لم يحتج ريال مدريد أكثر من 72 ساعة لينتقل من حلم المنافسة على الألقاب إلى كابوس الانهيار الكامل. ثلاثة أيام كانت كافية لكشف أزمة تتجاوز خسارة مباراة أو إقالة مدرب، لتلامس جوهر المنظومة الملكية: أزمة قيادة، تآكل هوية ذهنية، وفريق فقد مرجعيته في اللحظات الحرجة.
خسارة نهائي، رحيل مدرب، ثم خروج مهين من كأس الملك أمام فريق من الدرجة الثانية… سلسلة ضربات متتالية وضعت أكثر أندية العالم تتويجًا أمام مرآة قاسية لا تعكس صورته المعتادة.
بدأت فصول الأزمة في جدة، بخسارة نهائي كأس السوبر الإسباني أمام برشلونة بنتيجة 2-3. ورغم أن ريال مدريد كان قريبًا من فرض التمديد، فإن ما بعد صافرة النهاية كان أبلغ من النتيجة نفسها.
مشهد محاولة تشابي ألونسو جمع لاعبيه لتحية الخصم، مقابل توجه بعض النجوم مباشرة نحو غرف الملابس، كشف شرخًا واضحًا بين المدرب وغرفة الملابس، وإشارة مبكرة إلى فقدان السلطة داخل الفريق.
بعد أقل من 24 ساعة، أعلن النادي فسخ عقد ألونسو “بالتراضي”، وهي صيغة دبلوماسية أخفت واقعًا أكثر حدّة: المشروع لم يحظَ بالإجماع، التوترات الداخلية تفاقمت، والمدرب فقد القدرة على فرض رؤيته.
جاء تعيين ألفارو أربيلوا على عجل، قادمًا من فريق الشباب، ليجد نفسه وسط عاصفة لا ترحم. دون وقت للتحضير أو فرصة لترسيخ أفكاره، خاض أول اختبار له في كأس الملك أمام ألباسيتي.
النتيجة كانت صادمة: خسارة 3-2 بهدف قاتل في الدقيقة 94، وخروج مبكر أعاد إلى الذاكرة كوابيس ألكوركون وألكويانو.
لم تكن الصدمة في الخروج بحد ذاته، بل في الطريقة. ريال مدريد سيطر على الكرة، لكنه افتقد الشراسة والفاعلية، وظهر فريقًا يُهزم ذهنيًا قبل أن يُهزم فنيًا.
رحيل تشابي ألونسو لم يكن وليد خسارتين، بل نتيجة صراع غير معلن داخل النادي. تقارير متعددة تحدثت عن تضخم نفوذ بعض النجوم، وتآكل سلطة المدرب، وهو ما بلغ ذروته في نهائي السوبر.
ألونسو نفسه ألمح في كلماته الأخيرة إلى جوهر الأزمة حين قال إن “منح اللاعبين قوة مفرطة” يجعل فرض الانضباط داخل غرفة الملابس شبه مستحيل.
رغم أن ريال مدريد لا يزال ثانيًا في الدوري الإسباني، وموجودًا في دوري أبطال أوروبا، فإن ما يحدث يتجاوز لغة الأرقام. الأزمة ذهنية وتنظيمية قبل أن تكون فنية.
في هذا السياق، بدت تصريحات بديا مياتوفيتش كتشخيص دقيق للداء. فريال مدريد، بحسب وصفه، يفتقد اليوم لقائد حقيقي داخل غرفة الملابس، لاعب يملك الكاريزما والجرأة لفرض الانضباط في الأوقات الصعبة.
برحيل شخصيات مثل سيرخيو راموس، وتراجع أدوار مودريتش وكروس، خسر الفريق "الحرس القديم" الذي كان يضبط الإيقاع ويمنع الانهيار عند أول اهتزاز.
هذا الفراغ القيادي انعكس بوضوح أمام خصوم أقل شأنًا، حيث سقط الفريق في فخ الاستهانة والراحة الذهنية.
لطالما تجاوز ريال مدريد الأزمات بفضل قادته، من دي ستيفانو إلى خوانيتو، ومن راؤول إلى راموس. وفي المقابل، ارتبطت أقسى السقطات بغياب هذه الشخصيات: ألكوركون، ألكويانو، واليوم ألباسيتي.
القاسم المشترك دائمًا كان واحدًا: فقدان الهوية الذهنية قبل التفوق الفني.
داخل أروقة النادي، تسود قناعة بأن الحل الآني لا يمر عبر تغيير جديد في الدكة، بل عبر إعادة ضبط المجموعة الحالية.
أربيلوا يحظى بثقة مؤقتة من الإدارة، لكن الرسالة هذه المرة واضحة وحازمة: بعد رحيل ألونسو، انتهت الأعذار.
قد تُطرح أسماء مدربين كبار للمستقبل، لكن الحاضر يفرض أولوية واحدة: استعادة الانضباط والروح القتالية.
مواجهة ليفانتي المقبلة في الدوري لم تعد مباراة عادية، بل تحولت إلى اختبار كرامة وهوية.
جماهير سانتياغو برنابيو، التي فقدت لقبين خلال أيام، لن تكتفي بالنتيجة، بل ستطالب برد فعل، بشخصية، وبفريق يقاتل حتى النهاية.
وبين 72 ساعة سوداء ومستقبل لا يزال غامضًا، يبقى السؤال الجوهري معلّقًا:
من يقود ريال مدريد حين تختفي الشخصيات الكبيرة وتعلو أصوات العاصفة؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة