الطوزي: حزب “الأحرار” قد ينتقل إلى المعارضة.. ومحور الحياة السياسية سيكون في البرلمان
أكد الأستاذ الباحث في علم الاجتماع والعلوم السياسية محمد الطوزي أن البرلمان مرشح لأن يصبح محور الحياة السياسية في المرحلة المقبلة، معتبرا أن وجود معارضة قوية داخله يمكن أن يعيد التوازن إلى العمل السياسي ويفتح المجال أمام نقاش أوسع حول القرارات والسياسات العمومية، وذلك خلال مشاركته في برنامج “مباشرة معكم” مساء يوم الأربعاء على القناة الثانية.
وقال الطوزي إن المرحلة المقبلة قد تفتح أيضا احتمال انتقال حزب التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة، في سياق إعادة تشكيل الخريطة السياسية بعد الانتخابات، موضحا أن موقع الحزب ضمن الأغلبية أو المعارضة ينبغي أن يُقرأ في ضوء طبيعة التحالفات التي ستتشكل والوظيفة السياسية التي ستؤديها كل مكونات المشهد البرلماني.
وربط الطوزي هذا الاحتمال بالسيناريو الأوسع الذي يقوم على وجود أغلبية ذات «نفس سياسي» في مقابل معارضة قوية، معتبرا أن موقع الأحزاب داخل الحكومة أو خارجها ينبغي ألا يكون مجرد مسألة مرتبطة بتوزيع المناصب، وإنما جزءاً من بناء توازن سياسي واضح داخل المؤسسات.
وأضاف أن حضور معارضة قوية سيكون مهما، خصوصا في ظل امتلاك عدد من الأحزاب خبرة في العمل البرلماني وفي تدبير الشأن الحكومي والمعارضة، مشيراً إلى أن السيناريو المطروح يمكن أن يقوم على معارضة تضم 81 مقعداً وتشمل العدالة والتنمية بمقاعدها الـ 54 وحزب التقدم والاشتراكية بـ 19 مقعدا وتحالف اليسار بـ 8 مقاعد، بما يجعل المعارضة قوية من الناحية العددية والسياسية.
كما أشار الطوزي إلى أن توسيع الحكومة لا يكتسب معناه السياسي بمجرد زيادة عدد الأحزاب أو المناصب، وإنما عندما يكون لهذا التوسيع «بعد سياسي» قادر على خلق قدر من التماسك داخل الحكومة، محذرا من أن غياب هذا البعد قد يحول الحكومة إلى مجرد آلية لتوزيع المناصب، في وقت تواجه فيه البلاد والعالم مرحلة صعبة ومحطات أساسية، وعلى رأسها قضية الصحراء.
وأضاف: «إذا أردنا إعطاء هذا السيناريو معنى سياسيا، فقد تكون هناك حكومة ذات نفس سياسي أمام معارضة قوية»، معتبرا أن إعطاء الأغلبية معنى سياسيا سيضعها في موقع القرار، بينما ستتولى المعارضة دورا أساسيا في مراقبة العمل الحكومي.
وتساءل: «إذا بقيت المعارضة رهينة بحزبين فقط، فهل سيكون هناك تعدد حقيقي؟»، قبل أن يوضح أن وجود معارضة تجمع بين أحزاب لديها خبرة في التدبير السياسي، وأخرى تمتلك خبرة في طرق التدبير والتقنية والتكنوقراطية، إلى جانب معارضة سياسية موحدة، من شأنه أن يوفر توازنا مهما داخل الحياة السياسية.
وربط الطوزي هذا التحول بمسار تطور المؤسسة البرلمانية منذ تنزيل دستور 2011، موضحا أن البرلمان أصبح يتمتع بصلاحيات تشريعية واسعة، وأن حضوره بات أكثر تأثيرا في الحياة اليومية للمواطنين.
وقال إن ما يمكن استنتاجه من المرحلة الممتدة منذ 2011 إلى اليوم هو أن حضور البرلمان أصبح أقوى بفضل تنزيل الدستور وإنتاج النصوص التشريعية، كما أن وجود معارضة قوية «سيفتح باب النقاش السياسي»، خصوصا مع توفر الأحزاب التي سبق لها ممارسة المعارضة أو المشاركة في التدبير الحكومي على مهارات وخبرة برلمانية. واعتبر أن ذلك يمكن أن يؤدي إلى خلق توازن بين السلطة التنفيذية في جانبها الحكومي والسلطة التشريعية.
وفي حديثه عن العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، قال الطوزي إن الأمر يرتبط بالإطار العام للنظام السياسي المغربي، موضحا أن صلاحيات الحكومة في الاختيارات الأساسية على المدى المتوسط والطويل تقلصت، بينما ظل لها دور مهم في الجانب التدبيري والمجالي وعلى المستويات المحلية والجهوية والوطنية.
وأضاف أن البرلمان أصبح يتمتع بصلاحية تشريعية كبيرة، وأن الحياة السياسية أصبحت، إلى حد ما، أكثر ميلا إلى البرلمان، قائلا: «هناك، إلى حد ما، توازن مع ميزة أكبر للبرلمان، لأن الحياة السياسية تخرج من البرلمان».
وانتقل عالم الاجتماع إلى الانتخابات نفسها، مؤكدا أنها لم تكن خالية من البعد السياسي، رغم اعتبار البعض أنها افتقدت هذا البعد، وقال إن الحملات الانتخابية عرفت عدة تقاطبات، من بينها تقاطب حول أخلاقيات العمل السياسي، وآخر حول التدبير وتضارب المصالح.
وأضاف أن الحملة الانتخابية حملت «نبرة سياسية»، وأن نتائجها كشفت عن رهانات متعددة، في مقدمتها الرهانات المحلية، بالنظر إلى الدور القوي الذي لعبه المنتخبون المحليون في صناعة النتائج، فضلاً عن وجود مستويات متعددة من التفاوض والعودة والمقايضات التي يمكن فهم جانبها السياسي.
وقال الطوزي إن الانتخابات أظهرت أيضا ما يمكن وصفه بـ«التصويت العقابي»، موضحا أن الناخبين قد يستخدمون أصواتهم لمعاقبة جهات سياسية أو مرشحين، كما حدث في مراحل سابقة. وأوضح أن هذا الأمر ظهر على المستوى المحلي رغم الحضور القوي للمال، خصوصا في المدن الكبرى، حيث اختار مواطنون مرشحين سبق أن خدموا معهم في جهة، بينما اختاروا مرشحين آخرين في جهة أخرى.
وأشار إلى أن المجتمع والفاعلين السياسيين دخلوا، إلى حد ما، في روتين انتخابي، إذ تعلم المواطنون الذهاب إلى الانتخابات، كما تعلم الفاعلون كيفية تنظيمها، لكن هذا الأمر لا يكفي، حسب رأيه، إذا لم يتم استيعاب الدلالات السياسية لنتائجها.
وقال: «الآلية الوحيدة التي تعبر عن التطور السياسي هي الاعتراف بأهمية ورقة التصويت»، محذراً من أن «السياسة تبدأ في الموت» إذا جرى هدم هذه الآلية من خلال عدم الاعتراف بأهمية التصويت، ومشيرا إلى أن تقوية الأرقام وحدها لا تؤدي بالضرورة إلى المعنى السياسي المطلوب.
وفي ما يتعلق بالانتخابات المحلية، اعتبر الطوزي أن حضور المنتخب الجماعي كان قويا في الانتخابات التشريعية الحالية، التي قال إنها كانت، في جانب منها، «انتخابات محلية بطابع تشريعي»، موضحا أن المنتخب الجماعي ظهر بقوة سواء في إدارة الحملات المحلية أو في الحضور الانتخابي أو حتى في إعادة الانتخاب.
واستشهد بعُمداء مراكش الذين راكموا تجربة محلية ومجالية، مؤكدا أن الرهان الأساسي للسياسات العمومية يتمثل حاليا في تقليص الفوارق الجهوية، خصوصا في المناطق التي تحولت بعضها إلى مجالات ذات مكانة عالمية، بينما لا تزال هوامشها تعاني نسبا مرتفعة من الفقر والتخلف في البنية الأساسية.
وأوضح أن السياسة لا تمارس فقط على مستوى الرباط والمؤسسات المركزية، بل لها معنى مباشر على المستوى المحلي، حيث يقيس المواطن أداء المنتخب بما يلمسه في حياته اليومية. وقال إن السؤال بالنسبة إلى المواطن يكون عملياً: «هل جلب لي الطريق؟ هل وفر لي الماء؟ هل قام بالتدخل اللازم؟»، مشيرا إلى أن التغطية الصحفية وشبكات التواصل الاجتماعي جعلت الدولة حاضرة بصورة أكبر في الحياة اليومية، لكن ذلك لا يلغي أهمية المستوى المحلي الذي تُمارس فيه السياسة بصورة مباشرة.
وحذر الطوزي من أن النقاش السياسي الحالي يغفل، في نظره، مسألة اللا تمركز، مشيرا إلى أن البعض قد يرى عدم الحاجة إلى عدد كبير من الجماعات الترابية، بينما توجد جماعات عديدة لا تتوفر على الموارد الكافية. وقال إن الدولة نفسها لم تعد توفر الموارد الضرورية، معتبرا أن هناك «توجها خطيرا بعض الشيء يتمثل في التقليل من أهمية المنتخب المحلي لحساب المعين، وعلى حساب النجاعة التدبيرية ودور القناة المحلية».
وأكد أن المنتخب المحلي يؤدي دورا أساسيا لأنه لا يخضع للمراقبة فقط أثناء الانتخابات، وإنما تتم محاسبته يوميا من طرف المواطنين، بصرف النظر عن انتمائه الحزبي، مضيفا أن الناس يصوتون لمن يستجيب لمصالحهم.
واعتبر الطوزي أن السياسة بمعناها الكبير، المرتبط بالاختيارات الكبرى، ليست حاضرة بالقدر نفسه داخل النظام السياسي المغربي الحالي، بينما تحضر بقوة على المستوى الترابي من خلال الاهتمام اليومي بالشأن العام المحلي والاستجابة لطلبات المواطنين، مثل النقل والدراسة والماء الصالح للشرب.
وفي سياق آخر، تناول الطوزي مسألة تعيين امرأة في أحد المواقع السياسية، معتبرا أن احترام الدستور ينبغي أن يكون نقطة الانطلاق في مثل هذه القضايا، وقال إن الدستور «لا يفرق بين المرأة والرجل، ويؤكد المساواة». وأضاف أن التقيد الحرفي بالفصل 47 كان من بين النقاط التي طُرحت في النقاش، مؤكدا أن احترام الدستور يمثل أساسا للنظام السياسي المغربي.
ورأى أن تعيين امرأة في هذا الموقع يعكس أيضا التطور الذي يعرفه المجتمع المغربي وتغير العقليات، مستحضراً نتائج إحصائية وبحثا للمندوبية السامية للتخطيط حول الأسرة، قال إنه أظهر أن مئات الآلاف من الأسر تديرها امرأة، بنسبة تقارب 20 في المئة، وليس فقط في الوسط القروي.
وأكد الطوزي أن الأمر يتعلق أيضا بامرأة سياسية، ولا ينبغي النظر إليها من زاوية النوع الاجتماعي فقط، مشيرا إلى أنها منتخبة محليا وراكمت تجربة سياسية، وأن التعامل معها ينبغي أن يكون باعتبارها فاعلا سياسيا، وليس فقط باعتبارها امرأة.
وقال إن المرحلة السابقة شهدت صراعا شرسا بين حزبين كانا داخل الحكومة والأغلبية، وهو صراع لم يفهم كثير من المواطنين سببه، مضيفا أن الحملات الانتخابية أثارت قضايا تتعلق بأخلاقيات العمل السياسي وتضارب المصالح والنجاعة التدبيرية ومحاربة الفساد و«الفراقشية والمافيا». واعتبر أن هذه القضايا وغيرها جعلت الانتخابات ذات مضمون سياسي، رغم حضور الرهانات المحلية والخدماتية بقوة في تحديد اختيارات الناخبين.