عبد السلام الصديقي
مقدمة: الفقر ليس قدراً محتوماً
عندما نتحدث عن إقليم جرسيف، غالباً ما تتجه الأنظار إلى الصعوبات التي يواجهها: البطالة، هجرة الشباب، ضعف النشاط الصناعي، وهشاشة جزء من العالم القروي. هذه حقائق قائمة، ولا فائدة من إنكارها، لأن أي مجتمع لا يمكن أن يتقدم إذا أغلق عينيه عن مشاكله.
لكن اختزال جرسيف في هذه الصعوبات سيكون خطأ أكبر. فهناك سؤال جوهري ينبغي أن نطرحه: كيف لإقليم يمتلك كل هذه المؤهلات الطبيعية، وهذا الرصيد الزراعي المتوارث عبر الأجيال، وهذه الطاقة الشبابية الكبيرة، أن يقبل بأن يُنظر إلى التخلف وكأنه قدر لا يمكن تغييره؟
إن التجارب الاقتصادية عبر العالم تثبت أن الأقاليم ليست أسيرة نقطة انطلاقها. فقد استطاعت مناطق كانت تعاني من الفقر والتهميش أن تحقق نهضتها بفضل رؤية واضحة، والاستثمار في الإنسان، وحسن استغلال مواردها الذاتية.
إن التحدي الحقيقي أمام جرسيف لا يكمن في انتظار ثروة تأتي من الخارج، بل في القدرة على تحويل الثروات الموجودة على أرضها إلى قيمة مضافة وفرص عمل وتنمية شاملة.
أولاً: إقليم بدأ بالفعل مسار التحول
من الإنصاف الاعتراف بأن جرسيف اليوم ليست هي جرسيف الأمس. فقد ساهمت الاستثمارات العمومية خلال العقود الأخيرة في تحسين البنيات التحتية، سواء من خلال تطوير الطرق، وتوسيع الولوج إلى الكهرباء والماء الصالح للشرب، وتحسين التجهيزات التعليمية والصحية.
ولا يعني ذلك أن جميع المشاكل قد حُلَّت. فما زالت الفوارق قائمة بين المجال الحضري والمناطق القروية، وما زالت العديد من الأسر تواجه صعوبات اقتصادية. غير أن معركة محاربة الفقر تغيرت طبيعتها.
ففي الماضي كان التحدي الأساسي هو فك العزلة وتوفير الخدمات الضرورية. أما اليوم فإن السؤال المركزي أصبح: كيف يمكن خلق الثروة، وتوفير فرص الشغل، وفتح آفاق جديدة أمام الشباب؟
في هذا المجال بالذات سيتحدد مستقبل جرسيف خلال السنوات المقبلة.
الفلاحة: الأساس الذي يجب أن يُبنى عليه المستقبل
كل استراتيجية واقعية للتنمية يجب أن تنطلق من حقيقة بسيطة، وهي أن الفلاحة تشكل القلب النابض لاقتصاد الإقليم. فهي ليست مجرد نشاط إنتاجي، بل تمثل ثقافة وخبرة تراكمت عبر أجيال، كما أنها مصدر العيش الرئيسي لآلاف الأسر.
وخلال السنوات الأخيرة عرف الإقليم تطوراً مهماً بفضل توسع زراعة الزيتون، مما جعل جرسيف أحد أهم الأحواض المنتجة للزيتون على مستوى جهة الشرق.
هذا النجاح يثبت حقيقة أساسية: عندما تتوفر شروط الاستثمار، ويحظى الفلاح بالمواكبة التقنية اللازمة، فإن الإقليم قادر على إنتاج الثروة.
غير أن سؤالاً مشروعاً يطرح نفسه: لماذا لم تتحول هذه الثروة الفلاحية بعد إلى تحول اجتماعي واقتصادي يرقى إلى تطلعات السكان؟
الجواب هو أن إنتاج المادة الخام وحده لا يكفي. فالتنمية الحقيقية تبدأ عندما يتحكم الإقليم في مختلف حلقات سلسلة القيمة: من التحويل والتلفيف إلى التسويق وولوج الأسواق.
فالزيتون الذي يباع كمادة خام يحقق قيمة محدودة، أما زيت الزيتون الجيد الذي يتم إنتاجه وتعليبه وتسويقه باسم جرسيف وهوية ترابية واضحة، فإنه يخلق دخلاً أكبر ويوفر فرص شغل أكثر.
وهنا يجب أن تتم الثورة الاقتصادية المقبلة للإقليم: الانتقال من اقتصاد قائم على الإنتاج فقط إلى اقتصاد يقوم على تثمين الثروة.
العوائق التي ينبغي التحلي بالشجاعة لمواجهتها
إن امتلاك رؤية متفائلة للمستقبل لا يعني تجاهل العقبات، بل إن أول واجب هو تحديدها بوضوح من أجل تجاوزها.
أول هذه العوائق يتمثل في إشكالية العقار. فعدد مهم من الفلاحين يواجهون تعقيدات مرتبطة بالوضع القانوني للأراضي، وعدم تحفيظ جزء منها، إضافة إلى تجزؤ الاستغلاليات الفلاحية. وهذا الوضع يحد من الاستثمار، ويصعب الولوج إلى التمويل البنكي، ويبطئ عملية تحديث القطاع الفلاحي.
لذلك فإن قضية العقار ليست مجرد مسألة إدارية، بل هي رهان حقيقي للتنمية. فالفلاح الذي لا يتوفر على ضمانات كافية بخصوص أرضه سيتردد بطبيعة الحال في استثمار أمواله لتحسين إنتاجيته.
أما التحدي الثاني فيتعلق بالماء. فالتغيرات المناخية وتوالي سنوات الجفاف تؤكد أن مستقبل الفلاحة في جرسيف مرتبط بمدى قدرتها على تدبير كل قطرة ماء بكفاءة أكبر. ولذلك يجب أن تصبح تقنيات السقي المقتصدة للماء، وتحسين الممارسات الفلاحية، والحفاظ على الموارد المائية من الأولويات الأساسية.
ثانياً: تحويل الثروة الفلاحية إلى تنمية بشرية
إن المفارقة الكبرى التي يعيشها إقليم جرسيف اليوم تتمثل في أنه نجح في بناء قطاع فلاحي حيوي، خاصة في مجال زراعة الزيتون، لكن هذا النجاح لم ينعكس بعد بالشكل المطلوب على مستوى تحسين ظروف عيش السكان وخلق فرص الشغل.
وتبين المعطيات المتوفرة أن التحديات الاجتماعية لا تزال قائمة، خصوصاً فيما يتعلق ببطالة الشباب والنساء وضعف فرص العمل بالنسبة للفئات قليلة التأهيل. كما أن العديد من الشباب لا يزالون يغادرون الإقليم وهم مقتنعون بأن مستقبلهم يوجد في أماكن أخرى.
وهذا الوضع يمثل خطراً حقيقياً، لأن أي منطقة لا يمكنها بناء مستقبلها وهي تفقد كفاءاتها وخريجيها وطاقاتها الحية. إن الثروة الحقيقية لجرسيف ليست فقط أرضها وزيتونها ومواردها الطبيعية، بل قبل كل شيء نساؤها ورجالها.
ومن أهم رهانات السنوات المقبلة خلق حلقة تنموية إيجابية تجعل من الفلاحة منطلقاً لأنشطة اقتصادية جديدة. فحول شجرة الزيتون يمكن أن تظهر مهن عديدة: تقنيون فلاحيون، متخصصون في تدبير السقي، عاملون في وحدات عصر الزيتون والتلفيف، مهنيون في اللوجستيك والتسويق، وخبراء في تطوير العلامات التجارية المحلية.
إن المستقبل لا يكمن فقط في زيادة حجم الإنتاج، بل في قدرة الإقليم على الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة المضافة التي يتم خلقها فوق أرضه.
بناء منظومة اقتصادية متكاملة حول الزيتون
يمكن أن يكون طموح جرسيف أكبر من مجرد منطقة لإنتاج الزيتون، وأن تصبح مرجعاً وطنياً في اقتصاد الزيتون.
وهذا يتطلب العمل على عدة أوراش متكاملة:
تحسين جودة الإنتاج وتشجيع الممارسات الفلاحية الجيدة.
تحديث وحدات عصر الزيتون لإنتاج زيت يستجيب للمعايير الوطنية والدولية.
إحداث علامات ترابية تبرز أصل وجودة زيت زيتون جرسيف.
تطوير عمليات التلفيف داخل الإقليم حتى تبقى القيمة المضافة محلياً.
تقوية التعاونيات والتنظيمات المهنية.
مواكبة الشباب المقاولين في الأنشطة المرتبطة بالصناعة الغذائية الفلاحية.
فالهدف ليس فقط إنتاج المزيد من زيت الزيتون، بل إنتاج المزيد من الثروة من كل كيلوغرام من الزيتون يتم جنيه.
وفي هذا الإطار، يمكن أن يصبح إنشاء “قطب للزيتون بجرسيف” مشروعاً جماعياً يشارك فيه الفلاحون والتعاونيات والمستثمرون الخواص والمؤسسات العمومية ومؤسسات التكوين.
الدور الحاسم للشباب والتكوين
يجب أن تكون قضية الشباب في صلب كل استراتيجية للتنمية، لأن الإقليم الذي لا يوفر لشبابه آفاقاً واضحة يعرض نفسه لفقدان طاقته وقدرته على الابتكار.
والتحدي لا يتمثل فقط في توفير مناصب الشغل، بل في إعداد الشباب لمهن المستقبل.
ولهذا ينبغي توجيه التكوين المهني بشكل أكبر نحو الحاجيات الحقيقية للإقليم، مثل الفلاحة العصرية، وتدبير المياه، وصيانة المعدات الفلاحية، والصناعات الغذائية، والتجارة، والتكنولوجيات الرقمية، وروح المبادرة.
ومن الضروري أن تظهر أجيال جديدة من المقاولين المحليين الذين ينظرون إلى جرسيف ليس باعتبارها منطقة يجب مغادرتها، بل فضاءً واعداً للفرص والنجاح.
ثالثاً: ميثاق جديد لجرسيف: تحويل الإمكانات إلى ازدهار مشترك
لقد وصلت جرسيف اليوم إلى مرحلة مفصلية من تاريخها. فبعد فترة طويلة كان فيها التحدي الأساسي هو فك العزلة وتوفير البنيات التحتية والخدمات الأساسية، تفتح اليوم مرحلة جديدة عنوانها الأساسي خلق الثروة، وتوفير فرص الشغل، وتحسين ظروف عيش السكان بشكل مستدام.
إن الإقليم يتوفر على مؤهلات كبيرة. فهو يملك أرضاً فلاحية أثبتت زراعة الزيتون ما تختزنه من إمكانات، كما يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي يجعله نقطة وصل بين عدة فضاءات اقتصادية، إضافة إلى ثروته الحقيقية المتمثلة في شبابه، الذي يشكل أكبر رصيد من الطاقة والإبداع.
لذلك فإن الرهان ليس أن يحاول جرسيف تقليد مناطق أخرى، بل أن يبني نموذجه التنموي الخاص انطلاقاً من مزاياه ومؤهلاته الذاتية.
الرافعة الأولى: جعل الزيتون محركاً لاقتصاد ترابي جديد
يجب أن يكون الاختيار الاستراتيجي واضحاً: جعل سلسلة الزيتون قلب مشروع اقتصادي متكامل.
فالهدف خلال السنوات القادمة هو الانتقال من إقليم ينتج الزيتون فقط إلى إقليم يتحكم في جميع حلقات سلسلة القيمة: تحسين الجودة، التحويل الصناعي، التلفيف، خلق علامات محلية، التسويق، والانفتاح على الأسواق الوطنية والدولية.
إن الطموح إلى جعل جرسيف مرجعاً وطنياً في مجال زيت الزيتون ذات الجودة العالية ليس حلماً بعيد المنال. فالعديد من المناطق في العالم استطاعت أن تبني نهضتها الاقتصادية حول منتوج فلاحي واحد عندما نجحت في الجمع بين الخبرة التقليدية، والابتكار، والتنظيم الجماعي.
الرافعة الثانية: تحرير الاستثمار الفلاحي
لن تكون هناك نهضة اقتصادية حقيقية دون معالجة تدريجية للعراقيل التي تحد من مبادرة الفلاحين.
ويأتي في مقدمة هذه التحديات إصلاح الوضع العقاري وضمان الأمن القانوني للأراضي، لأن الأرض التي يكتنفها الغموض القانوني تظل ثروة معطلة لا تحقق كامل إمكاناتها.
كما ينبغي تمكين الفلاحين من الولوج بشكل أفضل إلى التمويل والتكنولوجيا والتأطير التقني واعتماد ممارسات فلاحية حديثة قادرة على التكيف مع التغيرات المناخية.
وتظل معركة الماء من أهم المعارك المستقبلية، لأن الاستثمار في ترشيد استعمال الماء داخل منطقة شبه جافة هو استثمار مباشر في مستقبل الأجيال القادمة.
الرافعة الثالثة: الاستثمار في الشباب والذكاء المحلي
في الماضي كان مستوى التنمية يقاس أساساً بحجم البنيات التحتية، أما اليوم فإن الثروة الأولى لأي مجال ترابي هي رأسماله البشري.
وعلى جرسيف أن تراهن على شبابها من خلال تطوير التكوين المهني، وتشجيع روح المبادرة، وإعداد كفاءات تتلاءم مع حاجيات الاقتصاد المحلي: الفلاحة العصرية، والصناعات الغذائية، وتدبير الموارد المائية، والتجارة، والتكنولوجيا الرقمية، والخدمات.
إن النجاح الحقيقي لن يكون فقط في تخفيض معدلات البطالة، بل في أن يشعر شباب جرسيف بأن بإمكانهم بناء مستقبلهم فوق أرضهم، وبين أهلهم.
الرافعة الرابعة: بناء حكامة محلية للتنمية
إن التنمية لا يمكن أن تكون قراراً يُفرض من الخارج، بل يجب أن تتحول إلى مشروع جماعي يتبناه أبناء الإقليم أنفسهم.
ولهذا يجب أن تنخرط في هذا المشروع مختلف القوى الحية: المنتخبون، والإدارات العمومية، والفلاحون، والتعاونيات، والمقاولات، والجمعيات، وكذلك الكفاءات المنحدرة من جرسيف والمقيمة في مناطق أخرى.
إن جرسيف في حاجة إلى عقد ترابي حقيقي يحدد أهدافاً واضحة للعشر سنوات المقبلة: فرص الشغل التي ينبغي خلقها، والقطاعات التي يجب تطويرها، والاستثمارات الواجب استقطابها، والمهارات التي ينبغي تكوينها.
أفق جديد: الانتقال من اقتصاد البقاء إلى اقتصاد الطموح
إن أكبر خطر يهدد أي منطقة ليس نقص الموارد، بل الاستسلام لفكرة أن التغيير مستحيل.
إن تجارب كثيرة عبر العالم تؤكد أن أنجح التحولات كانت في مناطق عرفت في الماضي صعوبات كبيرة، لكنها استطاعت أن تكتشف نقاط قوتها وأن تحسن استثمارها.
تمتلك جرسيف اليوم عدة أوراق رابحة: فلاحة في طور التحول، خبرة متراكمة في مجال الزيتون، موقعاً جغرافياً متميزاً، وطاقات بشرية تحتاج فقط إلى الثقة والتعبئة.
قد يكون الطريق طويلاً، وقد لا تختفي المشاكل بين يوم وليلة، لكن كل تنمية كبرى تبدأ بفكرة بسيطة: الإيمان بأن التغيير ممكن.
الخاتمة: جرسيف مطالبة بأن تؤمن بمستقبلها
إن الرسالة الأساسية التي ينبغي أن نحملها هي أن جرسيف ليست إقليماً محكوماً عليه بالفقر أو بهجرة شبابه.
فهي تمتلك كل مقومات الانطلاق نحو مرحلة جديدة. والتحدي الحقيقي ليس البحث عن مفاتيح المستقبل في أماكن أخرى، بل حسن استثمار ما نملكه بالفعل: الأرض، والماء، والخبرة الفلاحية، وقبل كل شيء الإنسان.
اليوم الذي يتحول فيه الزيتون المنتج في جرسيف إلى منتوج مُثَمَّن ومُعَلَّب ومُسَوَّق تحت هوية ترابية قوية، سيكون الإقليم قد خطا خطوة حاسمة نحو التنمية.
واليوم الذي يشعر فيه شاب من جرسيف بأنه قادر على النجاح وإنشاء مشروعه داخل إقليمه، سيكون ذلك الإعلان الحقيقي عن بداية التحول.
إن الفقر ليس قدراً محتوماً، ومستقبل جرسيف سيصنعه أبناؤها عندما يحولون مواردهم الطبيعية إلى مشروع جماعي يحقق الكرامة، وفرص الشغل، والأمل.
إن الرهان الكبير خلال السنوات القادمة هو الانتقال من أرض تنتج الثروات إلى أرض يعيش سكانها من هذه الثروات في كرامة وازدهار وثقة في المستقبل.
عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية ووزير سابق
المصدر:
هبة بريس