آخر الأخبار

ليبيا أحدث ضحاياه.. "الفخ المناخي" يحول حرارة المنطقة إلى سيول

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بينما تدفع الحرارة الشديدة والطقس الجاف الحكومات والبلديات في منطقة الشرق الأوسط إلى توجيه طاقتها للاستعداد لموجات الجفاف والحرائق والضغط على شبكات الكهرباء والمياه، تُفاجأ تلك الدول في السنوات الأخيرة بـ"فخ مناخي"، حيث ينقلب السيناريو تماما إلى سيول جارفة وفيضانات مفاجئة تباغت الأجهزة التنفيذية التي استعدت لـ"الحر" وليس الغرق.

ورصدت دراسة حديثة نشرت مؤخرا بدورية "أتموسفيرك ريسيرتش" (Atmospheric Research)، تفاصيل هذا "الفخ المناخي"، والتي جاءت متوافقة إلى حد كبير مع ما حدث في ليبيا مؤخرا، حيث شهدت مناطق في جنوب غرب ليبيا تدفقا كبيرا لسيول ناتجة عن الأمطار الغزيرة المتدفقة من مرتفعات تاسيلي الواقعة بين ليبيا والجزائر، والتي جاءت بعد وقت قصير للغاية من ارتفاع غير مسبوق بدرجات الحرارة.

وتتبع فريق بحثي دولي يضم باحثين من فرنسا والصين وباكستان، ظاهرة الانقلاب الخاطف من موجات الحر الشديدة إلى سيول جارفة في 13 منطقة فرعية بالشرق الأوسط خلال 25 عاما من 2000 حتى 2024.

مصدر الصورة درجات الحرارة المرتفعة تساهم في زيادة معدلات السيول (غيتي)

بيانات أرضية وفضائية

واعتمدت تلك الدراسة على بيانات متطورة من أقمار "ناسا" الصناعية جرت مطابقتها مع 120 محطة أرصاد أرضية، واستهدفت تحديد الأنماط الجوية والفيزيائية الكامنة وراء هذه الكوارث المركبة وتقييم مخاطرها الهيدرولوجية المستقبلية.

وجاءت النتائج لتكشف عن حقيقة صادمة تفسر الكثير من الأحداث المناخية غير المألوفة، وآخرها ما حدث في ليبيا، حيث تبين أن الغلاف الجوي يشحن طاقته الحرارية القصوى ليمتص رطوبة البحار المجاورة، قبل أن يتفجر المطر الطوفاني في شكل أمطار ذات قطرات ضخمة خلال نافذة ضيقة لا تتجاوز 36 ساعة من نهاية موجة الحر، وتحديداً في مايو/أيار وسبتمبر/أيلول.

ورغم أن الدراسة أكدت أن السعودية ومصر، سجلتا مجتمعتين أكثر من 43% من إجمالي هذه الأحداث المطيرة المتطرفة في المنطقة، إلا أن دول أخرى مثل ليبيا كانت حاضرة وبقوة في هذا المشهد المناخي الغريب، مما يثبت أن شدة الحرارة يمكن أن تحول الأجواء الصحراوية إلى "فخ مناخي" فتاك، يضع خطط إدارة المياه والبلديات التقليدية أمام تحديات غير مسبوقة.

إعلان

وتشرح الباحثة إلهام قاسميفار، من مختبر الأرصاد الجوية الفيزيائية بجامعة كليرمون أوفرن بفرنسا، والباحثة الرئيسية بالدراسة للجزيرة نت، تفاصيل هذا "الفخ المناخي"، والذي يبدأ بأجواء معتادة من شمس حارقة وهواء خانق ورمال ملتهبة، وتبدو السماء في تلك اللحظات جافة تماما وخالية من أي أمل في سقوط أمطار، ويهرع الجميع إلى مكيفات الهواء لمقاومة الحرارة، لكن خلف هذا السكون يتم التجهيز في الغلاف الجوي للفخ الذي يحول الحرارة الشديدة من مجرد طقس سيئ إلى قنبلة مائية موقوتة.

من النهر غير المرئي إلى الانفجار المطري

وتقول إلهام إنه: "قبل يومين كاملين من سقوط قطرة مطر واحدة، تبدأ المؤشرات الجوية فوق المناطق المتأثرة بالتحرك بشكل غير مرئي، حيث يتسبب التسخين السطحي الشديد أثناء موجة الحر في زيادة معدلات التبخر بشكل عنيف وخلق حالة من عدم الاستقرار الجوي في الطبقات الملاصقة للأرض".

ووفقاً لمعادلة "كلاوزيوس-كلابيرون" الفيزيائية، تزداد قدرة الهواء الساخن على استيعاب وحبس بخار الماء، مما يخلق بيئة جوية خانقة، محملة بالرطوبة العالية، ومستعدة للانفجار.

وهذه المعادلة للعالمين "رودولف كلاوزيوس" و"بينوا كلابيرون"، تحدد كمية بخار الماء التي يستطيع الهواء أن يحملها عند كل درجة حرارة قبل أن يصل إلى مرحلة التشبع ويمطر.

وبالتزامن مع هذا الغليان السطحي، يرصد التحليل الجوي الذي أعده الباحثون في الدراسة، ظاهرة حرجة تمثلت في "تدفق الرطوبة" من المسطحات المائية المجاورة، فتندفع هذه الرياح الرطبة نحو عمق اليابسة الجافة، مما يرفع من إجمالي محتوى بخار الماء في عمود الهواء ويصل به إلى حافة التشبع التام، مشكلا ما يشبه "نهرا غير مرئي".

وبعد أن شحنت موجة الحر الغلاف الجوي بالطاقة والرطوبة القصوى، يحين وقت "الزناد الديناميكي" الذي يفجر هذا الخزان المعلق في السماء.

وتقول إلهام إن "هذه المرحلة هي التي يحدث فيها (تدخل المنخفضات الجوية) ففي اليوم الأخير من موجة الحر، تتداخل في طبقات الجو أنظمة ضغط منخفض، والتي تعرف باسم (أنظمة الارتفاع الجيوبوتنزالي المنخفض) وتتخذ شكل دورانات إعصارية تتراوح بين الضعيفة والشديدة".

وتوضح أن "هذه المنخفضات تعمل كرافعة ميكانيكية عملاقة تدفع كتل الهواء الساخن والمشبع بالرطوبة إلى الأعلى بسرعة هائلة وأثناء صعود هذا الهواء، يتعرض لعملية "تبريد أدياباتي".

ويُعرف "التبريد الأدياباتي"، بأنه عملية فيزيائية تنخفض فيها درجة حرارة الهواء تلقائياً نتيجة لتمدده وانخفاض الضغط الواقع عليه، دون أن يفقد أو يكتسب أي حرارة من البيئة المحيطة به.

وتضيف أن "هذا الهبوط المفاجئ في الحرارة يؤدي إلى وصول الغلاف الجوي المحقون بالرطوبة إلى مرحلة التشبع الفائق والتكثف السريع، حيث تلتقي البيئة الساخنة والرطبة المهيأة مسبقاً مع آلية الرفع الديناميكية العنيفة، والنتيجة الحتمية هي تفريغ تلك الطاقة الهائلة في صورة عواصف مطرية شديدة التدمير وفائقة الغزارة".

مصدر الصورة تعريف الموجة الحارة التي تتسبب في السيول والمطبق في الدراسة لم يقتصر على الأشهر الأكثر دفئا مناخيا (الأوروبية)

لماذا مايو/أيار وسبتمبر/أيلول؟

وعن أسباب وقوع تلك الأحداث في مايو/أيار وسبتمبر/أيلول، تقول إلهام إن "تعريف الموجة الحارة المطبق في الدراسة لم يقتصر على الأشهر الأكثر دفئا مناخيا، بل أعدنا تعريف موجة الحر بمعيار مرن يتجاوز حسابات التقويم التقليدية، حيث اعتبرنا أي فترة تتخطى فيها الحرارة العظمى حاجز الـ 25 درجة مئوية وتتجاوز المعدل الموسمي المعتاد لنفس الشهر، بمثابة موجة حرارية شاذة، وسمح لنا ذلك برصد تقلبات حرارية مخفية طوال العام، حتى في الأشهر الانتقالية والأكثر برودة، ليقودنا ذلك في النهاية إلى كشف مثير وصادم، وهو أن مايو/أيار وسبتمبر/أيلول هما التوقيت الأخطر على الإطلاق، حيث يسجلان أعلى تكرار لتلك الانقلابات الجوية الخاطفة التي تتحول فيها السخونة فجأة إلى سيول طوفانية".

إعلان

وتوضح أن السبب وراء خطورة مايو/أيار، الذي يودع الربيع، وسبتمبر/أيلول، الذي يستقبل الخريف، هو أن هذه الشهور الانتقالية تمتلك الخصائص المناخية المثالية التي تسرع الاقتران والتحول الخاطف بين المتناقضات، لتصبح الفترة الزمنية الأكثر نضجاً لإحداث الصدمة الجوية التي تدمج وقود الحرارة بـصاعق المنخفضات الجوية اللاحقة، مما يفسر لماذا يحدث هذا التحول السريع والمفاجئ في الربيع والخريف تحديدا بشكل يفوق بقية أيام العام.

ولم يكن تحديد مايو/أيار وسبتمبر/أيلول هو النتيجة الأبرز فقط، فرغم اعتراف الدراسة بأن التحول الخاطف من الحرارة الشديدة للسيول يحدث في أغلب دول المنطقة، إلا أنها أوضحت مفارقة صادمة بين تركيا ومصر والسعودية.

وتوضح الأرقام الواردة في الدراسة فارقاً شاسعاً في الطبيعة المناخية المعتادة للمنطقة، فمن حيث المجموع الكلي للأمطار طوال العام، تستأثر تركيا بنصيب الأسد بنحو 57.61% من إجمالي أمطار الشرق الأوسط، بينما لا تتجاوز حصة السعودية 5.5% ومصر 2.1% فقط.

لكن المفاجأة الكبرى تكمن في أنه عند رصد الأمطار الطوفانية المتطرفة التي تلي موجات الحر، تنعكس الأرقام تماماً، إذ تصبح السعودية مسؤولة عن 25.2% ومصر عن 18.12% من إجمالي هذه الأحداث العنيفة في عموم المنطقة.

وتثبت هذه البيانات أن النسبة الأكبر من الأمطار الغزيرة المفاجئة في هذه البيئات القاحلة وشبه القاحلة ليست أحداثاً عشوائية، بل هي نتاج مباشر ومقترن بالظروف التي تهيئها موجات الحر السابقة.

وتقول إلهام إن "التفسير العلمي وراء هذه القفزة المرعبة في الدولتين يرجع إلى آلية هيدروليكية واسعة النطاق لنقل الرطوبة، فقبل نحو 48 ساعة من هطول الأمطار، ترصد نماذج الرياح تدفقاً مستمراً لكتل هوائية ساخنة وفائقة الرطوبة تندفع من بحر العرب والبحر الأحمر باتجاه عمق اليابسة في مصر والسعودية، وبفعل موجة الحر المستعرة في ذلك الوقت، يتسع الغلاف الجوي فوق البلدين ليتحول إلى إسفنجة عملاقة ذات قدرة استيعابية فائقة، قادرة على امتصاص وحبس هذا السيل من بخار الماء الخفي مع زيادة حادة في عشوائية وعدم استقرار طبقات الجو".

وتوضح أنه "في المرحلة النهائية للموجة الحارة، يطبق الفخ المناخي سيطرته مع تشكل أو مرور منخفض جوي في طبقات الجو فوق شبه الجزيرة العربية، ويعمل هذا المنخفض كصاعق ديناميكي يجبر كتل الهواء الساخنة والمثقلة بالرطوبة البحرية على الصعود العمودي الحاد إلى الأعلى، مما يؤدي إلى تبريدها ديناميكياً وهبوط حرارتها فجأة".

وتضيف أن "هذا التبريد السريع والاضطراري يدفع الجو للوصول إلى مرحلة التشبع الفائق والتكثف الفوري، لتفرغ السماء شحنتها المكبوتة في صورة أمطار شديدة العنف".

وكحال مصر والسعودية، فإن ليبيا تطل جغرافياً على البحر الأبيض المتوسط، وهو ما جعلها مهيأة لاستقبال "جسر الرطوبة" عندما تتوفر الظروف المناخية المتطرفة.

"قنابل مائية" في سماء المنطقة

وتكشف نتائج الدراسة عن أن الأمطار الطوفانية المتطرفة التي تلي موجات الحر، تكون مدفوعة بنشاط حملي عنيف وتغيرات مجهرية متطرفة داخل السحب، وتتسم هذه السحب باحتوائها على كميات هائلة من المياه السائلة والثلجية، مما يؤدي إلى تشكل قطرات مطر وجزيئات مائية عملاقة تفوق المعدلات الطبيعية.

وتقول إلهام إنه "من الناحية الهيدرولوجية، فإن كبر حجم القطرات بالتزامن مع وجود تيارات هوائية صاعدة وقوية يعني هطولاً مطرياً شديد الكثافة والتركيز في فترات زمنية قياسية وقصيرة، وهو السيناريو المثالي لتفجير الفيضانات الفجائية، والسيول الحضرية، وتوليد تدفق سطحي سريع للمياه يعجز الغطاء الأرضي عن امتصاصه".

ولا يتوقف الأمر عند حدود المياه السائلة، فالاضطراب العمودي الشديد في طبقات الجو والتيارات الصاعدة العنيفة تدفع هذه الأنظمة السحابية العميقة إلى تطوير عواصف بردية (حبات برد ضخمة) قادرة على قصف الأرض بعنف.

إعلان

وتحذر الدراسة من أن هذه العواصف البردية تمتلك طاقة تدميرية عالية تفوق الحسابات المناخية المعتادة، مما يهدد القطاع الزراعي وتلف المحاصيل، إلى جانب إلحاق أضرار بالغة بالبنية التحتية وشبكات تصريف المياه ومقومات الحياة المدنية.

المستقبل أعنف

ومع المضي قدما في سيناريوهات الاحترار العالمي، تدق إلهام ناقوس الخطر بشأن المستقبل، فمع استمرار الاحترار، تزداد قدرة الجو تلقائياً على امتصاص وحبس كميات أضخم من الرطوبة وبخار الماء، وهذا يعني أن التطرف المطري القادم بعد موجات الحر سيكون أكثر عنفاً، وأكثر تركيزاً في بؤر جغرافية ضيقة، وأشد فتكاً وخلفية للمخاطر الهيدرولوجية.

وتخلص الباحثة إلى حقيقة بالغة الأهمية، وهي أن خطط إدارة المياه التقليدية وأنظمة تصريف السيول التي بُنيت بناء على الإحصاءات والبيانات التاريخية للأمطار أصبحت "خارج الزمن" ولا تعكس الواقع الجديد.

وتختم: "هذه الحسابات القديمة تسيء تقدير الحجم الحقيقي والتكرار المتسارع لهذه الكوارث المناخية المركبة، مما يفرض إستراتيجية تحديث فورية لخطط التكيف المناخي، وحسابات السدود، ومصارف السيول لمواجهة طوفان ما بعد الحر".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار