قال الفريق الاشتراكي- المعارضة الاتحادية بمجلس النواب إن جوهر النقاش المثار بخصوص مشروع القانون المتعلق بالتأمين الإجباري الأساسي عن المرض وبسن أحكام خاصة “يتمثل بالأساس في سؤال محوري؛ وهو: هل هذا المشروع يُعتبر مكسبا تشريعيا وإصلاحا هيكليا من شأنه أن يساهم في تبسيط نظام الحماية الاجتماعية ببلادنا؟ أم هو مشروع يشكل تهديدا صريحا لمبدأ العدالة في التغطية الصحية، وبالتالي ضربا للمكتسبات التي راكمتها البلاد؟”.
وأبرزت عتيقة جبرو، النائبة البرلمانية عن الفريق الاشتراكي- المعارضة الاتحادية بمجلس النواب، خلال جلسة عمومية تشريعية يعقدها مجلس النواب، صباح الثلاثاء، للمصادقة على مشروع القانون قانون رقم 54.23 بتغيير وتتميم القانون رقم 65.00 المحال من مجلس المستشارين، أنه “لا يمكن مناقشة هذا المشروع خارج الإطار الإصلاحي المحدد بمقتضيات دستور 2011، كما لا يمكن مناقشته بمعزل عن استحضار جودة التشريع ومستويات الأثر الذي يخلّفه على المواطنين، خصوصا على مستوى حقوقهم وحرياتهم”.
أوضحت جبرو أن الأمر يتعلق بـ”تدبير جديد لحقوق ما يناهز 27 مليون مغربي 24 مليون منخرط بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، و3 ملايين منخرط بالكنوبس”.
وسجلت النائبة البرلمانية عن فريق “حزب الوردة” بالغرفة الأولى من المؤسسة التشريعية أن “الفكرة الأساسية من هذا المشروع تتمثل في إسناد مهمة تدبير التأمين الإجباري الأساسي عن المرض بالقطاع العام إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، عوض الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي (كنوبس)”.
وأكدت المتحدثة أن هذا “الإسناد كان من المفترض أن يتم وفق مقاربة تشاركية فعلية تشرك جميع المتدخلين والفاعلين، حتى لا يثير المشروع نقاشا مرفوضا من طرف بعض التعاضديات أو النقابات”، لافتة إلى أن “عملية الإسناد هذه ليست مجرد عمل إداري تقني؛ بل هي عملية ترتبط بالعديد من الحقوق والمصالح، ولا تطرح فقط سؤالا حول ضمان حقوق المؤمنين في القطاع العام، بل تثير كذلك العديد من الأسئلة المرتبطة أساسا بموظفي ومستخدمي الكنوبس”.
وذكرت جبرو أن “الأمر يتعلق بمؤسسة عمومية وبمساهمة العديد من المنخرطين، ولم يكن سليما أبدا التعاطي معها بإرادة فوقية بيروقراطية تُلغي باقي الإرادات المرتبطة بالمجال، وتثير العديد من الأسئلة بخصوص جودة الخدمات التي ألفوها”، طارحة ما أسمته “سؤالا جوهريا” بخصوص “مآل القطاع التعاضدي ببلادنا، لكونه وفّر التغطية الصحية للموظف العمومي في فترات طويلة ولا يمكن أن يتم اليوم الإجهاز عليه”.
وقالت النائبة الاتحادية عينها إن “هذا المشروع يفرض البحث عن أجوبة شافية لهذه الأسئلة، تفاديا لأي نقاش عمومي حاد من الممكن أن يكون مدخلا لاحتقان اجتماعي جديد”، معتبرة أن هذا الوضع “يمكن تفاديه من خلال إدماج النقاش بخصوص هذا المشروع مع كل المهتمين والمتدخلين والمعنيين”؛ فالرهان المطروح على بلادنا، حسبها، “ليس استكمال المسطرة التشريعية الخاصة بهذا المشروع فقط؛ بل إن الرهان الأساسي هو ضمان استمرار الخدمات المقدمة للمنخرطين وبنفس الجودة، إن لم تكن جودة أفضل”.
سجلت فدوى محسن الحياني، النائبة عن الفريق الحركي بمجلس النواب، تحفظ فريقها “من حيث المبدأ” على المشروع، مسجلة أنه يحمل تحديات وإكراهات ستعقد عملية دمج الصندوقين”. وتتمثل في “تفاوت وتباين واختلاف الأنظمة، حيث إن لكل صندوق نظاما مختلفا من حيث جودة الخدمات ومعدل الاشتراكات والاقتطاعات والفوائد ونسب التغطيات والتعويضات، وكذا آجال معالجة الملفات التي تتوفر فيها الكنوبس على الأفضلية، وصعوبات تدبير ملفات العلاج طويلة الأمد والأمراض المكلفة”.
وتطرقت النائبة الحركية عينها إلى “وجود تحديات مالية قد تشكل عائقا أمام نجاح هذا الإدماج، إذ عرف الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي CNOPS عجزا ماليا بلغ 1,28 مليار درهم سنة 2023″، مبرزة أن “بعض الدراسات أكدت نفاد احتياطاته بحلول سنة 2027؛ مما يستدعي طرح التساؤل التالي: ألا يشكل هذا الإدماج في ظل العجز المالي لكنوبس عبئا على مالية الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وعلى استدامتها؟”.
وتحدثت محسن الحياني عن “التحديات التقنية والبنيوية والعملية المرتبطة بصعوبة إدارة ومعالجة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي للكم الهائل من ملفات المؤمنين بعد دمج الصندوقين”، مشددة على أن هذا “سوف ينعكس على خدمات الصندوق وسينجم عنه تأخير في معالجة الملفات واسترجاع المؤمنين لتعويضاتهم”.
كما اعتبرت النائبة أن “عملية نقل تدبير أنظمة التأمين عن المرض إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي تثير لدينا تساؤلات مشروعة حول قدرة هذا الصندوق على استيعاب المهام الجديدة، خاصة أنه يعاني أصلا من اختلالات بنيوية في الحكامة والموارد البشرية، ومن ضغط مالي متزايد بعد ضم شرائح جديدة من المؤمنين دون مواكبة مالية كافية”.
وبالإضافة إلى ذلك، أفادت المتحدثة بأن “المشروع لم يرفق بدراسة تقييمية دقيقة حول حصيلة تدبير الأنظمة السابقة، وخاصة تجربة الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي (CNOPS)، التي كانت تؤدي دورا محوريا في تأمين فئات مهمة من الموظفين والطلبة وغيرهم، وكذا التجربة الحالية في تدبير نظام AMO”، معتبرة أن “الانتقال من هذا النظام إلى نظام موحد لا يضمن في تقديرنا الحفاظ على المكتسبات التاريخية لنظام كنوبس”.
قالت نادية التهامي، النائبة عن فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، إن مشروع القانون “لا يزال يطرح تساؤلات وتخوُّفات عديدة من لدن مختلف الفاعلين والمعنيين والشركاء الذين يستغربون لتغييبهم أثناء إعداد هذا المشروع المصيري؛ مما يؤدي إلى رفضه الواسع من الفئات المعنية”، ومما “يفقد الثقة في هذه العملية التي تَعتبرها الحكومة تدبيرا إصلاحيا”.
وأضافت التهامي أن “CNOPS يعاني من عجز مالي متراكم وعميق؛ لكن التساؤلات الحقيقية هي: هل هذا الإدماج سيُنقذ فعلا هذا الصندوق من الإفلاس المرتقب في سنة 2027 حسب بعض الدراسات؟ أم أن هذا الإجراء مجرد تأجيل للأزمة أو إخفاءٍ محاسباتي لها ضِمن محاسبة CNSS؟”، متسائلة: “هل استحضرت الحكومة إمكانية تأثير هذا الدَّمج سلبا على CNSS ليتحول بدوره إلى عبء إضافي؟”.
وأفادت النائبة عن فريق “الكتاب” بمجلس النواب بأن “الأسباب الأساسية التي ساهمت في الاستنزاف المتواصل لنفقات صناديق التأمين الاجباري عن المرض هي هوامش الربح غير المشروعة في مجال الأدوية، وخاصة منها المستوردة؛ وأيضا هي اختلالات الفَوْتَرة بالقطاع الصحي الخصوصي، ومحدودية العمل بالبروتوكولات العلاجية”، بما يستلزم من الحكومة، وفقها، أن “تذهب إلى أصل المشكل وعدم الاكتفاء بمعالجة تمظهراته وأعراضه”.
وشددت نادية التهامي على أن “مشروع دمج الصندوقيْن هو مشروع ضخم، تدبيريا، يتجاوز الإجراءات التقنية والإدارية، ويتطلب مقاربة قائمة على الحكامة والجرأة، لضمان انتقال سلِس، من دون التأثير سلبا على جودة الخدمات المقدمة للمستفيدين، مع ضرورة الحفاظ على مكتسبات المُؤَمَّنين وذوي الحقوق بالقطاع العام”، مسجلة ضرورة “تعهد الحكومة بعدم المساس بها، وبأن عملية دمج الصندوقين تخص دمج التدبير وليس دمج المعايير الأساسية للنظامين”.
المصدر:
هسبريس