فجرت تقارير رسمية أنجزتها المفتشية العامة لوزارة الداخلية “قنبلة” إدارية من العيار الثقيل، كاشفة عن تفاصيل “فوضى عارمة” تضرب قطاع التعمير بعدد من الجماعات الترابية التابعة لجهة الدار البيضاء–سطات.
ورصدت التقارير، التي جاءت عقب زيارات ميدانية دقيقة، وجود اختلالات قانونية ومسطرية وصفت بـ”الخطيرة”، شابت عمليات منح رخص تعميرية، وتحديدا تلك المتعلقة بتقسيم العقارات داخل المناطق الفلاحية الحساسة.
وأفادت مصادر مطلعة لجريدة “العمق”، بأن “قضاة الداخلية” وقفوا على واقع صادم يتمثل في العبث بتركيبة اللجان المختصة بالدراسة والموافقة على الملفات.
وسجلت التقارير غيابا تاما وغير مبرر لممثل “المحافظة العقارية” عن جميع اجتماعات لجان دراسة رخص التقسيم، وهو ما يعد خرقا سافرا للمادة 23 من المرسوم رقم 2.18.277 المتعلق بضابط البناء العام، التي تنص صراحة على الزامية حضور هذا المكون لضمان سلامة الوضعية العقارية.
وأوضحت المعطيات أن اللجان كانت تلتئم بتشكيلة “مبتورة” تقتصر على ممثلي الجماعة والعمالة والوكالة الحضرية، مما يضع عشرات القرارات الصادرة عنها في خانة “الشك القانوني”، ويجعلها عرضة للطعن والإلغاء لافتقادها لأحد أركانها الأساسية، مما يهدد الأمن العقاري بالمنطقة.
ولم تتوقف “الجرأة الإدارية” عند هذا الحد، إذ كشفت التحريات عن التفاف خطير على التراتبية الإدارية؛ حيث تم رصد حالات تم فيها منح رخص للتقسيم من طرف لجان محلية، رغم أن نفس الملفات سبق أن قوبلت بالرفض القاطع من طرف “اللجنة الإقليمية للتعمير”.
واعتبرت المفتشية هذا السلوك مساسا خطيرا بانسجام القرار الإداري، وضربا لمصداقية المؤسسات، فاتحا الباب أمام شبهات المحاباة وتعدد المعايير في التعامل مع المرتفقين.
“التحايل” بالأحكام القضائية
أما النقطة الأكثر إثارة للجدل في التقرير، فتعلقت باستغلال أحكام قضائية لـ”شرعنة” البناء في الأراضي الفلاحية. ورصدت لجان التفتيش لجوء بعض الجهات إلى استصدار رخص تقسيم استنادا فقط إلى أحكام (ابتدائية أو استئنافية) تقضي بـ”الخروج من حالة الشياع”.
وفي هذا الصدد، شدد التقرير على أن الأحكام القضائية، وإن كانت تفصل في نزاعات الملكية بين الورثة أو الشركاء، فإنها لا تمنح “شيكا على بياض” لانتهاك قوانين التعمير، ولا تعفي من ضرورة احترام الضوابط الصارمة التي تحمي المجال الفلاحي من التفتيت والزحف الإسمنتي.
وأشارت المصادر إلى أن هذا التفسير الخاطئ خلق تضاربا داخل اللجان نفسها، التي تارة توافق وتارة ترفض بناء على نفس السند، مما يعكس غياب بوصلة قانونية موحدة.
وخلصت المفتشية العامة، في ضوء هذه المعطيات “الكارثية”، إلى أن الوضع يعكس ضعفا فادحا في التنسيق وغيابا للرؤية الموحدة للنصوص القانونية.
ودعت التوصيات إلى ضرورة التدخل العاجل لإعادة النظر في مساطر منح الرخص، وتشديد المراقبة لضمان احترام القوانين، محذرة من أن استمرار هذا “النزيف” يهدد باستنزاف الرصيد العقاري الفلاحي وتحويله إلى كتل إسمنتية عشوائية تحت غطاء تراخيص مشوبة بعيوب قانونية جسيمة.
المصدر:
العمق