لماذا يستغرق خروج آخر قطرات الحليب أو الزيت من العبوة وقتا طويلا؟ وما المدة التي يجب أن ننتظرها فعلا؟ سؤال بسيط نواجهه يوميا في المطبخ، لكن خلفه مبادئ ونظريات فيزيائية سعى باحثون من جامعة براون الأمريكية لاستخدامها من أجل تقديم إجابة عملية على السؤال.
وخلال دراسة نشرتها دورية "فيزكس أوف فلويدز" (Physics of Fluids)، قام الباحثون بدراسة حركة الطبقات الرقيقة من السوائل التي تبقى ملتصقة بجدار العبوة بعد سكب معظم السائل، وهذه الطبقة الرقيقة هي التي تجعلنا نضطر للانتظار حتى تتجمع القطرات الأخيرة وتسقط بفعل الجاذبية، فعندما تصب سائلًا مثل الحليب أو الزيت من زجاجة أو عبوة، تخرج معظم الكمية بسرعة، لكن على جدار العبوة تبقى طبقة رقيقة جدا من السائل، أي كمية قليلة جدا متوزعة بشكل رقيق على السطح الداخلي للعبوة.
ولا تسقط هذه الطبقة الرقيقة بسهولة لأنها لاصقة بالسطح بسبب قوة الشد السطحي بين السائل والزجاجة، وهذا يجعل تدفقها بطيئا جدا خاصة إذا كان السائل لزجا (مثل الزيت أو شراب القيقب البارد).
لذلك عندما تقوم بإمالة العبوة، فإن القطرات الأخيرة تحتاج وقتا أطول لتتجمع وتتدفق بفعل الجاذبية قبل أن تسقط، وهو ما يفسر لماذا نضطر أحيانا للانتظار حتى تسقط آخر قطرة.
ولتحليل هذه الظاهرة استخدم العلماء معادلات فيزيائية أساسية تُسمى "معادلات نافير–ستوكس"، وهي معادلات رياضية أساسية في ميكانيكا الموائع تصف حركة السوائل مثل الماء والزيت والهواء، وخرج الباحثون بمجموعة من النتائج المهمة.
ولإجراء التجارب التي قادت لهذه النتائج، قام الباحث توماس دوتا من قسم الفيزياء بجامعة براون، بروفيدنس مع أستاذ الفيزياء بنفس الجامعة جاي تانغ بإجراء تجارب بسيطة، حيث وضعوا سوائل مختلفة على لوح مائل بزاوية 45 درجة، ثم تركوا السائل ينزلق تدريجيا على اللوح، وقاموا بوزن السائل المتساقط لمعرفة الوقت الذي يخرج فيه 90% منه، ثم قارنوا النتائج بالتوقعات الحسابية الناتجة من المعادلات الفيزيائية، ووجدوا تطابقا جيدا بين الحسابات والتجارب.
الدراسة إذن تفسر لنا أن الهدر اليومي الذي نراه في زجاجة الزيت أو علبة الحليب لا يحدث فقط لأننا لم نقلب العبوة جيدا، بل لأن الفيزياء نفسها تجعل آخر بقايا السائل تتحرك ببطء شديد.
ورغم أن السؤال الذي حاولت الدراسة الإجابة عنه يبدو بسيطاً، فإن الفيزياء وراءه مهمة جداً في مجالات علمية كثيرة، كما كشف الباحثون في بيان نشره موقع جامعة براون.
وأوضح الباحثون أن لنتائج الدراسة أبعاداً تطبيقية في فهم حركة البكتيريا على الأسطح الرطبة، وتدفق السوائل في المختبرات البيولوجية، وتصميم العبوات الصناعية لتقليل الهدر، وصولاً إلى تقنيات الطلاء والتبريد الصناعي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة