بعد خسارتين متتاليتين في آخر نهائيين لكأس إفريقيا للأمم للسيدات، دخل المنتخب المغربي النسخة الحالية من “كان السيدات 2026″، التي تحتضنها المملكة، بطموح التتويج باللقب لأول مرة، متسلحا بعاملي الأرض والجمهور، وبوجود جيل من اللاعبات راكم تجربة كبيرة خلال السنوات الأخيرة؛ غير أن هذا الطموح اصطدم مجددا بالإقصاء. وهذه المرة من الدور نصف النهائي أمام الكاميرونيات، في سيناريو أكثر مرارة بعدما امتدت المباراة إلى الأشواط الإضافية.
وفي وقت كان فيه المنتخب المغربي يبحث عن هدف يقوده إلى النهائي، جاءت اللحظة الأكثر حساسية قبل دقائق قليلة من صافرة النهاية، بعدما أهدرت “لبؤات الأطلس” ركلة جزاء في الدقيقة الثامنة عشرة بعد المائة، قبل أن تبتسم ضربات الترجيح للمنتخب الكاميرون. ويتحول بذلك الطموح الكبير في التتويج إلى خيبة جديدة، يجد معها المنتخب النسوي نفسه أمام أسئلة أكبر من مجرد نتيجة مباراة أو ركلات ترجيح.
وضعت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ثقتها في الإسباني خورخي فيلدا، المتوج مع المنتخب الإسباني بكأس العالم للسيدات 2023، على أمل الارتقاء بمستوى المنتخب وتحقيق اللقب القاري؛ غير أن الإقصاء المرير أعاد إلى الواجهة أسئلة مرتبطة بمدى جاهزية المجموعة، وحقيقة تراجع مستوى عدد من الركائز، وقدرة المنظومة الكروية النسوية على إنتاج جيل جديد قادر على المنافسة.
وحول أسباب الإقصاء أمام الكاميرون، فسر الإطار الوطني عبد الرحيم طاليب توقف مسيرة “اللبؤات” في المربع الذهبي بغياب الفعالية الهجومية وعدم قدرة المنتخب على تحويل سيطرته على مجريات اللعب إلى فرص حاسمة، معتبرا أن ركلات الترجيح كانت نتيجة لعدم حسم المباراة خلال 120 دقيقة.
وأوضح طاليب، في تصريح لهسبريس، أن المنتخب أتيحت له فرص كان بإمكانها تغيير مجرى المباراة؛ لكنه لم يستغل سيطرته بالشكل المطلوب، مبرزا أن هذا الأمر “جوهري في مباريات خروج المغلوب”، ومبينا أن السيطرة دون تسجيل الأهداف تضع الفريق تلقائيا أمام احتمال الاحتكام إلى ركلات الترجيح.
وتابع الإطار الوطني أن الاستحواذ على الكرة لم يشكل خطورة كافية على الدفاع الكاميروني، موضحا أنه كان يتعين تنويع الأسلوب الهجومي من خلال تغيير وتيرة اللعب، والاعتماد على التمريرات الطويلة بين الخطوط، والتحركات خلف دفاع الخصم، والمواجهات الفردية على الأطراف، فضلا عن شن هجمات سريعة بعد استعادة الكرة.
وسجل المصرح عينه أن المشكلة لم تكن في الاستحواذ بحد ذاته، وإنما في القدرة على تحويله إلى فرص واضحة، مشيرا إلى أن المنتخب الكاميروني نجح في الدفاع بشكل جيد وبشراسة من خلال تكتل دفاعي محكم، مبينا أن مواجهة دفاع متكتل كانت تتطلب تحريك خط دفاع المنافس بشكل أكبر قبل البحث عن التمريرة الحاسمة، موضحا أن تحريك الكرة بشكل جانبي ومفرط، من دون جذب الخصم ثم تجاوزه، يمنح الدفاع الوقت الكافي لإعادة تنظيم صفوفه.
وفي معرض حديثه عن إدارة الوقت الإضافي، اعتبر طاليب أن التعادل السلبي جعل من الأشواط الإضافية تحديا ذهنيا أيضا، مشددا على ضرورة الحفاظ على التركيز وتفادي الاندفاع اليائس بحثا عن التسجيل.
وأشار إلى أن المنتخب المغربي كان مطالبا بالحفاظ على بنية دفاعية محكمة، مع وجود مدافعتين اثنتين على الأقل خلف الكرة أثناء الهجمات، من أجل التحكم في تحولات المنتخب الكاميروني.
وأكد طاليب أن ركلات الترجيح كانت نتيجة لـ”فشل المنتخب المغربي” في حسم المباراة خلال 120 دقيقة، ملخصا أسباب الهزيمة في أربع جزئيات تتمثل في جودة التنظيم وجودة السيطرة على الكرة في غياب للفاعلية مقابل عدم كفاية الإبداع والإنهاء، فضلا عن أفضلية الكاميرون في إدارة اللحظات الحاسمة.
ولفت إلى أن المنتخب المغربي لم يقص لأنه كان أقل شأنا من الكاميرون؛ بل لأنه لم يستغل فرصه في اللحظات الحاسمة التي أتيحت له، مستشهدا بتضييع ركلة الجزاء، ومضيفا أن من بين الأمور التي أثارت استغرابه منح ركلة الجزاء للاعبة لم تكن، في تقديره، جاهزة ذهنيا لتنفيذها.
وختم عبد الرحيم طاليب بالتأكيد على أن المباراة قدمت درسا مهما في كرة القدم الاحترافية، مفاده أن جودة الاستحواذ على الكرة في مباراة نصف النهائي لا تكون بنفس أهمية جودة آخر 10 إلى 15 هجمة، لافتا إلى أن الفارق يصنع في النهاية بمدى القدرة على استغلال الفرص واللحظات الحاسمة.
من جانبه، اعتبر أيمن زيزي، أكاديمي مستشار رياضي، أن المشاركة المغربية الأخيرة في كأس إفريقيا للأمم للسيدات تشكل “خيبة أمل”؛ بالنظر إلى أن الهدف الأساسي كان التتويج باللقب، خصوصا أن البطولة أقيمت على أرض المغرب للمرة الثالثة على التوالي، بعدما بلغ المنتخب الوطني النهائي في النسختين السابقتين، مشيرا إلى أن الخروج من نصف النهائي عبر ركلات الترجيح يطرح أكثر من علامة استفهام.
وأوضح زيزي، في تصريح لهسبريس، أنه من الصعب في الوقت الحالي تقييم هذه المشاركة بموضوعية واحترافية بالاعتماد فقط على النتيجة النهائية، أو إصدار حكم مسبق بفشل المدرب أو الطاقم التقني أو الجامعة.
وشدد المستشار الرياضي على أن التقييم المهني والعلمي يتطلب الإحاطة بجميع المعطيات المرتبطة بالمشاركة.
وأشار المتحدث عينه إلى أن رفيقات غزلان الشباك حافظن خلال الدورات الثلاث الأخيرة، وبنسبة كبيرة، على التركيبة البشرية نفسها والركائز الأساسية نفسها، مشددا على أن البطولة الحالية أظهرت فقدان عدد من اللاعبات الكثير من مقوماتهن ونقاط قوتهن.
وطرح الأكاديمي سالف الذكر مجموعة من الأسئلة المرتبطة بتوقيت المنافسات، موضحا أن إجراء البطولة في نهاية الموسم وحالة التوقف التي تسبقها ربما أثرا في المردود البدني والتنافسي للاعبات، متسائلا في الآن ذاته عما إذا كان ارتفاع معدل أعمار اللاعبات قد أصبح عاملا يصعب معه الرفع من جاهزيتهن البدنية وتنافسيتهن.
كما تساءل عن مدى توفر المنتخب الوطني فعلا على لاعبات شابات قادرات على تعويض اللاعبات ذوات الخبرة والتمرس، معتبرا أن الإجابة عن هذه الأسئلة ينبغي أن تتم بطريقة علمية، وليس انطلاقا من الانطباعات.
أما عن مسؤولية المدرب الإسباني خورخي فيلدا، فذكر أيمن زيزي أنه من السهل وضع “شماعة الإخفاق” على المدرب، مؤكدا في الوقت ذاته أنه يتحمل جزءا من المسؤولية بحكم وجود عقد أهداف مع الجامعة يستهدف التتويج بالكأس القارية ورفع مستوى المنتخب؛ وهو ما لم يتحقق، على حد تعبيره.
وبالرغم من وصفه النتيجة بـ”المخيبة للآمال”، فإن المصرح ذاته أبرز أن الإخفاق لا يعني “نهاية العالم”، خصوصا أن المغرب وفر إمكانيات كبيرة على المستويين التنظيمي والتقني، داعيا الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم إلى التحرك لعقد ندوة للوقوف على أسباب إضاعة اللاعبين واللاعبات لركلات الترجيح، والعمل على تشخيص الخلل ومعالجته بشكل علمي.
وتوقف بشكل خاص عند ركلات الترجيح، مبرزا أن مسار المنتخب المغربي في البطولة أظهر أن هذا الجانب، الذي وصفه بـ”مؤشر لحسم الجودة”، تحول إلى نقطة ضعف لدى كرة القدم المغربية عموما وفي مختلف الفئات.
وفي الختام، شدد أيمن زيزي على ضرورة اعتماد مبدأ العلمية في تقييم المشاركة المغربية في الكأس القارية، داعيا في هذا الصدد إلى الاستناد إلى البيانات الرقمية والتحليلات والدراسات، بدل الاكتفاء بـ”تقييم عاطفي” يلقي المسؤولية على المدرب أو اللاعبات فقط.
المصدر:
هسبريس