آخر الأخبار

إفلاس “لاسامير” يعيد صياغة سياسة الطاقة بالمغرب وسط خسائر اقتصادية وتعثر محاولات الإنقاذ

شارك

كشفت مجلة “جون أفريك” في تقرير مفصل لها عن تفاصيل رفض المحكمة التجارية بالدار البيضاء لعرض مالي ضخم بلغت قيمته 3.5 مليار دولار، تقدمت به مجموعة “إم جي إم للاستثمارات” الإماراتية مطلع سنة 2026 من أجل الاستحواذ على مصفاة “لاسامير” التي تعيش حالة إفلاس منذ عشر سنوات، مبرزة بناء على مصادرها المطلعة أن هذا الرفض القضائي القاطع جاء لكون العرض الإماراتي كان مجرد مناورة، حيث إن المجموعة الغريبة تماما عن قطاع الطاقة لم تقدم أي ضمانات جدية لإنجاح عملية الشراء، بل كانت تسعى فقط لوضع يدها على الأداة الصناعية للمصفاة.

وأضافت المجلة المتخصصة في الشؤون الإفريقية أن المحكمة المذكورة رفضت ما لا يقل عن خمسة عشر عرضا مختلفا منذ إطلاق طلبات المنافسة رسميا سنة 2017، وهو ما أدى إلى حالة من الجمود المستعصي جعلت العديد من الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين لا يرون مخرجا للأزمة سوى اللجوء إلى تأميم المجموعة، مشيرة في هذا الصدد إلى أن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل قدمت مؤخرا مقترح قانون يطالب صراحة بنقل أصول المصفاة إلى ملكية الدولة، ورغم المصادقة المفاجئة على هذا النص من طرف لجنة المالية بمجلس المستشارين بتاريخ 9 يونيو، إلا أن الغرفة الثانية للبرلمان سارعت إلى رفضه لاحقا.

وأوضحت الصحيفة ذاتها، استنادا إلى إفادات إطار رفيع سابق بالمصفاة، أن فشل كافة محاولات التفويت والتأميم وضع ملف المؤسسة في طريق مسدود تماما، مسجلة أن المملكة المغربية، التي تستورد تسعين بالمائة من احتياجاتها الطاقية على شكل مواد بترولية مكررة، تجد نفسها اليوم في مواجهة مباشرة مع تداعيات الأوضاع المتقلبة في الشرق الأوسط، مما يجعل فقدان هذه المعلمة الصناعية الكبرى، التي كانت تتمتع بطاقة تكريرية تصل إلى 10 ملايين طن سنويا مقترنة بقدرة تخزينية تبلغ مليوني متر مكعب، يمثل رمزا لفشل صناعي ثقيل التكلفة.

وأشارت المجلة الفرنسية إلى أن انهيار المصفاة، الذي صنف كأكبر إفلاس في التاريخ الاقتصادي للبلاد، لم يكن أمرا متوقعا على الإطلاق بالنظر إلى حجم المؤسسة الكبير، مذكرة بأنها تأسست سنة 1959 بشراكة بين مكتب الدراسات والمساهمات الصناعية وشركة “إيني” الإيطالية عبر فرعها “أنيك”، قبل أن يتم تأميمها سنة 1973 عقب الأزمة البترولية لتصبح رمزا للسيادة الوطنية، غير أن الرغبة في تحديث الاقتصاد وبتوجيه من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ضمن برنامج التقويم الهيكلي، جعلت المصفاة هدفا للخصخصة في نهاية عهد الملك الراحل الحسن الثاني الذي كان يسعى لإنعاش مالية الدولة.

وتابعت “جون أفريك” سرد الحقائق التاريخية مبينة أن الدولة فوتت المصفاة سنة 1997 للملياردير السعودي محمد العمودي، مدعوما بعلاقاته الواسعة ومكانته كمالك لمجموعة كورال للبترول التي تسيطر على العملاق السويدي “بريم”، وذلك مقابل 4 ملايير درهم، متفوقا على تحالف ضم شركات إفريقيا وشل وسومبي، ومستفيدا من حماية جمركية لمدتها خمس سنوات مقابل التزامه باستثمار حوالي 5 ملايير درهم في وحدات المحمدية وسيدي قاسم، ورغم القفزة الكبيرة في أرباح المجموعة سنة 2000 لتصل إلى 100 مليون يورو، استمر المستثمر السعودي في تأجيل تنفيذ استثماراته الموعودة بشكل متكرر.

وأكدت الوثيقة الصحفية أن الأمور اتخذت مسارا مأساويا ليلة 25 نونبر 2002 إثر حريق مدمر اجتاح جزءا من المصفاة بمدينة المحمدية مخلفا قتيلين، وهو ما دفع الدولة لتعليق الرسوم الجمركية والسماح للموزعين المحليين بالاستيراد المباشر لتجنب أزمة خانقة في التزويد، وعقب ذلك، قدم العمودي وعودا جديدة باستثمار أكثر من 12 مليار درهم لمواجهة المنافسة، ورغم إطلاق وحدة التكسير الهيدروجيني الأحدث إفريقيا سنة 2010، تكبدت المصفاة خسائر مالية فادحة بلغت 325 مليون يورو سنة 2014، متبوعة بخسارة قدرها 206 ملايين يورو في النصف الأول من سنة 2015، ليقرر المالك السعودي في غشت من السنة ذاتها وقف تشغيل المركب بشكل مفاجئ.

وسجل المصدر ذاته أن قرار التوقف هدد ألف منصب شغل وخلف ديونا ثقيلة تجاوزت 4 ملايير يورو لفائدة حوالي 400 دائن، يتقدمهم إدارة الجمارك وثلاث مؤسسات بنكية كبرى هي التجاري وفا بنك والبنك الشعبي المركزي وبنك إفريقيا، ليلجأ الملياردير السعودي سنة 2018 إلى مقاضاة المغرب أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار، متهما السلطات بعرقلة استثماراته لتفضيل فاعلين محليين، وهو النزاع الذي انتهى سنة 2024 بصدور حكم يلزم المغرب بدفع 150 مليون دولار للمستثمر الذي كان يطالب بـ 2.7 مليار دولار، في حين قدرت دراسة نشرت بمجلة علمية متخصصة سنة 2025 الخسائر الاقتصادية الكلية لإغلاق المصفاة بحوالي 66.5 مليار درهم، وهو ما يمثل تراجعا بنسبة 4.4 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

وختمت المجلة تحليلها بالتأكيد على أن السلطات المغربية لم تعد تركز على تقييم الخسائر بل استوعبت جيدا درس الارتهان لجهة واحدة، حيث وجهت بوصلتها نحو تعزيز القدرة الوطنية على التخزين التي بلغت 3.2 مليون متر مكعب سنة 2025، محققة زيادة مهمة بلغت نسبتها 30 بالمائة منذ سنة 2021، وذلك استنادا إلى الأرقام الرسمية الصادرة عن وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بنعلي، مبرزة في السياق ذاته أن التوجه الحكومي الحالي يراهن بقوة على توفير سعة تخزينية إضافية تبلغ مليونا ونصف المليون متر مكعب في أفق سنة 2030 لضمان الأمن الطاقي للمملكة.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا