حميد زيد ـ كود//
بغض النظر عن شعر البنات المنفوش. والملابس المهلهلة. والصور التي تنشرنها باستعمال الذكاء الاصطناعي.
فما يميز عقد الثمانينيات في نظري.
هو أنه جاء قبل الستينيات.
وقبل الخمسينيات.
وقبل السبعينيات.
ومن يشك في ذلك.
فما عليه إلا أن يتفرج في أفلام كل عقد على حدة.
وسيكتشف كم كان عقد الثمانينيات ضبابيا.
وغير واضح.
والألوان فيه متداخلة.
وتسيل على حواف الشاشة.
وكم كان قديما.
وأقدم من بدايات السينما.
والتصوير فيه بدائي.
والذوق سيء.
والأفلام فيه تجارية.
والملابس إما مبالغة في القصر أو في الطول.
ولا أحد كان يلبس على مقاسه في عقد الثمانينيات.
مقارنة بالعقود التي سبقته.
كأن خطأ وقع في تعاقب العقود.
وكأن الماضي هو المستقبل.
لكن هذا العقد مع ذلك له قيمته التاريخية.
وفيه تحرر الإنسان من كل أوهامه.
ولم يعد يحلم بغد أفضل.
وصار يلبس كيفما اتفق.
ويعيش لحظته.
الآن.
وهنا.
وبدأ تدريجيا يتخلص من كل الإيديولوجيات.
ومن العودة إلى الطبيعة.
ومن الشعارات.
ومن عدالة ومساواة فوق الأرض.
بينما لم تستوعب المغنية المغربية سميرة بنسعيد هذا التحول.
فدخلت الثمانينيات بأغنية ملتزمة عن الأطفال.
في مسابقة الأوروفيزيون.
وكان الفشل كبيرا.
ومخيبا.
لأنها شاركت في المسابقة بعقلية فنانة قادمة من السبعينيات.
ومن الالتزام الذي كان سائدا.
ومن عالم القضايا الكبيرة الذي كان يستهوي الغرب.
والحال أن العالم قد تغير بشكل كامل.
وإذا كان من عقد أحبّه.
وأحن إليه.
فهو عقد الثمانينيات هذا.
لأن كل شيء انتهى فيه.
ولأنه عقد الخفة بامتياز.
والذي جعل منها ثقافة جديدة.
لم تنجح كل المقاومات في الوقوف أمام زحفها.
من بينها كتاب شهير للمفكر ألان فانكلكروت.
يحمل عنوان”هزيمة الفكر”.
يحتج فيه صاحبه على هذه المساواة بين الأعمال الفكرية “السامية”.
والعميقة.
وبين ثقافة الاستهلاك.
ووضع كل البيض في سلة الثقافة.
واعتبار أي شيء ثقافة.
لتنطلق هيمنة العابر.
وتنظيرات اليومي.
وميثولوجيات الموضة.
واللعب.
والتسلية.
وثقافة الپوب.
وليعوض البانك الروك.
وفي بداية الثمانينيات ظهرت قناة MTV.
لتتغير تلك الجملة الشهيرة للشاعر الفرنسي ستيفان ملارمي.
والتي تعتبر أن العالم “خُلق كي يفضي إلى كتاب جميل”
لتصبح “خُلق العالم كي يفضي إلى فيديو كليب جميل”.
وظهر شعراء جدد يبحثون عن القصيدة-الكليب.
واختفى الوزن من الحياة.
وظلت قلة قليلة قابضة على الجمر وترفض أي مصالحة.
وكانت المغنية المغربية تظهر في الثمانينيات لكنها سرعان ما تختفي.
ومن اللواتي اختفين نعمى السحنوني.
من يتذكرها منكم.
وأبرزهن عزيزة جلال.
وفي كل مرة. كان يأتي رجل من الخليج.
ويتزوج بهن.
فتفتقدهن الساحة الفنية.
ويتركنا بلا مغنيات.
يملأن علين الشاشة.
التي كان يهيمن عليها أسبوع الفرس.
ومسابقات الكولف.
ومصطفى العلوي.
والأنشطة الملكية.
ورغم أن هذه العشرية كانت عابرة وخفيفة.
إلا أنها شكلت.
مع ذلك.
عقدا ثقافيا بامتياز.
وكانت الفتيات يحصلن فيه على روايات أرلكان من بائع الزريعة.
مقابل خمسين ريالا.
قبل أن تظهر نسختها العربية المطبوعة في قبرص.
والمسماة بعبير.
والتي بفضلها تكونت نساء المغرب عاطفيا.
وبالعربية الفصحى.
وحلمن.
وعشن أجمل المغامرات.
وأحببن.
وسافرن.
بأقل من درهم.
وتذهب الواحدة عند بائع الزريعة.
وتعود ومعها حبيب من خيال.
وقصة عاطفية.
في رواية جيب.
دون أن تبرح مكانها.
إلا أن الذين لم يدخلوا هذا العقد “الفريد” كما يجب.
ظلوا يشترون مجلة اليوم السابع التي تصدر من باريس.
ومجلة الكرمل. والوطن العربي.
وقد كانت للثمانيين مادونا.
ومايكل جاكسون.
وبرانس.
ومجموعة المودرن تالكينغ.
كبديل لمحوعات الروك الشهيرة في العقد الذي سبقه.
حيث سادت الموسيقى الإلكترونية.
وثقافة البانك التي ميزت الموجة الجديدة.
وكان صدام حسين حاضرا بقوة.
وكانت ليلى علوي في البوستيرات.
وفي الصور.
وتباع في الحافلة.
وفي قارعة الطريق.
وكانت الموعد بأوراقها الصفراء.
وكانت لاماليف الجادة والرصينة التي غلبتها الثمانيات.
فتوقفت على ما يبدو عن الصدور في أواخرها.
وكان ادريس البصري وزير داخلية فيه كل العقود.
والحقب.
وفيه كل أنواع الاستبداد.
وكان رجل القوات المساعدة يضربنا على مؤخراتنا بجزمته دون سبب.
وكان القمع في كل مكان.
وكان الملك الراحل يجمعنا نحن الصغار دائما في الطريق لاستقباله على جنبات الطريق.
وكان أحيانا لا يمر.
فنبقى واقفين في انتظاره.
إلى أن يتم تفريقنا.
وكانت لنا سهرة للشيخات في نهاية الأسبوع
وحفلة في عيد العرش بكل حي.
وفي عقد الثمانينات كان أخطر إضراب عرفه تاريخ المغرب.
وكانت السلطة عنيفة.
وكانت الأحزاب قوية.
ومستقلة.
وفي فرنسا كان صعود الاشتراكيين. وفرانسوا ميتران.
وكان ذلك الديو التاريخي بين المغنية إلزا وغلين ميدروس.
وكانت البنات يقلدن مادونا.
ويشترين نفس حزامها.
ونفس جواربها الطويلة.
ونفس تنورتها القصيرة.
فيبدو منظرهن مضحكا.
وكان الواحد ينعظ فقط حين تطل عليه ساندرا من الشاشة.
أما نحن الأولاد فكنا نرقص السمورف.
ونتمرغ في التراب.
وندور على مؤخراتنا.
ونمزق سراويلنا.
ونقوم بحركات غريبة.
ومخجلة.
ولا تليق بصغار عاقلين.
إلى أن سقط جدار برلين سنة 1989.
لينهار بعده الاتحاد السوفياتي
ولتختفي الهدايا واللعب والمفاجآت التي كانت ترافق المجلات المخصصة للصغار.
ولينتهي أغرب عقد
كان مثل قوسين تم فتحهها في تاريخ البشرية
ومثل عشر سنوات مستقطعة من الزمن
ليتم فيها تجريب كل شيء
وليتخلص فيها الإنسان من كل أوهامه
ولتنفش البنات شعرهن
وليطليه ويلمعه الأولاد بجيل أصفر
ذي رائحة كريهة
كان من علامات تلك الفترة
وليظل الذباب يلاحقهم
من الثمانينيات
إلى نهاية التسعينيات
إلى أن اختفى ذلك الجيل الملمع
واختفى معه الذباب.
وليظهر كتاب “من أجل طي صفحة الثمانينيات بشكل نهائي”.
والذي يعتبر أهم مرجع سوسيولوجي وساخر في الآن نفسه
لكل من يتملكه الحنين
إلى أخف
وأغرب
عقد
في القرن العشرين.
المصدر:
كود