بنكيران وبوعياش: حين تزعجه امرأة تذكّره بالقانون..المسجد ماشي مقر حزبي أ سي .
ريما. ل – كود//
ليست هذه المرة الأولى التي يجد فيها عبد الإله بنكيران في أمينة بوعياش هدفاً مفضلاً. فقد طالبها قبل سنوات بالاعتذار واتهمها بالطعن في الدين حين تحدثت عن تأنيث الفقر، ثم عاد ليتهمها بتخريب الأسرة والعبث بمستقبل البلاد حين قدم المجلس مذكرته حول مدونة الأسرة. واليوم يعود ليضعها في مواجهة «إسلامية الدولة». الخصم نفسه، والتهمة نفسها، والنبرة نفسها.
هل هي صدفة؟ يصعب تصديق ذلك حين نتذكر سجل الرجل مع النساء. هو من شبّه المرأة يوماً تحت قبة البرلمان بالثريا التي انطفأت في البيوت حين خرجت للعمل. وهو من خاطب الفتيات قبل أشهر قليلة بألا يؤجلن الزواج بحجة الدراسة والعمل، في خطاب اعتبرته الجمعيات النسائية رجعياً وتمييزياً يمس حقهن في التعليم والشغل.
حين يكون الخصم رجلاً، يختلف معه بنكيران في السياسة. وحين تكون امرأة، وفي موقع مؤسساتي يمنحها حق الكلام في الحقوق والدين معاً، يتحول الخلاف إلى وصاية: تُسأل عن عقيدتها، وتُطالَب بالاعتذار، ويُشكك في أهليتها للحديث أصلاً. كأن المرأة، في هذا التصور، مقبولة ما دامت في البيت أو في الهامش، فإذا ترأست مؤسسة دستورية وقالت ما لا يُرضي الزعيم، صارت تهديداً لهوية الدولة.
من أعطاه حق الوصاية على المؤسسات؟
لنذكّر بما يبدو أن الرجل نسيه، أو تناساه عمداً. الأستاذة أمينة بوعياش لا تتكلم من مقهى ولا من منصة حزبية. إنها تتكلم بصفتها رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، مؤسسة نص عليها دستور المملكة، ومنحها القانون صلاحية ملاحظة الانتخابات ورصد كل ما يمس حقوق المواطنين وإصدار التوصيات بشأنه.
حين ترصد المؤسسة اختلالات تمس حق المواطن في اقتراع حر ونزيه، فإن التنبيه إليها ليس تطاولاً ولا خروجاً عن الاختصاص. إنه الاختصاص نفسه. والمؤسسة التي تسكت عن الخروقات خوفاً من غضب زعيم حزبي لا تستحق اسمها. فهل يريد بنكيران مجلساً لحقوق الإنسان يرى كل شيء إلا ما يزعجه؟
لم يناقش بنكيران رقماً واحداً مما قدمه المجلس. لم يقل إن الحالات الأربع والأربعين غير صحيحة، ولم يفند الحالات الست للدعاية داخل أماكن العبادة، ولم يرد على آلاف المضامين الرقمية التي جعلت التصويت مسألة حساب أمام الله. بدل ذلك، أخرج من جيبه الفزاعة المعتادة: «العلمانية».
حيلة مكشوفة. حين تعجز عن الرد على الوقائع، اتهم صاحبها في عقيدته. وحين لا تملك حجة، اصنع عدواً. لكن المغاربة لم يعودوا يبتلعون هذا الطعم. كلنا نقول أن المسجد ليس مقراً انتخابياً، وأن الله ليس مرشحاً في أي لائحة.
و هذا ليس رأياً… إنه القانون. ولمن يحاول تصوير الأمر كأنه مزاج شخصي لرئيسة المجلس، نقول: افتحوا النصوص.
والقضاء الدستوري لم يكن أقل وضوحاً. فقد سبق أن أُلغيت مقاعد نيابية بسبب توظيف صور الصوامع في الملصقات الانتخابية، وهي سابقة يعرفها بنكيران جيداً، لأن الملصقات المعنية كانت ملصقات حزبه. فهل كان القضاء الدستوري يومها أيضاً يخطط لعلمنة الدولة؟
المشرع المغربي لم يترك الأمر للاجتهاد ولا للنوايا الحسنة. الدين ثابت جامع للأمة، لا رأسمال انتخابي لحزب. ومن يحوّل المسجد إلى منصة دعائية، أو يجعل من المقدس أداة للضغط على الناخبين، لا يمارس حرية التعبير، بل يخرق قواعد المنافسة التي وضعها القانون لحماية الجميع.
القانون الذي لا يُطبق يتحول إلى حبر على ورق، والخرق الذي يمر دون جزاء يصبح سابقة تُشجع على تكراره.
إذا ثبت أن مترشحين أو أحزاباً استعملوا أماكن العبادة في حملاتهم، أو وظفوا الدين لاستمالة الناخبين وتخويفهم، فإن المطلوب ليس جدلاً إعلامياً ولا مزايدات حول العلمانية. المطلوب أن تتحرك المساطر: أن تُفتح الأبحاث، وأن تُحال الملفات على القضاء، وأن تنظر المحكمة الدستورية في الطعون المرتبطة بها، وأن تُرتب الجزاءات التي ينص عليها القانون، كائناً من كان المخالف.
وقد أظهرت هذه الانتخابات نفسها أن الأمر ليس افتراضياً، بعد أن فتحت النيابة العامة بحثاً قضائياً في واقعة استعمال مكبر صوت مسجد للدعوة إلى تجمع حزبي. هذا هو الطريق الصحيح: الوقائع تُعرض على القانون، والقانون يقول كلمته.
أما أن يُطلب من المؤسسات أن تصمت، ومن المجتمع أن يغض الطرف، لأن المخالف زعيم سياسي له صوت مرتفع وجمهور متحمس، فهذا بالضبط ما يقتل الثقة في الانتخابات. لا أحد فوق القانون، ولا حصانة لمن يتاجر بالمقدس.
الناخب مواطن لا مريد
الديمقراطية تقوم على مبدأ بسيط: المواطن يختار عن وعي وبحرية. من حقه أن يحصل على اختيار مستنير، أن يقارن البرامج والحصيلة والوعود والكفاءات، ثم يقرر. هذا حق أصيل من حقوقه.
لكن حين يوضع أمام معادلة «صوّت لنا ترضِ الله»، فإننا لا نعرض عليه برنامجاً، بل نضغط على ضميره. لا نخاطب عقله، بل نستثمر في خوفه. فلماذا يخاف بنكيران من ناخب يختار عن وعي؟ ربما لأن الحصيلة لا تكفي، فيُستعان بالسماء لتعويض ما عجزت عنه الأرض.
الأغرب أن المجلس لم يطعن في الانتخابات ولم يشكك في نتائجها. بالعكس، أكد أن المؤشرات العامة لم تكشف انحيازاً إدارياً لأي حزب، وأن الخروقات الماسة بنزاهة الاقتراع ظلت محدودة وأحيلت على القانون. تقرير متوازن بكل المقاييس.
فما البنكيران وبوعياش: حين تزعجه امرأة تذكّره بالقانون..المسجد ماشي مقر حزبي أ سي ذي أزعج بنكيران إذن؟ أزعجه أن أحداً وضع الإصبع على أداة يعتبرها من رأسماله السياسي. أزعجه أن مؤسسة قالت بصوت مرتفع إن الدين ليس ورقة انتخابية، وإن القانون يمنع ذلك. وأزعجه، فوق ذلك كله، أن من قالت هذا امرأة.
في الأخير، نقول كفى يا بنكيران. المؤسسات الدستورية ليست جدراناً يُرمى عليها كل من لا يوافق مزاج الزعيم، ورئيساتها لسن قاصرات يحتجن إلى وصيّ يحدد لهن متى يتكلمن وفيمَ. وأمينة بوعياش لم تفعل سوى ما يفرضه عليها الدستور والقانون: أن تدافع عن حق المواطن في انتخابات نظيفة، بعيدة عن الابتزاز الديني.
ومن يريد منافسة شريفة، فليتقدم ببرنامج وحصيلة وأفكار. ومن خرق القانون، فليُحاسب. أما المسجد، فليتركه لمولاه.