آخر الأخبار

سندات الباندا.. أداة ناعمة بيد الصين لكسر هيمنة الدولار

شارك

كان من الطبيعي أن ينمو دور أسواق التمويل في الصين مع النمو المستمر في اقتصادها، وقدرتها الهائلة على التصدير. وقد ارتبط عدد كبير من الدول والشركات العملاقة باقتصاد الصين، بما في ذلك دول متطورة اقتصاديا، مثل ألمانيا، ودول نامية في أفريقيا.

وتمثل الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم بناتج محلي إجمالي بلغ 20 تريليون دولار في عام 2025، وفق بيانات البنك الدولي.

اقرأ أيضا

list of 4 items
* list 1 of 4 لماذا تتجنب الولايات المتحدة مواجهة الصين في العقوبات على إيران؟
* list 2 of 4 انخفاض حيازات الأجانب من سندات الخزانة الأمريكية في يونيو
* list 3 of 4 مصر تمضي في طرح "سندات ساموراي" بقيمة نصف مليار دولار
* list 4 of 4 الصين تدفع باتجاه زيادة الاقتراض منها باليوان end of list

وبلغ حجم التجارة الخارجية لبكين -وتشمل الصادرات والواردات- 6.48 تريليونات دولار في عام 2025، حسب البيانات الصينية الرسمية، بينما حققت بكين فائضا في ميزانها التجاري في العام ذاته بلغ 1.2 تريليون دولار.

ما سندات الباندا؟

مع هذا التوسع الاقتصادي المستمر سعت عشرات الدول إلى الاستفادة من التمويل المتاح في أسواق الصين عبر سندات الباندا، وهي سندات دين مقومة بالعملة الصينية (رنمينبي) تصدرها كيانات أجنبية في الصين، وأصبحت قناة تمويل حيوية للمؤسسات الدولية.

ونقلت وكالة الأنباء الصينية (شينخوا) عن صحيفة "تشاينا سيكيوريتز " أنه:


* حتى يوم 21 أغسطس/آب الماضي، تجاوز حجم سندات الباندا المصدرة في الصين 200 مليار يوان (حوالي 29.76 مليار دولار أمريكي) منذ بداية العام الجاري.
* تجاوز هذا الحجم إجمالي الإصدارات المسجل في عام 2025 بأكمله، والبالغ 183.56 مليار يوان (نحو 27 مليار دولار).
* ذكرت الصحيفة، استنادا إلى بيانات منصة "ويند " الصينية المتخصصة في البيانات المالية، أن 119 إصدارا من سندات الباندا طُرحت حتى يوم 21 أغسطس/آب الماضي، بقيمة 203.475 مليارات يوان، بزيادة 71.49% مقارنة مع الفترة ذاتها من العام الماضي.
* وحتى نهاية يونيو/حزيران من العام الجاري، تجاوز عدد الجهات المصدرة لسندات الباندا 110 جهات من 24 دولة ومنطقة حول العالم.
* أصدرت عدة دول ذات سيادة سندات الباندا لأول مرة خلال العام الجاري، بما فيها سلوفينيا و باكستان وكازاخستان وإندونيسيا.
إعلان

وكانت وزارة المالية الروسية أصدرت أول سندات حكومية مقومة بالرنمينبي، بقيمة 20 مليار يوان (نحو 2.8 مليار دولار)، في محاولة لتأمين تمويل بديل لحربها مع أوكرانيا وتعزيز ارتباطها بالأسواق الصينية، وفقا لتقرير نشرته فايننشال تايمز .

مصدر الصورة صادرات السيارات الصينية حققت نموا كبيرا في أسواق مهمة مثل السوق الأوروبي (الفرنسية)

أسباب الإقبال على سندات الباندا

تتمتع السندات المقومة باليوان بميزة مهمة وهي انخفاض سعر الفائدة عليها مقارنة بالفائدة على السندات الأمريكية، علاوة على الاستقرار الذي يتمتع به سوق السندات المقومة باليوان في ظل التقلبات العالمية.

وعلى سبيل المثال، أصدرت الحكومة الإندونيسية سلسلتين من سندات الباندا، وبلغت قيمة السلسلة الأولى 5.6 مليارات يوان صيني (حوالي مليار دولار) لمدة 3 سنوات بفائدة 1.90%، بينما تم طرح السلسلة الثانية بقيمة 1.4 مليار يوان صيني لمدة 5 سنوات (حوالي 210 ملايين دولار)، وفائدة 2.19%.

ويُعَد إصدار سندات الباندا خطوة أساسية من قِبل الحكومة الإندونيسية في إطار خطتها لتنويع التمويل الحكومي وخفض الاعتماد على الدولار الأمريكي، وفق ما ذكرته صحيفة "آي دي إن فايننشال " الإندونيسية.

وسبق أن أصدرت جاكرتا سندات ديون بقيمة 9.25 مليارات يوان صيني (نحو 1.4 مليار دولار) في هونغ كونغ خلال فبراير/شباط 2026.

يُذكَر أن سعر الفائدة الأمريكية يتراوح بين 3.5% و3.75%، بعد أن قام مجلس الاحتياطي الفدرالي ( البنك المركزي الأمريكي) بتثبيتها في اجتماعه الأخير.

وارتفع العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاما، إلى 5.34% في منتصف أغسطس/آب الجاري، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2007، قبل الأزمة المالية العالمية.

ويبدو الفارق واضحا بين سعر الفائدة على السندات باليوان، وهو في حدود 2%، وسعر الفائدة على السندات الأمريكية الذي يتجاوز 5%، مما يمثل حافزا مهما للتوجه نحو سوق التمويل الصيني، وفق مراقبين.

الشركات الألمانية تدخل على الخط

أوضح موقع ياهو فاينانس أن شركات صناعة السيارات الألمانية كانت نشطة بشكل خاص في إصدار سندات الباندا، وذلك وفقا لما ذكره كليفورد لي، مدير الخدمات المصرفية الاستثمارية في بنك "دي بي إس " بسنغافورة.

وتمثل الصين سوقا مهما لشركات السيارات الألمانية، وتساعد هذه السندات ذات الفائدة المنخفضة على توفير التمويل اللازم لهذه الشركات؛ بهدف توسيع نشاطها في السوق الصيني.

مصدر الصورة تصاعد الطلب على السندات في أسواق المال العالمية (الفرنسية)

زيادة الطلب في سوق السندات

يتزامن الإقبال على سندات الباندا مع زيادة الطلب في سوق السندات العالمي بشكل عام، حيث تجاوزت مبيعات السندات العالمية حاجز 4 تريليونات دولار بحلول أواخر شهر يوليو/تموز الماضي، مقارنة بنحو 3.5 تريليونات دولار قبل عام واحد، حسب تقرير لموقع ياهو فاينانس.

وتعود الزيادة في الطلب على السندات بشكل عام إلى تصاعد العجز في الموازنات العامة لمجموعة من الاقتصادات الكبيرة في مجموعة الدول السبع، وعلى رأسها الولايات المتحدة التي تجاوز حجم الدين العام فيها مبلغ 40 تريليون دولار، حسب بيانات وزارة الخزانة الأمريكية.

ويثير هذا الحجم الهائل من الديون القلق في الأسواق المالية، بعدما تسبب في ارتفاع العوائد على السندات الأمريكية التي تعد أداة مهمة لتمويل عجز الموازنة.

إعلان

وفي فرنسا ارتفعت الديون العامة لتشكّل نسبة 115.7% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2025، بينما عجزت الحكومة الفرنسية حتى الآن عن إقرار موازنة جديدة بسبب الخلاف السياسي حول تخفيض النفقات.

وفي بريطانيا ارتفع حجم الدين العام لأكثر من 3 تريليونات جنيه إسترليني ( 4 تريليونات دولار).

سبب آخر لزيادة الطلب على السندات في الأسواق العالمية هو توجه مجموعة من الشركات الكبرى، ومنها شركات التكنولوجيا، إلى تمويل استثماراتها الهائلة في قطاع الذكاء الاصطناعي عبر السندات.

مصدر الصورة الرئيس الصيني شي جين بينغ مع زعماء أفارقة (غيتي)

مشكلات تواجه دول أفريقيا

تواجه الدول الأفريقية التي ترغب في دخول سوق السندات في الصين عبر سندات الباندا تحديات كبيرة بسبب أعباء ديونها الضخمة ونقص البنية التحتية للسوق، وفقا لما نقلته وكالة رويترز عن مستثمرين ومحللين.

وعلى الرغم من تشجيع الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال قمم الصين وأفريقيا دول القارة السمراء على إصدار سندات الباندا، أشار الخبراء إلى وجود عقبات أساسية تقف أمام هذه الدول.

وقالت ليندا إيرولو، الأستاذة المساعدة في جامعة جورجتاون بالدوحة، في حديث لرويترز، إن "اليوان الصيني ليس متداولا بحرية على مستوى العالم، مما يجعل هذه السندات أقل جاذبية ".

وتُعَد الصين ثاني أكبر دائن لأفريقيا، لكنّ الدولار الأمريكي يظل المهيمن على التجارة العالمية و الأسواق المالية، مما يجعل التحول نحو التمويل بالعملة الصينية قرارا غير سهل.

وأظهرت دراسة نشرها مركز "أف دي إل " لدراسات التنمية في نهاية مارس/آذار 2026 أن هناك مجموعة من العقبات تواجه الدول النامية عند الاعتماد على سندات الباندا للحصول على التمويل اللازم للتنمية، ومن أهمها:


* في الأسواق الناشئة والنامية، تقلّص هامش المكسب من الاعتماد على سندات الباندا عند احتساب تكاليف التحوط من مخاطر العملة.
* مخاطر تقلب سعر صرف الرنمينبي عند تحويله إلى العملات المحلية للدول المقترضة.
* القيود الصينية على تحويل الرنمينبي تُعَد أحد أهم العوامل التي تمنع المزيد من النمو في سوق سندات الباندا.
* لا يزال حجم هذه السندات صغيرا مقارنة بأسواق السندات المقومة بالدولار أو اليورو.

هل تكسر سندات الباندا هيمنة الدولار؟

رغم النمو السريع لسوق سندات الباندا، فإنها لا تبدو قادرة بمفردها على كسر هيمنة الدولار، لكنها قد تسهم في تقليص الاعتماد عليه ودعم تحول تدريجي نحو نظام مالي أكثر تعددا، حيث تتيح هذه السندات للدول والشركات الأجنبية الاقتراض باليوان من السوق الصيني، مما يزيد استخدام العملة الصينية في التمويل والتجارة.

وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى اتساع استخدام اليوان في المدفوعات والتجارة، لكن الفجوة مع الدولار لا تزال كبيرة؛ إذ استحوذ الدولار على 57.13% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية في الربع الأول من 2026، مقابل نحو 2% لليوان.

كما ظل الدولار العملة المهيمنة في تمويل التجارة والمعاملات الدولية بحسب بيانات صندوق النقد الدولي بشأن العملات الاحتياطية.

ويرى صندوق النقد أن القيود الصينية على حركة رؤوس الأموال وتحويل اليوان، إلى جانب محدودية حجم الأسواق المالية الصينية مقارنة بالأسواق الدولارية، لا تزال تحد من قدرة العملة الصينية على منافسة الدولار على نطاق واسع.

وخلاصة القول إن سندات الباندا تنمو بشكل مستمر نظرا لما تقدمه من مزايا، لكنها أيضا تواجه عقبات، خاصة بالنسبة للدول النامية، وهو ما يعني أن قرار اللجوء إليها يتطلب دوما دراسة لتعظيم الفائدة منها وتقليص الاعتماد على الدولار، لا بديلا عنه في المدى المنظور.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار