قبل نحو 20 ألف عام، جاب أسد ضخم سهوب آسيا الباردة، في عالم تكسوه الثلوج وتعيش فيه حيوانات الماموث والخيول البرية ووحيد القرن الصوفي. لم يكن هذا الأسد مثل الأسود التي نعرفها اليوم في أفريقيا أو الهند، بل كان أكبر حجما، وربما بلا لبدة واضحة، وينتمي إلى سلالة منقرضة تعرف باسم "أسود الكهوف".
لعقود طويلة، تساءل العلماء عن طبيعة هذه الحيوانات، وهل كانت أسود الكهوف مجرد صورة قديمة من الأسود الحديثة، أم أنها سلالة مختلفة تماما؟ وهل عاشت مع أحفاد الأسود الحالية في مناطق متداخلة، أم ظل كل منهما منعزلا عن الآخر؟
في دراسة جينومية جديدة نشرت يوم 3 يونيو/حزيران في مجلة "سيل" (Cell) سعى فريق بحثي دولي للإجابة عن هذه التساؤلات من خلال تحليل جينومات 12 أسدا من أسود الكهوف، تمتد أعمارها إلى أكثر من 100 ألف سنة، وجاءت عيناتها من أوروبا وسيبيريا وآسيا الوسطى وأمريكا الشمالية. ثم قارن الفريق هذه الجينومات بجينومات أسود حديثة ومنقرضة، بينها أسود من شمال أفريقيا وجنوب أفريقيا وجنوب غرب آسيا.
تكشف النتائج أن أسود الكهوف والأسود الحديثة لم تكونا مجموعة واحدة، بل سلالتين منفصلتين، لكل منهما تاريخها السكاني والجيني الخاص، يقول المؤلف الرئيسي للدراسة، ديفيد ستانتون، المحاضر في علم البيولوجي في جامعة كارديف في المملكة المتحدة، إن الانفصال بين السلالتين ربما بدأ منذ زمن بعيد، قد يصل إلى أكثر من مليون سنة، "رغم أن تحديد هذا التاريخ بدقة يظل معقدا، لأن السلالتين لم تبقيا منفصلتين تماما طوال الوقت".
يوضح ستانتون في تصريحات للجزيرة نت، أن المفاجأة الأهم في الدراسة أن الفريق وجد أدلة على حدوث تدفق جيني بين أسود الكهوف والأسود الحديثة خلال العصر الجليدي الأخير.
ويعني التدفق الجيني حدوث تزاوج بين أفراد من السلالتين، وانتقال جزء من المادة الوراثية من إحداهما إلى الأخرى. وهذا يشير إلى أن أسود الكهوف لم تكن معزولة بالكامل، بل التقت في بعض الفترات بأسود قريبة من السلالات الحديثة.
وتشير الدراسة إلى أن أحد أسود الكهوف، الذي عاش قبل نحو 20 ألف سنة في آسيا الوسطى الشرقية، حمل ما بين 3.2 و4.4% من أصوله الجينية من أسود حديثة. ويرجح الباحثون أن أقرب مصدر لهذه الجينات كان أسود جنوب غرب آسيا، وهي مجموعة من الأسود الحديثة انقرضت في القرن العشرين.
ويربط الفريق هذا التزاوج بتغيرات المناخ في العصر الجليدي، حين اتسعت الكتل الجليدية، وتحركت أسود الكهوف جنوبا بعيدا عن البرد القارس، واقترب نطاقها من مناطق كانت تعيش فيها أسود حديثة في جنوب غرب آسيا.
ويضيف ستانتون: "وعند هذا التداخل، حدث تزاوج محدود بين السلالتين. وبذلك تصبح الجينات مثل سجل صغير لحركة الحيوانات تحت ضغط الجليد والمناخ".
تكشف الدراسة أيضا أن أسود الكهوف كانت متصلة جينيا على مساحات واسعة من أوراسيا. فرغم أن نطاقها امتد من أوروبا إلى سيبيريا وآسيا الوسطى، تظهر الجينومات أن التزاوج وانتقال الأصول الجينية حدثا عبر مناطق بعيدة خلال فترات قصيرة نسبيا، وهو ما يعني أن هذه الحيوانات لم تكن مجموعات صغيرة معزولة تماما، بل كانت جزءا من شبكة واسعة من التجمعات التي تحركت وتداخلت عبر سهوب العصر الجليدي.
لكن أسود أمريكا الشمالية بدت أكثر تميزا من الناحية الجينية، بحسب الباحث الذي يشير إلى أنها ربما حملت أصولا عميقة من سلالة قطية منقرضة لم تسلسل جيناتها بعد، وقد تكون مرتبطة بما يعرف بالأسد الأمريكي. "لكن هذه الفرضية لا تزال بحاجة إلى بيانات إضافية، خاصة من جينومات مؤكدة للأسد الأمريكي نفسه" وفقا لستانتون.
ولم تقتصر النتائج على تتبع النسب فقط، إذ وجد الباحثون طفرات جينية مميزة في أسود الكهوف، بعضها مرتبط بوظائف في الدماغ والجهاز العصبي والرؤية والنمو والدورة الدموية. ويعتقد الفريق أن هذه الإشارات قد تساعد مستقبلا في فهم كيف تكيفت هذه الحيوانات مع بيئات العصر الجليدي القاسية، حيث البرد الشديد، والمسافات الواسعة، والفرائس الضخمة.
رغم قوة التحليل الجينومي، يضع الباحثون عدة حدود للدراسة؛ فعدد الجينومات القديمة لا يزال محدودا، وبعضها منخفض التغطية، أي أن المادة الوراثية المستخرجة منه ليست كاملة بالقدر الذي يسمح بإجابات نهائية عن كل الأسئلة. لذلك تحتاج بعض الاستنتاجات إلى عينات إضافية من مناطق وفترات زمنية مختلفة.
كما أن العلاقة بين التزاوج القديم واتساع الجليد تبدو قوية في التحليل، لكنها ليست محسومة إحصائيا مقارنة بعامل الزمن وحده. ويوضح الباحث أن المناخ الجليدي ربما يكون قد ساعد فعلا على تقريب نطاقات الأسود من بعضها، لكن إثبات ذلك بصورة قاطعة يحتاج إلى مزيد من البيانات. كذلك لا تكفي العينة الحالية لاختبار ما إذا كانت الطفرات الجينية المكتشفة تمثل تكيفا مباشرا مع البيئة، أم أنها مجرد اختلافات وراثية تراكمت عبر الزمن.
أما من حيث التمويل، فقد دعم العمل برنامج هورايزون 2020 التابع للاتحاد الأوروبي، ومجلس البحوث السويدي، ومجلس البحوث الأوروبي، ومؤسسة فيينا للعلوم والتكنولوجيا ، ومؤسسة "لا كايشا" ، إضافة إلى دعم من مختبرات ومنشآت بحثية في كارديف والسويد. وأقر الباحثون بعدم وجود تضارب مصالح.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة