آخر الأخبار

أرقام صادمة وفاتورة باهظة.. الاضطرابات النفسية تكلف المغرب 64 مليار درهم سنويا

شارك

تكلف الاضطرابات النفسية الاقتصاد الوطني خسائر تقدر بنحو 64 مليار درهم سنوياً، أي ما يعادل 4.8 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي الوطني، في وقت لا تستفيد فيه الصحة النفسية سوى من 1.2 في المائة من النفقات العامة للصحة، بما يعادل أقل من دولار واحد لكل فرد، وفق معطيات لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية.

وأوضحت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، في عرض قدمته مسؤولة بمصلحة الصحة العقلية والنفسية بالوزارة، أن هذه الأرقام تعكس حجم التحدي الصحي والاجتماعي والاقتصادي الذي تواجهه المملكة في مجال الصحة النفسية، معتبرة أن المخطط الجديد يشكل أولوية وطنية للصحة العامة ورافعة للإدماج الاجتماعي، وفرصة لتوفير تكفل لائق ومتاح وعصري لكل مواطنة ومواطن، يقوم على الالتزام الجماعي والدعم الحاسم لجميع الشركاء الاستراتيجيين.

وبحسب معطيات الوزارة، يعاني 6.5 ملايين مغربي من اضطرابات نفسية، من بينهم نحو مليوني طفل وشاب تقل أعمارهم عن 25 سنة، فيما أصبحت هذه الاضطرابات السبب الأول للعجز في المغرب.

كما تواجه المملكة، في هذا السياق، تحديات مرتبطة أساساً بضعف العرض العلاجي وعدم تكيفه مع الحاجيات، إذ لا يتجاوز عدد الأسرة المخصصة للصحة النفسية 6.7 أسرة لكل 100 ألف نسمة، موزعة بشكل غير متكافئ بين المجالات الترابية، فضلاً عن وجود بنيات علاجية متقادمة في عدد من الحالات.

وعلى مستوى الموارد البشرية، لا تتعدى النسبة 1.5 طبيب نفسي لكل 100 ألف نسمة، فيما لا يتوفر القطاع العام سوى على 30 أخصائياً نفسانياً، وهو ما يساهم، وفق العرض، في اتساع الفجوة العلاجية التي تصل إلى 85 في المائة.

الاستثمار في الصحة النفسية.. عائد اقتصادي واجتماعي

ترتكز فلسفة المخطط على اعتبار الصحة النفسية أولوية وطنية للصحة العامة، ورافعة للإدماج الاجتماعي، وفرصة لتوفير تكفل لائق ومتاح وعصري لكل مواطنة ومواطن، يقوم على الالتزام الجماعي والدعم الحاسم لجميع الشركاء الاستراتيجيين.

وتقوم رؤية المخطط على ثلاث ركائز كبرى؛ أولها أن الصحة النفسية مكون أساسي للصحة، وفق تعريف منظمة الصحة العالمية، إذ لا يمكن تحقيق صحة عامة دون صحة نفسية، أما الركيزة الثانية فتتمثل في كون الصحة النفسية رافعة للتنمية، باعتبارها شرطاً أساسياً لازدهار الأفراد والمجتمعات وتقدم المجتمع.

وتتعلق الركيزة الثالثة بالحقوق والكرامة، إذ إن موضوع الصحة النفسية يتجاوز الإطار الطبي البحت ليرتبط، قبل كل شيء، بحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، وهو ما يبرز أهمية اعتماد سياسة واضحة تؤكد موقف المملكة وترسم توجهها الاستراتيجي الشامل.

وأبرزت المسؤولة أن التقاعس عن معالجة تحديات الصحة النفسية له تكلفة اقتصادية واجتماعية كبيرة، مشيرة إلى أن الاستثمار في هذا المجال يمكن أن يحقق عائداً مهماً.

فعلى الصعيد الاقتصادي، يدر كل دولار مستثمر في الصحة النفسية نحو 4 دولارات، فيما يمكن أن يصل العائد إلى 94 دولاراً عندما يتعلق الأمر بالتدخلات الوقائية الموجهة إلى المراهقين والشباب، بما يساهم في تحفيز الإنتاجية الاقتصادية الوطنية، أما على المستوى الاجتماعي، فإن الاستثمار في الصحة النفسية من شأنه، وفق العرض، أن يعزز المناخ الاجتماعي، ويشجع الإدماج، ويضمن تكافؤ الفرص، ويقوي صمود الأسر.

ومن هذا المنطلق، يؤكد المخطط أن الصحة النفسية لا ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها تكلفة سلبية، وإنما باعتبارها خياراً استراتيجياً منتجاً، له أثر اجتماعي واقتصادي قوي، ويشكل رافعة للتنمية والعدالة الاجتماعية.

مخطط أُعد على مدى سنتين وبمشاركة قطاعات متعددة

وفي ما يتعلق بمسار إعداد مخطط الصحة النفسية 2030، أوضحت المسؤولة أنه استغرق قرابة سنتين، واعتمد على مقاربة صارمة نسقتها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، بدعم من منظمة الصحة العالمية، وبمساعدة تقنية من خبيرين وطنيين.

وعبأ إعداد المخطط طيفاً واسعاً من الشركاء، شمل النيابة العامة، و13 قطاعاً وزارياً، من بينها قطاعات العدل والداخلية والشباب والتضامن والأوقاف والتربية الوطنية، إلى جانب جمعيات ذات منفعة عامة، وهيئات الحكامة مثل المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والجمعيات العلمية، فضلاً عن جمعيات المستخدمين والأسر.

وعلى المستوى المنهجي، مر إعداد المخطط بمرحلتين بارزتين؛ تمثلت الأولى في إجراء تحليل دقيق للوضعية، استند إلى تحديث المعطيات الوبائية وإجراء مقابلات ميدانية، فيما تمثلت الثانية في تنظيم أربع ورشات عمل خصصت للبناء المشترك والتشاور والمصادقة النهائية على المخطط.

وتشهد المعطيات المقدمة خلال العرض على كثافة العمل المنجز بين سنتي 2023 و2025، والذي جمع مختلف الخبرات والجهات المؤسساتية حول طموح مشترك لبناء رؤية إدماجية ومستدامة للصحة النفسية في المغرب.

أربعة أهداف و3 محاور في مخطط الصحة النفسية 2030

وجرى تحديد أربعة مبادئ موجهة وغير قابلة للتجزئة وجهت التفكير في إعداد مخطط الصحة النفسية 2030، ويتمثل المبدأ الأول في إزالة الوصمة ورفع الطابوهات، عبر اعتماد تواصل مسؤول وشفافية في المؤشرات، إلى جانب إدماج العلاجات النفسية ضمن سلة التأمين الإجباري الأساسي عن المرض.

أما المبدأ الثاني فيتمثل في ضمان تكفل يتماشى مع المعايير الدولية، من خلال عرض عادل يرتكز على حقوق الإنسان، ومدعوم بتأهيل البنيات التحتية وتعزيز الموارد البشرية، إلى جانب ضمان استمرارية توفير الأدوية النفسية الأساسية.

ويقوم المبدأ الثالث على اعتماد مقاربة مدمجة طيلة مسار الحياة، من الولادة إلى الشيخوخة، مع توفير تغطية شاملة تمتد من الوقاية إلى إعادة التأهيل، بما يساعد على تفادي انقطاع مسارات العلاج وإعادة الاستشفاء والانتكاسات، أما المبدأ الرابع فيرتبط بـحكامة مخصصة ومشتركة بين الوزارات، تعتمد على القيادة بالمعطيات والأدلة، وترتكز على التنسيق متعدد القطاعات وتحديد المسؤوليات بشكل واضح.

ويحدد المخطط أربعة أهداف استراتيجية رئيسية، ويتعلق الهدف الأول بخفض معدل الوفيات الناجمة عن الانتحار، من خلال تقليص نسبة الوفيات بالانتحار بـ10 في المائة، للوصول إلى 2.7 وفاة لكل 100 ألف نسمة، أما الهدف الثاني فيتمثل في تقليص الانتكاسات وإعادة الاستشفاء بنسبة 10 في المائة.

ويستهدف الهدف الثالث تغطية حاجيات التكفل، من خلال مضاعفة معدل تغطية المصابين باضطرابات نفسية بـ2.5 مرة، للوصول إلى نسبة 38 في المائة، فيما يرمي الهدف الرابع إلى التحكم في انتشار الاضطرابات النفسية، عبر خفض انتشار مشاكل الصحة النفسية بنسبة 10 في المائة، للوصول إلى نسبة 15.8 في المائة.

ولتجسيد هذه الأهداف، جرى تحديد ثلاثة محاور استراتيجية، ويتمثل المحور الأول في النهوض والوقاية والرصد المبكر للاضطرابات النفسية، خاصة لدى الشباب، أما المحور الثاني فيتعلق بـتوفير تكفل متاح وذي جودة بمسار علاجي مستمر، انطلاقاً من التدخل الأولي ووصولاً إلى إعادة التأهيل، ويخصص المحور الثالث لـتعزيز إعادة الإدماج والاندماج الاجتماعي للأشخاص الذين يعانون من مشاكل نفسية.

37 تدبيراً لتطوير العرض العلاجي والرصد المبكر

المحور الاستراتيجي الثاني، المتمحور حول ضمان عرض علاجات نفسية ذي جودة، مدعوم ببنيات تحتية ملائمة ومواكبة إنسانية، فيتمفصل حول 37 تدبيراً عملياً، ومن أبرز الأولويات ضمان نشر المصالح الاستشفائية للطب النفسي في مجموع الأقاليم والعمالات، كما يستهدف المخطط تأمين الولوج إلى الأدوية النفسية الأساسية على مستوى مؤسسات الرعاية الصحية الأولية، تفادياً للنقص الذي يهدد استمرارية مسار العلاج، ويتضمن أيضاً نشر وحدات استشارات الصحة النفسية للبالغين والأطفال على الصعيد الوطني.

ومن التدابير المقترحة كذلك إحداث وحدات للأم والطفل تضم ما بين 5 و10 أسرّة في أقسام الولادة والمستشفيات العامة، كما ينص المخطط على تصميم وإرساء آلية للتدخل السريع وإدماجها في منظومة المستعجلات الطبية، تحت مسمى «SAMU النفسي»، ويهدف المحور ذاته إلى نشر بنيات لإعادة التأهيل النفسي والاجتماعي في جميع الجهات، وفق معايير محددة.

أما المحور الاستراتيجي الثالث، المخصص لإعادة الإدماج والاندماج الاجتماعي في ظل احترام كرامة وحقوق المرتفقين، فيرتكز على أربعة تدابير رئيسية، ويتمثل التدبير الأول في الترافع من أجل الاعتراف بوضع الإعاقة النفسية والحقوق المرتبطة بها، بما يشمل الدعم والمساعدات الاجتماعية، والمساعدة على الشغل والسكن والمساعدة القانونية.

كما يتضمن المخطط تنزيل برنامج متعدد القطاعات لإعادة التأهيل والمساعدة على إعادة الإدماج الاجتماعي لفائدة الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية في وضعية هشاشة اجتماعية مطلقة، وينص كذلك على تطوير شراكة مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان والفاعلين المعنيين لوضع استراتيجية للنهوض بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة المرتبطة بالصحة وحمايتها.

أما التدبير الرابع فيتمثل في إعداد إطار مرجعي وطني للمعايير المعمارية وتنظيم وعمل البنيات الوسيطة في الصحة النفسية، ويهدف هذا المحور، في نهاية المطاف، إلى تكريس التزام أخلاقي من أجل توفير تكفل يحترم كرامة الأشخاص، ويكون عادلاً وإنسانياً بالكامل.

وبخصوص الشروط لضمان نجاح التنزيل العملي للمخطط، يأتي في مقدمتها تكوين العاملين على طول سلسلة القيمة، ويرتكز هذا الجانب على المزج بين الرفع من وتيرة التكوينات وإحداث المناصب المالية، مع مجموعة من التدابير الرئيسية.

ومن بينها الرفع من أعداد التكوين الأساسي للأطباء النفسانيين، وأطباء نفس الأطفال، والممرضين المختصين في الصحة النفسية، كما يشمل الرفع من عدد المناصب المالية المخصصة لأطباء نفس الأطفال، وينص المخطط أيضاً على تنزيل برنامج وطني لتكوين الممرضين حول تدبير مشاكل الصحة النفسية ذات الأولوية، بما فيها حالات الطوارئ، كما يتضمن تثمين التكوينات المقدمة للمهنيين الصحيين غير المستشفين عبر الإشهاد والمصادقة على مستويين.

ويهدف الشرط الثاني إلى ضمان استدامة العرض الصحي والإدماج الفعلي للعلاجات ضمن سلة الخدمات المغطاة، ولهذا الغرض، يتضمن المخطط أربعة إجراءات بارزة، تتمثل في تحيين المصنف العام للأعمال المهنية ليشمل جميع الأعمال والتدخلات في مجال الصحة النفسية، كما ينص على تحديد وتحيين التعريفة المرجعية لأعمال الصحة النفسية، وإعداد والمصادقة على البروتوكولات العلاجية للتكفل بمشاكل الصحة النفسية ذات الأولوية.

ويتضمن أيضاً إعداد ونشر الخطوط التوجيهية المتعلقة بالعلاجات النفسية، ويستند المخطط، في مجمله، إلى تغيير في النموذج الفكري المتعلق بالصحة النفسية، من خلال الانتقال من التعامل معها باعتبارها تكلفة سلبية إلى اعتبارها خياراً استراتيجياً منتجاً، بما يجعل الاستثمار فيها جزءاً من الاستثمار في الرأسمال البشري وفي التنمية الاجتماعية والاقتصادية للمغرب في أفق 2030.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا