بين طموح الوثيقة الدستورية وإكراهات الواقع الانتخابي تجدد الجدل تحت قبة البرلمان حول “التمكين السياسي المجمّد” للمرأة المغربية، فرغم استعراض نعيمة ابن يحيى، وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، مسارا تشاوريا وبرامج ممتدة لعام 2027، أجمع نواب من الأغلبية والمعارضة على أن التأخر في تفعيل “هيئة المناصفة” منذ 2016 أفرغ الفصل 19 من محتواه، محذرين من استمرار حصر التمثيلية النسائية في هوامش لا تتجاوز 4%، وسط تساؤلات حارقة عن غياب الإرادة السياسية الحقيقية للإصلاح العميق.
تعقيبات الفرق النيابية خلال جلسة الأسئلة الشفوية، أمس الاثنين، انطلقت من إقرار جماعي بأن تمثيلية النساء في مراكز القرار مازالت ضعيفة، رغم مرور أكثر من عقد على دسترة مبدأ المناصفة. النائبة عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية ذكّرت بـ”الدور التاريخي للمرأة المغربية في النضال الوطني والسياسي، مقابل مفارقة صارخة تتمثل في محدودية حضورها اليوم داخل المؤسسات المنتخبة”، واعتبرت أن هذا الوضع “يطرح سؤالًا جوهريًا حول الأسباب الحقيقية لتأخر إحداث هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز، رغم صدور قانونها التنظيمي منذ سنة 2016″، موردة أن “استمرار هذا التأخير يفرغ الفصل 19 من الدستور من محتواه، ويحوّله إلى نص بلا أثر فعلي”.
أما في تعقيب فريق التجمع الوطني للأحرار فرغم الإشادة بما تحقق من مكاسب مقارنة بدول الجوار لم يُخفِ بدوره عدم الرضا عن مستوى التقدم الحالي، مؤكدًا أن ما أُنجز لا يرقى إلى طموح المناصفة الدستورية. وسجّل المتدخلون أن العقليات المحافظة، والمال الانتخابي، والنفوذ العائلي، مازالت تشكل عوائق بنيوية أمام وصول النساء إلى مراكز القرار، وهو ما يفسر النسب الهزيلة لترشيح النساء على المستوى المحلي، التي لا تتجاوز في أحسن الأحوال 3 إلى 4 في المائة.
هذه التعقيبات، رغم اختلاف نبرتها، التقت عند نقطة أساسية: المشكلة لم تعد في غياب النصوص أو المبادئ، بل في غياب الإرادة السياسية الكفيلة بتنزيلها، وفي استمرار تساهل الحكومة مع اختلالات بنيوية تعيق التمكين السياسي الفعلي للنساء.
وفي المقابل جاء رد الوزيرة نعيمة ابن يحيى مطولًا ومشحونًا بالمفاهيم العامة، من قبيل “الأولوية الحكومية” و”الالتزامات الدستورية والدولية” و”التوجيهات الملكية”، دون أن يلامس بشكل مباشر جوهر الانتقادات التي أثارها النواب.
واستعرضت الوزيرة مسارًا تشاوريًا انطلق، حسب قولها، منذ يوليوز 2025، شمل لقاءات مع البرلمان، وتنظيمات نسائية حزبية، ومكونات المجتمع المدني، وتوّج بتنظيم المناظرة الوطنية الأولى حول مشاركة النساء في العملية السياسية.
غير أن هذا العرض، الذي ركّز على عدد اللقاءات والمناظرات والدراسات المبرمجة، بدا أقرب إلى جرد إداري للأنشطة منه إلى سياسة عمومية ذات أثر ملموس؛ فالحديث عن حملات تحسيسية، ودورات تكوينية، ودراسات قبلية وبعدية، لم يُجب عن سؤال مركزي طرحه النواب بوضوح: لماذا لم تُفعّل بعد هيئة المناصفة؟ ولماذا مازالت الآليات القانونية الملزمة غائبة في مقابل الاكتفاء ببرامج ظرفية مرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية؟.
كما أن إعلان الوزيرة عن برنامج “مشاركة” الممتد إلى انتخابات 2026 و2027 رغم أهميته من حيث الشكل أثار تساؤلات ضمنية حول جدواه، في ظل غياب إصلاحات عميقة للمنظومة الانتخابية.
المصدر:
هسبريس