين داخل المجلس، معتبرا أن هذا التوجه “كان سيخل بالتوازن الضروري بين مكونات المهنة، ويفتح الباب أمام تفاهمات لا تخدم دائماً مصلحة الجمهور ولا روح التنظيم الذاتي”.
وقال في هذا السياق: “فلسفة مجالس الصحافة عبر العالم تقوم على الشراكة المهنية المتوازنة بين الصحافيين والناشرين، لأن استقلال القرار الأخلاقي يضعف كلما اختل ميزان التمثيلية”.
وأشار إلى أن قرار المحكمة بعدم دستورية المادة 5 “أعاد الاعتبار لقاعدة التساوي والتوازن كضمانة ديمقراطية في اتخاذ قرارات المجلس”.
ونبه بوخصاص إلى أن المحكمة تصدت لمحاولة “احتكار تمثيلية الناشرين من طرف تنظيم مهني واحد”، وهو ما كانت تنص عليه المادة 49 من المشروع.
واعتبر بوخصاص أن هذا المقتضى “كان يتعارض مع أحد الثوابت الدستورية للمغرب، وهو التعددية”.
وأوضح أن “التمثيل المهني لا يمكن أن يختزل في صوت واحد، لأن التعدد داخل الجسم المهني يعكس تنوع الرؤى والمصالح ويغني النقاش، بينما الاحتكار يفرغ المؤسسات من بعدها الديمقراطي”.
واعتبر أن قرار المحكمة في هذا الجانب “يشكل حماية دستورية للتعددية داخل الحقل الإعلامي”.
ومن النقاط التي وصفها باللافتة أيضا، إسقاط المحكمة لمنطق ربط تمثيلية الناشرين برقم المعاملات، قائلا: “هذا التصور “كان سيؤسس لسابقة خطيرة، عنوانها تحويل المال إلى معيار للنفوذ داخل مؤسسة يفترض أن تكون حارسة للأخلاقيات”.
وأضاف: “في التجارب المقارنة، لا تبنى مجالس الصحافة على الثقل المالي، بل على التمثيل المهني المتوازن، في حين أن إدخال منطق السوق بهذا الشكل كان سيهدد استقلالية المجلس ويقوض ثقة الفاعلين فيه”، معتبرا أن قرار المحكمة “أغلق الباب أمام هيمنة محتملة لرأس المال على القرار المهني”.
وأشار بوخصاص كذلك إلى أن المحكمة لم تكتف بجوانب التمثيلية، بل امتد نظرها إلى الهندسة المؤسساتية، من خلال إسقاط مقتضيات تتعلق بعضوية رئيس لجنة الأخلاقيات في لجنة الاستئناف التأديبي، إضافة إلى مقتضيات مرتبطة بطريقة إقرار تمثيلية الجنسين في الرئاسة دون ضمانات إجرائية واضحة.
ويرى المتحدث أن هذه الملاحظات “تعكس حرص المحكمة على وضوح القواعد وتفادي تضارب الأدوار داخل المجلس، بما يضمن عدالة المساطر واستقلالية الهيئات التأديبية”.
وختم محمد كريم بوخصاص تدوينته بالتأكيد على أن إسقاط المحكمة الدستورية لعدد من مواد القانون “لا ينبغي أن يقرأ كانتصار طرف على آخر، بل كتمرين ديمقراطي يهم الجسم الصحفي بأكمله”.
وقال: “الرسالة اليوم واضحة: التنظيم الذاتي لا يبنى بمنطق الغلبة ولا بالحلول الاستثنائية، بل بالتوافق المهني، والاستقلالية، وقواعد ديمقراطية متوازنة”.
واعتبر أن القرار يفتح “فرصة حقيقية لإطلاق حوار مهني جدي، يعيد بناء مجلس وطني للصحافة مستقل وقوي، قادر على حماية أخلاقيات المهنة وتنظيم القطاع في مرحلة دقيقة يحتاج فيها الإعلام إلى مؤسسات موثوقة وشرعية”.
المصدر:
العمق