آخر الأخبار

برامج شتنبر الانتخابية.. هل تتحول الصحوة الشعبية إلى “دفتر تحملات” يُحاسب الأحزاب؟

شارك

مع اقتراب اقتراع الـ23 من شتنبر، بدأت الأحزاب السياسية المغربية في الكشف عن برامجها الانتخابية، مقدمة تصوراتها وخططها لكسب ثقة الناخبين واستمالة أصواتهم. غير أن هذه البرامج تأتي في ظرفية اقتصادية واجتماعية دقيقة، تجعل من اختبار واقعيتها وقابليتها للتنفيذ أكثر أهمية من أي وقت مضى.
فالمواطن المغربي لم يعد يكتفي بعناوين كبرى أو شعارات انتخابية عامة، بل بات يبحث عن إجابات واضحة حول قضايا تمس حياته اليومية بشكل مباشر: فرص الشغل، القدرة الشرائية، التعليم، الصحة، الحماية الاجتماعية، العدالة المجالية، والاستثمار. وبينما تتنافس الأحزاب في تقديم حلولها لهذه الملفات، يبرز سؤال جوهري: هل نحن أمام برامج انتخابية قابلة للتنفيذ والقياس، أم أمام نسخة جديدة من الوعود التي اعتاد الناخب المغربي سماعها في كل محطة انتخابية؟

الناخب بين الشخص والحزب والبرنامج

أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط عبد العالي بلياس أكد أنه قبل تقييم البرامج الانتخابية نفسها، يطرح الناخب سؤالا أكثر جوهرية: على من سيصوت؟ هل سيمنح صوته للشخص، أم للحزب، أم للبرنامج الانتخابي؟

وأوضح بلياس في تصريح لجريدة “العمق” أنه إذا كان الاختيار يقوم أساسا على الحزب، فإن المرشح والبرنامج قد يتحولان إلى عنصرين ثانويين، بحكم أن الناخب يصوت على مشروع سياسي وفكري وقناعات ومبادئ يتقاسمها مع الحزب”.

وأضاف: أما إذا كان التصويت على الشخص، فإن الاعتبارات المرتبطة بشخصية المرشح وامتداداته الاجتماعية وموقعه داخل محيطه المحلي تصبح أكثر تأثيراً في القرار الانتخابي.

ويستدرك أستاذ العلوم السياسية، أنه في حال كان البرنامج هو المحدد الرئيسي للاختيار، فإن المقارنة تصبح أكثر تعقيدا، مشيرا إلى أن قراءة البرامج الحزبية تكشف، وفق متابعين، عن تقاطع كبير في تشخيص المشاكل والأهداف النهائية، حتى وإن اختلفت الأدوات والمقاربات.

وتتكرر في عدد من البرامج عناوين من قبيل دعم الاستثمار والمقاولة، تحسين القدرة الشرائية، خلق فرص الشغل، تعزيز الحماية الاجتماعية، تحقيق العدالة المجالية، وتدعيم السيادة الاقتصادية. وهي أهداف لم تكن غائبة عن البرامج الانتخابية السابقة، بما فيها برامج سنة 2021.

وأوضح الأستاذ الجامعي عبد العالي بلياس، أن السنوات الفاصلة بين تلك المحطة الانتخابية واليوم حملت تحولات جديدة، من أبرزها ارتفاع الأسعار، وتفاقم الضغوط على القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات البطالة، إلى جانب تداعيات الجفاف والإكراهات المرتبطة بالماء، فضلا عن تنامي النقاش حول تضارب المصالح ونجاعة السياسات العمومية.

وهنا تحديدا ينتقل النقاش من سؤال “ماذا ستفعل الأحزاب؟” إلى سؤال أكثر دقة: كيف ستفعل ذلك؟ وبأي كلفة؟ وفي أي مدة؟ ومن سيتحمل مسؤولية التنفيذ؟

المواطن يريد أرقاما لا شعارات

محمد أمين سامي، المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، أكد أن المطالب الشعبية تنحصر في عناوين عريضة، بل أصبحت أكثر ارتباطا بالأرقام والمخططات الزمنية ومؤشرات قياس النتائج، مسجلا أن الشاب المغربي يريد فرص عمل حقيقية ومستدامة، وليس مجرد وعود بخفض البطالة، بينما تنتظر الأسر خدمات صحية وتعليمية عمومية تستجيب لحاجاتها اليومية وتواكب تطلعاتها.

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن البرنامج الانتخابي الجدي ينبغي ألا يكتفي بتحديد الأهداف، وإنما يتعين أن يحدد الإجراءات العملية، والآجال الزمنية، والمجال الترابي المستهدف، ومؤشرات قياس الأداء، فضلاً عن مصادر التمويل وآليات تدبير المخاطر.

أمين سامي أوضح في تصريح لجريدة “العمق”، أن الوعد بخلق مليون منصب شغل، مثلا، لا يكتسب قيمته السياسية والاقتصادية بمجرد الإعلان عنه، وإنما من خلال الكشف عن القطاعات التي ستستوعب هذه المناصب، وحجم الاستثمار الضروري، ومعدل النمو المفترض، والمدة الزمنية لتحقيق الهدف، ومدى قدرة الاقتصاد على إنتاج وظائف مستدامة.

وبالمثل، سجل المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، أن الإعلان عن بناء مستشفيات أو جامعات جديدة لا يكفي وحده لضمان تحسين الخدمات، إذا لم يكن مصحوبا بخريطة واضحة للموارد البشرية، وتحديد حاجيات كل جهة من الأطباء والأساتذة والأطر والتجهيزات.

تشابه في الأهداف واختلاف في الأدوات

قراءة البرامج الأربعة موضوع النقاش تكشف، بحسب أمين سامي أنها ليست نسخا متطابقة، لكنها تتقاطع بشكل واضح في الأهداف الكبرى: خلق مليون منصب شغل، حماية القدرة الشرائية، إصلاح منظومتي الصحة والتعليم، تعزيز العدالة المجالية، وتقوية السيادة الاقتصادية.

غير أن الاختلاف الأبرز يظهر في الأدوات المقترحة لتحقيق هذه الأهداف، فيما تبقى البرمجة الزمنية، وتحديد المسؤوليات، واختبار مصادر التمويل، من بين أبرز نقاط الضعف المشتركة.

وتبرز في هذا السياق، حسب المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، خمس إشكالات مترابطة تستحق التوقف عندها.أولها، أن رفع الأجور أو توسيع الدعم الاجتماعي، في غياب إجراءات موازية لرفع الإنتاجية، قد يؤدي إلى زيادة الطلب الداخلي والضغط على الواردات والأسعار.

وثانيها، أن الاستثمار في البنيات الصحية والتعليمية لا يضمن بالضرورة تحسين جودة الخدمات إذا لم يواكب بخطة واضحة لتوفير الموارد البشرية وتأهيلها.أما ثالثها، فيرتبط بالقطاع الفلاحي والصادرات، حيث إن دعم الإنتاج والتوسع فيه دون مراعاة الميزانيات المائية لكل حوض قد يزيد من حدة الإجهاد المائي الذي أصبح من أكبر التحديات الاستراتيجية التي تواجه البلاد.

ورابعها، يتعلق بتمويل المشاريع من موارد الجماعات الترابية، إذ إن تعبئة هذه الموارد يمكن أن تساهم في تحسين بعض المؤشرات على المستوى الوطني، لكنها قد تؤثر في المقابل على قدرة الجماعات على تمويل استثماراتها المحلية.أما الإشكال الخامس، فيتعلق بإدراج أوراش ومشاريع وطنية قائمة ضمن الوعود الانتخابية الجديدة، بما يطرح ضرورة التمييز بين ما هو التزام جديد للحزب وما هو مشروع سبق أن تمت برمجته وتمويله أو إطلاقه من طرف الدولة.

معضلة التمويل.. السؤال الذي لا يمكن تأجيله

إذا كانت البرامج الانتخابية تتنافس في حجم الوعود، فإن السؤال الأكثر حساسية يظل مرتبطا بمصادر التمويل.فالمواطن المغربي أصبح أكثر وعيا بالمعادلات الاقتصادية والمالية، ولم يعد من السهل إقناعه ببرامج تتحدث عن زيادات في الأجور، ودعم الاستثمار، وخلق فرص العمل، وتوسيع الخدمات الاجتماعية، دون أن تشرح في الوقت نفسه من أين ستأتي الموارد المالية اللازمة لتنفيذ هذه الالتزامات.

وهنا تكمن أهمية الانتقال من “البرنامج الانتخابي” بمعناه السياسي التقليدي إلى ما يمكن تسميته بـ”دفتر تنفيذ” واضح، وفق ما يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة الرباط عبد العالي بلياس، مؤكدا أن هذا الدفتر يفترض أن يجيب عن مجموعة من الأسئلة البسيطة في ظاهرها، لكنها حاسمة في تقييم جدية أي برنامج: كم ستكلف كل التزام؟ كم سيكلف سنويا؟ ما مصدر التمويل؟ ما المؤسسة المسؤولة عن التنفيذ؟ ما الجدول الزمني؟ وما المؤشرات التي سيتم اعتمادها لقياس النتائج؟

ويذهب بلياس إلى أنه من دون هذه العناصر، يصبح من الصعب التمييز بين وعد انتخابي قابل للتنفيذ ووعد سياسي يهدف أساسا إلى استقطاب الناخبين.

بين الاستمرارية والتغيير

البرامج الأربعة، وفق قراءة تحليلية لمضامينها، تعكس فهما معقولا لجملة من التحديات الراهنة، وتتضمن بعض المقترحات والابتكارات في مجالات مثل السيادة الاقتصادية، وحماية العمال الموسميين، والإصلاح الجبائي، وربط بعض آليات الدعم بالتضخم.

لكنها، في مجموعها، لم تتحول بعد إلى “عقود حكومية” مكتملة العناصر، إذ تتكرر الأهداف الكبرى، بينما تختلف درجة تفصيل الكلفة ومصادر التمويل وآليات التنفيذ.

وتبرز هنا اختلافات بين المقاربات الحزبية، وأوضح عبد العالي بلياس أن بعض الأحزاب، مثل الأصالة والمعاصرة والتقدم والاشتراكية، قدمت مستوى أكبر من التكميم المالي لبعض مقترحاتها، وإن كانت هذه التقديرات تظل مرتبطة بفرضيات للنمو والمداخيل تحتاج بدورها إلى اختبار مستقل.

وأشار المتحدث ذاته، إلى أن حزب الاستقلال، يقدم رؤية ذات طابع سيادي في عدد من الملفات، غير أن مستوى التفصيل المتعلق بالهندسة المالية يظل، بحسب هذه القراءة، أقل وضوحا، بينما يستفيد حزب التجمع الوطني للأحرار من عنصر الاستمرارية، بحكم قيادته للحكومة الحالية، غير أن هذه الميزة تضعه أمام مسؤولية إضافية: تقديم حصيلة دقيقة لما تحقق خلال الولاية السابقة، قبل تقديم وعود جديدة للمواطنين.

ويى أستاذ العلوم السياسية، أن الحزب الذي يطلب تمديد الثقة لا يخضع فقط لاختبار البرنامج، وإنما أيضا لاختبار الحصيلة.

المواطن يريد نائبا قريبا منه

محمد أمين سامي، المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، يؤكد أنه رغم أهمية البرامج الاقتصادية والاجتماعية، فإن جزءا من النقاش الانتخابي لا يرتبط بالبرامج وحدها، بل بصورة المرشح نفسه ودوره بعد الوصول إلى البرلمان.

فالمواطن، وفق سامي، لا يبحث فقط عن مرشح يقدم تصورا سياسيا، وإنما عن منتخب يجيد الإنصات، ويبقى مرتبطا بمشاكل مجتمعه، ويكون حاضرا في السراء والضراء، ولا يتعامل مع الانتخابات باعتبارها مجرد وسيلة للوصول إلى موقع سياسي أو تحقيق مصالح شخصية وعائلية.

ويسجل المتحدث ذاته، أن الثقة الانتخابية، في نهاية المطاف، لا تُبنى بالبرنامج وحده، وإنما أيضا بمدى التزام المنتخب تجاه المواطنين الذين منحوه أصواتهم.

والمغاربة، كما يذهب الخبير الاقتصادي ذاته، أظهروا في محطات عديدة استعدادا لتحمل تداعيات الأزمات الدولية والجفاف والظروف الاقتصادية الصعبة، لكنهم في المقابل ينتظرون من ممثليهم أن يظلوا قريبين من المجتمع، وأن يشرحوا له الخيارات الصعبة عندما تكون ضرورية، وأن يدافعوا عن مصالحه عندما تكون هناك حاجة إلى ذلك.

البرامج الحزبية في مواجهة برامج الدولة

ولا يمكن قراءة البرامج الانتخابية بمعزل عن البرامج والمشاريع الكبرى للدولة التي تتجاوز في كثير من الأحيان الزمن الانتخابي والحكومي.فالمغرب مقبل على أوراش استراتيجية تمتد لسنوات، من بينها برامج التنمية الترابية المندمجة، والمشاريع المرتبطة بالتحضير لتنظيم كأس العالم، إلى جانب أوراش البنية التحتية والاستثمارات الكبرى.

ويرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط عبد العالي بلياس، أن جزءا من الوعود الانتخابية ينبغي أن يوضح موقعه داخل هذه المشاريع الوطنية القائمة، حتى لا تتحول البرامج الحزبية إلى إعادة تقديم أوراش سبق إطلاقها باعتبارها التزامات جديدة.

ونبه بلياس إلى أهمية التمييز بين ما هو منجز أو مبرمج في إطار سياسات الدولة، وما يقترحه الحزب من إضافات وتعديلات وأولويات جديدة، مشيرا إلى أن عدد من الأحزاب يؤكد أنه شرع منذ أشهر في إعداد برامجه الانتخابية من خلال مقاربات تشاركية ومنصات تفاعلية، في محاولة لإشراك المواطنين والاستماع إلى انتظاراتهم.

لكن المشاركة في مرحلة إعداد البرنامج لا تكفي وحدها لبناء الثقة، يقول الأستاذ الجامعي بلياس، لأن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد إعلان البرنامج، حين يتحول من وثيقة سياسية إلى التزامات يفترض أن تكون قابلة للتتبع والتقييم والمحاسبة.

من الوعود إلى “العقد القابل للتدقيق”

ويرى بلياس أن التحدي أمام الأحزاب لا يتمثل فقط في إقناع الناخب بأن برنامجها أفضل من برامج المنافسين، وإنما في إقناعه بأن لديها القدرة السياسية والمؤسساتية والمالية على تنفيذه.

في المحصلة، تبدو البرامج الانتخابية للأحزاب الأربعة متقاربة في تشخيص عدد من التحديات الكبرى، ومختلفة بدرجات متفاوتة في الأدوات والمقاربات. لكنها تظل، في جانب مهم منها، أقرب إلى تصورات سياسية طموحة منها إلى خطط حكومية مكتملة الأركان.

وإذا كانت الانتخابات هي لحظة طلب الثقة، فإن البرنامج الانتخابي ينبغي أن يكون أكثر من وثيقة دعائية؛ ينبغي أن يتحول إلى أساس لعلاقة جديدة بين الناخب والمنتخب، قوامها الالتزام والشفافية والمحاسبة.

وبين البرامج المكتوبة وانتظارات الشارع، يبقى صندوق الاقتراع هو الفيصل. لكن الوعي الشعبي المتزايد يجعل من الصعب، أكثر من أي وقت مضى، اختزال المنافسة الانتخابية في الشعارات. فالمواطن يريد “المعقول”، ويريد قبل ذلك أن يعرف كيف سيتحول الكلام إلى فعل، والوعد إلى نتيجة، والبرنامج إلى حصيلة يمكن محاسبة أصحابها عليها.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا