كشفت دراسة حديثة أجرتها جامعة أولو الفنلندية أن الاستهلاك المرتفع للقهوة المفلترة لا يرتبط فقط بتراجع الدهون الحشوية وتحسين حساسية الأنسولين، بل يمتد تأثيره إلى إحداث توازن هرموني إيجابي يعزز مستويات التستوستيرون وصحة التمثيل الغذائي، لا سيما لدى الرجال.
تتصدر فنلندا قائمة الدول الأكثر استهلاكاً للقهوة عالمياً بمعدل يصل إلى 185 لتراً للفرد سنوياً، متقدمة على دول كألمانيا التي يقل فيها المتوسط عن 162 لتراً.
وانطلاقاً من هذا الحضور الطاغي للقهوة في الحياة اليومي، أجرى فريق بحثي من جامعة أولو الفنلندية دراسة معمقة نُشرت في "المجلة الأوروبية للتغذية"، بهدف الكشف عن التأثيرات المباشرة لاستهلاك القهوة على مؤشرات التمثيل الغذائي والتوازن الهرموني داخل الجسم.
أظهرت نتائج الدراسة أن شرب كميات كبيرة من القهوة ، بمعدل خمسة أكواب أو أكثر يومياً، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحصول على قوام أنحف، إلى جانب تسجيل انخفاض ملحوظ في نسبة الدهون الكلية والدهون الحشوية المتراكمة حول الأعضاء الحيوية. كما بيّنت البيانات تحسناً واسعاً في المؤشرات الأيضية العامة للأشخاص الذين يستهلكون القهوة بكثافة مقارنة بغيرهم.
وامتدت الفوائد الأيضية لتشمل كلا الرجال والنساء على حد سواء، إذ ارتبط استهلاك خمسة أكواب أو أكثر يومياً بانخفاض مستويات الأحماض الأمينية متفرعة السلسلة في الدم. ويُعد هذا الانخفاض مؤشراً حيوياً مهما، إذ إن ارتفاع مستويات هذه الأحماض يرتبط عادة بزيادة مقاومة الأنسولين ورفع احتمالات الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني.
رصدت الدراسة تغيرات بيولوجية بارزة على الصعيد الهرموني، خاصة لدى الرجال الذين يستهلكون القهوة بكميات مرتفعة؛ إذ سُجل لديهم ارتفاع في مستويات هرمون التستوستيرون الكلي، وكذلك التستوستيرون المتاح بيولوجياً والمسؤول عن دعم الكتلة العضلية، والقوة البدنية، ومستويات الطاقة والرغبة الجنسية.
وترافق ذلك مع ارتفاع في تركيز البروتين الرابط للهرمونات الجنسية (SHBG) وانخفاض في مؤشر الأندروجين الحر، وهي تركيبة وصفها الباحثون بأنها حالة هرمونية مواتية تنعكس إيجاباً على صحة القلب والأوعية الدموية وحساسية الأنسولين، في حين كانت هذه التغيرات الهرمونية أقل وضوحاً لدى النساء.
اعتمدت الدراسة على تتبع وتحليل بيانات 2264 مشاركاً ضمن برنامج البحث طويل الأمد "مجموعة مواليد شمال فنلندا 1966". واستحوذت القهوة المفلترة على خيارات الأغلبية الساحقة من العينة بنسبة قاربت 98%، بينما اعتمد 13% على القهوة المغلية تقليدياً دون فلتر، واقتصر استهلاك الكابتشينو على 3% فقط من المشاركين، مما يرجح ارتباط النتائج الإيجابية بخصائص القهوة المفلترة تحديداً.
أوضح المؤلف الرئيسي للدراسة، لوكا فيروست، أن النتائج أظهرت نمطاً هرمونياً واضحاً ومستقراً حتى بعد تحييد مؤشر كتلة الجسم وعوامل نمط الحياة المختلفة، وهو ما يفسر الآلية التي تؤثر بها القهوة على الدهون والأيض.
واختتم الفريق البحثي بالتأكيد على أن الدراسة ذات طبيعة رصدية؛ ما يعني أنها تظهر ارتباطا إحصائيا إيجابيا بين المتغيرات المدروسة، لكنها لا تثبت علاقة سببة مباشرة. وأوضح الباحثون أن تأكيد هذه العلاقة يتطلب إجراء دراسات تجريبية لاحقة، فضلا عن تحديد المركبات الدقيقة المسؤولة عن هذه التحولات الحيوية.
مراجعة: طارق أنكاي
المصدر:
DW