أجرى نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، طيلة أزيد من ساعتين، صباح اليوم الإثنين، مباحثات معمقة مع رئيسة الحكومة المعينة فاطمة الزهراء المنصوري، وذلك في لقاء ثنائي على انفراد، دون حضور أعضاء اللجنة المصغرة التي انتدبها حزب الأصالة والمعاصرة لتدبير مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة.

وبحسب معطيات حصلت عليها “العمق” من مصادر قيادية في حزبي التقدم والاشتراكية والأصالة والمعاصرة، فإن اللقاء الثنائي بين بنعبد الله والمنصوري تجاوز مستوى المشاورات السياسية العامة، لينتقل إلى مناقشة عدد من التفاصيل التقنية والسياسية والبرنامجية المرتبطة بدخول حزب التقدم والاشتراكية إلى الأغلبية الحكومية، والشروط التي يريد الحزب أن تقوم عليها مشاركته في الحكومة المقبلة.

وأكدت مصادر الجريدة أن عقد لقاء ثان مع بنعبد الله يشكل مؤشرا قويا على اتجاه التقدم والاشتراكية نحو المشاركة في الحكومة، موضحة أن المنصوري لم تستدعِ إلى جولة ثانية من المشاورات سوى الأحزاب التي تتجه إلى ضمها إلى الأغلبية الحكومية، وفي مقدمتها حزبا الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

وفي المقابل، ينتظر، بحسب المصادر ذاتها، أن ينضم حزب الاتحاد الدستوري إلى الأغلبية الحكومية، بما يساهم في تأمين أغلبيتها العددية داخل مجلس النواب.

وبحسب المعطيات التي حصلت عليها “العمق”، فإن اللقاء لم يعد يتعلق بجس نبض التقدم والاشتراكية بشأن مبدأ المشاركة من عدمه، وإنما انتقل إلى بحث الشروط السياسية والبرنامجية والتقنية التي ستؤطر دخوله إلى الحكومة وموقعه داخل التجربة المقبلة.

وتفيد المصادر ذاتها بأن بنعبد الله يتعامل مع المفاوضات بمنطق يقوم على أن مشاركة حزبه لا ينبغي أن تكون مجرد التحاق بالأغلبية أو حصول على حقائب وزارية، وإنما مشاركة في حكومة قوية ومنسجمة، يكون الحزب قادرا على الدفاع عن اختياراتها وقراراتها أمام قواعده وناخبيه والرأي العام.

ويرفض الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، وفق المعطيات المتوفرة، أن يدخل حزبه الحكومة بمنطق “المشاركة من أجل المشاركة”، ويحرص على أن تكون له مساهمة فعلية في صياغة توجهاتها الكبرى، خصوصا في الملفات الاجتماعية والاقتصادية التي شكلت جزءا أساسيا من خطابه وبرنامجه الانتخابي.

وفي هذا السياق، يضع بنعبد الله على طاولة المفاوضات الرصيد السياسي والتاريخي لحزب التقدم والاشتراكية، الممتد لأزيد من 83 سنة، فضلا عن التجربة التي راكمها الحزب في تدبير الشأن العام من خلال مشاركته في عدد من الحكومات السابقة.

وتشير المصادر إلى أن قيادة الحزب تعتبر أن هذا الرصيد وهذه التجربة يمنحانه موقعا تفاوضيا لا يسمح بالتعامل معه كطرف يبحث فقط عن تمثيلية عددية داخل الحكومة، خاصة في ظل ما يعتبره الحزب حصيلة إيجابية لوزرائه الذين شاركوا في تجارب حكومية سابقة، على المستويين الاجتماعي والسياسي.

ويشكل البرنامج الحكومي المرتقب إحدى أبرز النقاط التي يركز عليها بنعبد الله في مباحثاته مع المنصوري، إذ يسعى إلى الحصول على ضمانات واضحة بشأن استيعاب البرنامج الحكومي جزءا مهما من الالتزامات والوعود التي قدمها التقدم والاشتراكية للناخبين خلال الحملة الانتخابية.

وبحسب مصادر “العمق”، يريد بنعبد الله أن يكون قادرا، في حال توجه إلى مؤسسات حزبه بخيار المشاركة، على إقناعها بأن دخول الحكومة يستند إلى أرضية سياسية وبرنامجية واضحة، وليس إلى تفاهمات فضفاضة أو مجرد تفاوض حول توزيع الحقائب الوزارية.

وتساعد درجة التقارب الكبيرة بين البرنامجين الانتخابيين لحزبي الأصالة والمعاصرة والتقدم والاشتراكية على تقدم المفاوضات، خاصة أن عددا من الأولويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي دافع عنها الحزبان خلال الحملة الانتخابية تتقاطع إلى حد بعيد.

وكان هذا التقارب قد برز خلال الجولة الأولى من المشاورات، حيث عبر فوزي لقجع عن وجود تشابه واسع بين برنامجي الحزبين، مشيرا إلى أن نسبة التقاطع بينهما تكاد تصل إلى 100 في المائة، وهو المعطى الذي يشكل اليوم إحدى الأرضيات الأساسية للنقاش بشأن البرنامج الحكومي المقبل.

غير أن رهانات بنعبد الله، وفق مصادر الجريدة، لا تقتصر على التوصل إلى تفاهمات مع قيادة الأصالة والمعاصرة، بل تمتد أيضا إلى الداخل التنظيمي لحزب التقدم والاشتراكية، حيث لا يزال خيار المشاركة الحكومية موضوع نقاش وتباين في المواقف داخل اللجنة المركزية للحزب.

وينتظر أن تعقد اللجنة المركزية للتقدم والاشتراكية، التي تعد بمثابة “برلمان الحزب”، اجتماعا غدا الثلاثاء، سيكون حاسما في تحديد الموقف النهائي من المشاركة في الحكومة.

وبحسب معطيات “العمق”، فإن بنعبد الله لا يريد التوجه إلى اجتماع اللجنة المركزية في ظل استمرار التباين الداخلي بشأن خيار المشاركة، من دون أن تكون بين يديه أجوبة واضحة حول طبيعة الحكومة المقبلة، وبرنامجها، وموقع الحزب داخلها، والشروط السياسية والبرنامجية التي ستؤطر تجربته الحكومية.

ولهذا السبب، يحرص الأمين العام للتقدم والاشتراكية على استكمال مناقشة أكبر قدر ممكن من التفاصيل مع المنصوري، حتى يتوجه إلى أعضاء اللجنة المركزية بعرض متكامل يسمح لهم باتخاذ قرارهم بناء على معطيات سياسية وبرنامجية واضحة وملموسة.

وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن بنعبد الله يريد نقل النقاش داخل اللجنة المركزية من سؤال: هل يشارك الحزب في الحكومة؟ إلى أسئلة أكثر دقة تتعلق بـنوع الحكومة التي سيشارك فيها، والبرنامج الذي ستلتزم به، والشروط السياسية للمشاركة، ومدى قدرة الحزب على التأثير في القرار الحكومي.

وتضع هذه المفاوضات حزب التقدم والاشتراكية أمام لحظة سياسية دقيقة، إذ سيكون عليه الموازنة بين فرصة العودة إلى التدبير الحكومي من جهة، والحفاظ على استقلالية قراره السياسي ومصداقية التزاماته الانتخابية من جهة ثانية.

وفي المقابل، تحتاج المنصوري، وفق مصدر حزبي داخل الأصالة والمعاصرة، إلى حسم تفاهماتها مع الأحزاب المرشحة للانضمام إلى الأغلبية على أساس قدر كاف من الانسجام السياسي والبرنامجي، لتفادي تشكيل حكومة تقوم على الحساب العددي وحده، من دون أن تتوفر على المقومات السياسية والبرنامجية اللازمة للاشتغال كتحالف حكومي متماسك.