هبة بريس – الرباط

يشهد قطاع الصيد البحري بالمغرب خلال السنوات الأخيرة تطوراً متواصلاً، يعكس المكانة التي بات يحتلها باعتباره أحد القطاعات الحيوية في الاقتصاد الوطني، ومكوناً أساسياً من مكونات الاقتصاد الأزرق.

فقد انتقل القطاع تدريجياً من مقاربة تركز أساساً على الإنتاج واستغلال الموارد البحرية إلى منظومة اقتصادية متكاملة تقوم على تثمين الثروات البحرية، وتطوير الصناعات المرتبطة بها، وتشجيع الاستثمار، وتنويع مصادر الإنتاج، وخلق فرص الشغل، مع إيلاء أهمية متزايدة لمتطلبات الاستدامة والحفاظ على الموارد البحرية.

فقد بلغت القيمة المضافة للقطاع سنة 2025 ما قدره 16,2 مليار درهم، بارتفاع نسبته 15% مقارنة بسنة 2022. هذه الزيادة، في ظرف زمني لا يتجاوز ثلاث سنوات، تقول الكثير عن المسار الذي سلكه القطاع، خصوصاً أنها تحققت في سياق دولي ووطني اتسم بتقلبات المناخ وتذبذب الأسواق وارتفاع كلفة الإنتاج.

فالنمو هنا لا يعكس مجرد تحسن ظرفي، بل يدل على أن القطاع بات ينتج ثروة أكبر بنفس الموارد تقريباً، أي أنه يحسّن طريقة اشتغاله ويرفع من مردوديته.

ولعل ما يعزز هذه القراءة هو استقرار الإنتاج عند 1,31 مليون طن سنة 2025، رغم ما وُصف بالتحديات المناخية الكبيرة. وفي قطاع يعتمد على مورد طبيعي حساس لا يخضع لحسابات الإنسان، يُعد الحفاظ على مستوى إنتاج مستقر إنجازاً في حد ذاته. فقد بلغت قيمة هذا الإنتاج 15,5 مليار درهم، وهو ما يعني أن التركيز لم يعد منصباً على كمية ما يُصطاد فحسب، بل على القيمة التي تُستخرج من كل طن. وهنا يظهر التحول الأهم في مسار القطاع: الانتقال من منطق الكم إلى منطق القيمة.

أما على مستوى الانفتاح على الأسواق الخارجية، فتتحدث الأرقام بدورها بوضوح. إذ بلغ رقم معاملات الصادرات 26,6 مليار درهم سنة 2025، وهو رقم يفوق قيمة الإنتاج نفسها، ويكشف عن أن جزءاً كبيراً من القيمة يُصنع عبر التثمين والتحويل قبل أن تصل المنتجات البحرية المغربية إلى موائد المستهلكين في مختلف القارات.

وبعبارة أخرى، لم يعد المغرب يكتفي ببيع ما يصطاده، بل أصبح يبيع منتجات مصنّعة ومعلّبة ومجمّدة تحمل قيمة أعلى وتفتح له أبواب أسواق أكثر تطلباً.

وإلى جانب الصيد التقليدي، يبرز مسار آخر لا يقل أهمية، وهو تربية الأحياء المائية. فقد تم إطلاق 244 مشروعاً في هذا المجال، بطاقة إنتاجية سنوية تناهز 90 ألف طن.

ويكتسي هذا الورش أهمية خاصة، لأنه يمثل رهاناً على المستقبل؛ فمع الضغط المتزايد على الثروات البحرية الطبيعية عالمياً، تصبح التربية المائية خياراً استراتيجياً لتنويع مصادر الإنتاج وتخفيف الاعتماد على الصيد وحده، مع ما يرافق ذلك من فرص جديدة للشباب والمستثمرين في المناطق الساحلية.

وتتجلى الدينامية ذاتها في ما يسميه المسؤولون “النسيج الصناعي” للقطاع، الذي يواصل التوسع بخطى ثابتة. فقد بلغ عدد الوحدات الصناعية 553 وحدة، منها 165 وحدة جديدة أُحدثت خلال الولاية الحكومية الحالية وحدها، أي ما يقارب ثلث المجموع. وهذا يعني أن وتيرة إحداث الوحدات الجديدة كانت سريعة، وأن القطاع جذب رؤوس أموال وخبرات جديدة.

كما تم تسجيل 110 مشاريع ذات أولوية بمعدل 700 مليون درهم سنوياً، وهي مشاريع تعطي دفعة إضافية لسلاسل القيمة وتعزز قدرة القطاع على التحويل والتصدير.

ولا يمكن الحديث عن هذه النتائج دون التوقف عند حجم الاستثمارات المعبأة، إذ تم ضخ حوالي 5 مليارات درهم خلال الولاية الحكومية الحالية.

هذا الرقم يترجم ثقة الفاعلين الاقتصاديين في آفاق القطاع، ويفسر في الوقت نفسه الارتفاع المسجل في عدد الوحدات الصناعية وفي القيمة المضافة. فالاستثمار هنا ليس رقماً مجرداً، بل هو سفن حديثة وتجهيزات للتبريد والتحويل وبنيات تحتية بحرية تغيّر وجه الموانئ ومحيطها.

غير أن الجانب الإنساني يظل الأكثر دلالة في هذه الحصيلة. فالقطاع يوفر اليوم 271 ألف منصب شغل مباشر برسم سنة 2025، منها 135 ألف منصب شغل مباشر بقطاع صناعات الصيد البحري خلال السنة نفسها.

وخلال العشرية الأخيرة، أُحدث 45 ألف منصب شغل جديد، في حين تم إحداث 26 ألف منصب شغل مباشر جديد في قطاع صناعات الصيد البحري خلال الولاية الحكومية الحالية. إنها منظومة كاملة تتحرك حول الثروة البحرية وتعيل عشرات الآلاف من العائلات.

ويحسب للقطاع أيضاً أنه واصل تقدمه رغم الصعوبات. فقد أشارت المعطيات إلى صموده في وجه التحديات المناخية وتقلبات الأسواق، وهي عوامل كان بإمكانها أن تعصف بأداء أي قطاع آخر أقل تنظيماً. وربما يكمن سر هذا الصمود في التنويع الذي اعتمده: صيد وتحويل وتصدير وتربية مائية، أي أنشطة متكاملة تعوّض بعضها بعضاً حين يتعثر أحدها.

وإذا نظرنا إلى هذه المؤشرات مجتمعة، تظهر لنا صورة قطاع يتطور على أكثر من مستوى في آن واحد: قيمة مضافة ترتفع، وإنتاج يحافظ على استقراره، وصادرات تتجاوز قيمتها قيمة الإنتاج، وصناعة تتوسع، واستثمارات تتدفق، وتشغيل يتنامى، وهو تطور لا يُقاس بسنة واحدة، بل يمتد على خمس سنوات من العمل المتواصل، تحوّل خلالها البحر من مجرد مورد طبيعي إلى ثروة مُدارة بمنطق اقتصادي واجتماعي.

وهكذا يبدو أن المغرب، بسواحله الممتدة على آلاف الكيلومترات، يرسّخ موقعه كفاعل أساسي في مجال الصيد البحري، محولاً ثروته البحرية إلى فرص شغل واستثمار وقيمة مضافة تعود بالنفع على الاقتصاد الوطني وعلى الإنسان قبل كل شيء. فحين يتحول البحر إلى مصدر رزق مستدام لمئات الآلاف من الأسر، تصبح الأرقام أكثر من إحصائيات؛ تصبح شهادة على مسار تنموي يتشكل بهدوء.