أثارت وثيقتان مهنيتان منسوبتان إلى المهدي الحجاوي، جرى تداولهما في وسائل إعلام إسبانية خلال الساعات الأخيرة، تساؤلات بشأن مدى صحتهما وقيمتهما في إثبات الصفة التي نسبت إليه داخل المديرية العامة للدراسات والمستندات، في ظل ظهور اختلافات بين النسختين وغياب معطيات مستقلة تثبت مصدرهما.
وجاء الجدل بعدما قدمت صحفية جريدة “ABC” الإسبانية، كيتي غارات، في برنامج “Horizonte” على قناة “Cuatro”، وثائق قالت إنها تثبت ارتباط الحجاوي بجهاز الاستخبارات الخارجية المغربي، وربطته بعملية التجسس بواسطة برنامج “بيغاسوس” التي استهدفت هاتف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز. وقدمت الصحفية إحدى الوثائق باعتبارها دليلا على شغل الحجاوي مسؤولية داخل ما يعرف بـ”Service Action” التابع للمديرية العامة للدراسات والمستندات.
غير أن مقارنة الصور المتداولة للبطاقات المنسوبة إلى الحجاوي أظهرت اختلافات في عناصر يفترض أن تكون ثابتة في الوثيقة الإدارية، من بينها الرقم التسلسلي والتوقيع، إذ تظهر إحدى النسخ دون رقم واضح في الخانة المخصصة لرقم البطاقة، بينما يختلف ظهور التوقيع بين الصور المنشورة.
وأثار موقع “يابلادي”، في مادة خصصها للتحقق من الوثائق، بدوره شكوكا حول صحتها، مشيرا إلى وجود أخطاء في الكتابة العربية الظاهرة على إحدى البطاقات، من بينها أخطاء في اسم المملكة وفي تسمية المديرية العامة للدراسات والمستندات، إلى جانب ملاحظات بشأن الصياغة والترجمة والتوقيع المنسوب إلى المدير العام للجهاز.
وبحسب المصدر ذاته، جرى لاحقا تداول نسخة أخرى من البطاقة، لكنها تضمنت بدورها عناصر مختلفة وملاحظات إضافية، من بينها تاريخ صلاحية يمتد إلى سنة 2014، وهو ما أثار مزيدا من التساؤلات حول مصدر الوثيقة وتسلسل إصدارها.
وتكتسي هذه الاختلافات أهمية بالنظر إلى أن الوثائق استعملت لإسناد ادعاءات شديدة الحساسية تتعلق بالانتماء إلى جهاز استخباراتي وبالضلوع في عمليات تجسس استهدفت مسؤولين إسبان، في مقدمتهم رئيس الحكومة بيدرو سانشيز.
ولا تظهر المواد المنشورة في الصحافة الإسبانية التي اطلعت عليها “العمق” ما يفيد بأن النسختين خضعتا لخبرة تقنية مستقلة منشورة للتحقق من أصل الوثائق أو مكوناتها، كما لم تنشر جهة رسمية مغربية، إلى حدود كتابة هذه السطور، تأكيدا لصحة البطاقات المتداولة.
وكانت “ABC” قد وضعت القضية في واجهة عددها الصادر الثلاثاء، مقدمة الحجاوي باعتباره مسؤولا سابقا في الاستخبارات المغربية وربطته مباشرة بعملية اختراق هاتف سانشيز، وهي رواية تداولتها وسائل إعلام إسبانية أخرى استنادا إلى ما نشرته الصحيفة.
في المقابل، أثيرت داخل الأوساط الإعلامية الإسبانية نفسها ملاحظات بشأن بعض عناصر الرواية، إذ نشر الصحفي الإسباني إغناسيو سيمبريرو تصحيحات تتعلق بأدوار أجهزة الاستخبارات المغربية والتسلسل الزمني لبعض الوقائع المرتبطة ببرنامج “بيغاسوس”، بينما ردت صحفية “ABC” بالدفاع عن تحقيقها والقول إن الصحيفة تتوفر على وثائق غير منشورة سابقا.
وبين رواية “ABC” والاعتراضات المثارة بشأن الوثائق، يظل الحسم في صحة البطاقات المنسوبة إلى الحجاوي رهينا بإتاحة الأصول وإخضاعها للتحقق الفني المستقل أو صدور موقف رسمي بشأنها، وهو ما يجعل التعامل معها، في وضعها الحالي، باعتبارها دليلا نهائيا أمرا يحتاج إلى قدر أكبر من التحقق والتدقيق، وهو ما لم تحرص عليه الصحف الإسبانية التي اقترفت خطأ مهنيا في سبيل خدمة سردية مناوئة للمملكة المغربية.
المصدر:
العمق