آخر الأخبار

ثغرة “الزمن الانتخابي”.. كيف يهدد الترحال السياسي ثقة المواطنين في المؤسسات؟

شارك

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تعود ظاهرة الترحال السياسي إلى واجهة النقاش العمومي حول واقع الحياة الحزبية بالمغرب، في ظل انتقال عدد من المنتخبين والمرشحين بين الأحزاب، وما يثيره ذلك من تساؤلات بشأن دوافع هذه التحولات، وحدود فعالية المقتضيات الدستورية والقانونية في الحد منها، وانعكاساتها على الخريطة الانتخابية وعلى ثقة المواطنين في الأحزاب والمؤسسات المنتخبة.

وفي قراءة لهذه الظاهرة، يرى خالد يايموت، الأستاذ بجامعة ظهر المهراز بفاس، والباحث في العلوم السياسية يحيى الصغيري، أن فهم الترحال السياسي لا يستقيم بمعزل عن السياق التاريخي والسياسي الذي نشأت فيه الممارسة الانتخابية بالمغرب، معتبرين أن الظاهرة تتجاوز في أبعادها مجرد انتقال منتخب من حزب إلى آخر، لتكشف عن تحولات أعمق في طبيعة المنافسة الحزبية ومنطق إنتاج النخب السياسية.

المشكلة أعمق من الظاهرة

يربط خالد يايموت جذور الترحال السياسي، في جانب كبير منها، بما يصفه بـ”الرؤية التجارية للسياسة والانتخابات”، وهي رؤية يقول إنها بدأت تتبلور لدى جزء من النخبة السياسية المغربية مع عودة الحياة السياسية بعد مرحلة الاستثناء، ولا سيما منذ سبعينيات القرن الماضي.

وبحسب يايموت، فإن تراكم التجربة الانتخابية أدى، في بعض مظاهرها، إلى تحويل الانتخابات إلى ما يشبه “السوق”، حيث لم يعد الأمر يقتصر على استمالة أصوات الناخبين، بل امتد إلى استقطاب المنتخبين والمرشحين ونقلهم بين الأحزاب، وصولا إلى الغاية النهائية المتمثلة في الحصول على المقاعد داخل المؤسسات المنتخبة.

ومن هذا المنظور، يعتبر يايموت أن الترحال السياسي ليس ظاهرة قائمة بذاتها، وإنما يؤدي وظيفة داخل منظومة انتخابية أوسع، مؤكدا أن الإشكال الأساسي لا يكمن في انتقال السياسيين بين الأحزاب بحد ذاته، بقدر ما يرتبط بالمنطق التجاري الذي يحكم جزءا من العملية الانتخابية.

ويذهب الأكاديمي إلى أن الترحال السياسي يتم، وفق هذه القراءة، خارج الأبعاد الأخلاقية والثقافية والإيديولوجية التقليدية للعمل السياسي، معتبرا أن الظاهرة ليست نتاجا مباشرا للعملية السياسية بقدر ما هي انعكاس لهيمنة منطق آخر عليها.

ويقول يايموت إن ما يحدث يعكس “عملية غير سياسية” تطغى على العملية الانتخابية، ولا يظهر منها سوى “رأس جبل الجليد” المتمثل في الترحال السياسي، فيما تكمن الظاهرة الأعمق في تحول الانتخابات إلى فضاء يصبح فيه المال والنفوذ من المحركات الأساسية للمنافسة.

محاولة دستورية للحد من الترحال

وعلى المستوى الدستوري، يعتبر يايموت أن الفصل 61 من الدستور شكل خطوة متقدمة في اتجاه وضع إطار قانوني للحد من ظاهرة الترحال السياسي، قبل أن تمتد المقتضيات ذات الصلة إلى النظام الداخلي لمجلس النواب.

غير أن التجربة العملية، بحسب قراءته، أظهرت محدودية أثر هذه المقتضيات في القضاء على الظاهرة، موضحا أن فعالية القواعد السياسية لا تتوقف على القانون وحده، وإنما ترتبط أيضا بالثقافة والأخلاق السياسية السائدة.

ويؤكد أن القواعد الدستورية، وإن كانت ذات طبيعة قانونية، ترتبط كذلك بمنظومة من القيم والثقافة السياسية، معتبرا أن استمرار الترحال يعكس، في جزء منه، استمرار منطق يقوم على “البيع والشراء” داخل المجال الانتخابي.

ولا يرى يايموت أن استمرار الظاهرة يتم بالضرورة عبر خرق مباشر للدستور أو القانون، وإنما من خلال نشوء قواعد عملية وأعراف سياسية موازية، تكتسب مع مرور الوقت قوة إلزامية بحكم تكرارها واستمرارها داخل الممارسة السياسية.

ويؤكد أن هذه الأعراف تساهم في إضعاف الأثر العملي للمقتضيات القانونية، سواء في إدارة العملية الانتخابية أو في طريقة اختيار وتقديم المرشحين للاستحقاقات.

من الوجاهة الاجتماعية إلى النفوذ الاقتصادي

وفي السياق نفسه، يعتبر يايموت أن ظاهرة “الأعيان” ليست جديدة على الحياة السياسية المغربية، إذ تعود جذورها إلى ما قبل الاستقلال، غير أن طبيعة الأعيان وأشكال نفوذهم عرفت تحولات لافتة عبر الزمن.

فبعدما كان جزء من هذه النخب يستمد مكانته أساسا من الوجاهة الاجتماعية، برز، وفق يايموت، نمط جديد من الأعيان يستند جزء من نفوذه إلى القوة الاقتصادية، التي يمكن أن تتحول بدورها إلى نفوذ اجتماعي وسياسي.

ويعكس هذا التحول، بحسب الأكاديمي، انتقالا من الوجاهة الاجتماعية إلى الوجاهة الاقتصادية، من خلال أشخاص يمتلكون القدرة على تقديم مساعدات أو مساهمات في مناسبات مختلفة، بما يعزز حضورهم وتأثيرهم داخل محيطهم الاجتماعي.

ويرى يايموت أن هذا النفوذ الاقتصادي قد يتحول، في بعض الحالات، إلى قوة قادرة على التأثير في الإرادة الانتخابية، في ظل احتلال الأعيان موقعا مركزيا داخل العملية الانتخابية.

وبالتالي، أصبحت المعركة بالنسبة إلى عدد من الأحزاب، وفق هذه القراءة، لا تدور فقط حول البرامج والأفكار، وإنما كذلك حول استقطاب الأعيان ونقلهم بين التنظيمات السياسية وضمان مشاركتهم في الاستحقاقات، بالنظر إلى ما يتوفرون عليه من شبكات محلية وقدرات على تعبئة الأصوات والوصول إلى المقاعد البرلمانية.

ويربط يايموت هذه الدينامية كذلك بأزمة الثقة في الأحزاب والانتخابات، معتبرا أن المشهد الحزبي والانتخابي المغربي لم يبلغ بعد مستوى كافيا من العقلنة.
ويشير إلى أن الحديث عن استقرار التحالفات الحزبية وثقة الناخبين ينبغي أن يستحضر خصوصية التجربة المغربية، معتبرا أن ضعف الاستقلالية الحزبية في صناعة القرار يجعل التنبؤ بتحالفات مستقبلية مستقرة أمرا معقدا.

كما يلفت إلى أن بعض استطلاعات الرأي والأبحاث المحدودة التي تناولت مسألة الثقة في المؤسسات والأحزاب أظهرت مستويات ضعيفة من الثقة، وهي إشكالية، بحسبه، لا تهم النخب السياسية وحدها، بل تمتد إلى الدولة والنخب الاقتصادية والثقافية والأكاديمية.

هندسة الخريطة الانتخابية

من جانبه، يرى الباحث في العلوم السياسية يحيى الصغيري أن الترحال الاستباقي أصبح إحدى الأدوات التي تساهم في إعادة هندسة الخريطة الانتخابية قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع.

وأوضح أن الأحزاب لم تعد تتنافس فقط على استمالة الناخبين، بل أصبحت تتنافس أيضا على استقطاب المرشحين الذين يتوفرون مسبقا على ما يسميه “رأسمالا انتخابيا جاهزا”، سواء تعلق الأمر بالأعيان أو المنتخبين المحليين أو أصحاب الشبكات العائلية والمجالية، فضلا عن القدرة على تعبئة الأصوات.ويرى الصغيري أن المشهد بات أقرب إلى “سوق سياسية للمرشحين”، يبحث فيها الحزب عن الشخص القادر على جلب المقعد، بينما يبحث المرشح عن الحزب الذي يوفر له أفضل تزكية وأفضل شروط المنافسة والفوز.

ويؤدي هذا الوضع، بحسب الباحث، إلى تراجع وزن الانتماء السياسي لصالح منطق المردودية الانتخابية، لتصبح المنافسة، في جانب منها، مرتبطة بسؤال من يمتلك الأصوات والنفوذ والقدرة على ضمان المقعد.

الثغرة في الزمن الانتخابي

وفي ما يتعلق بالجانب القانوني، يدعو الصغيري إلى توخي الدقة في توصيف حالات الترحال السياسي، إذ لا يرى أن كل انتقال بين الأحزاب يمثل بالضرورة خرقا مباشرا للفصل 61 من الدستور، وإنما يمكن، في بعض الحالات، أن يكون نتيجة لاستثمار الحدود الزمنية التي وضعها المشرع للمنع.

ويشير إلى أن الفصل 61 يرتب فقدان البرلماني مقعده في حال تخليه عن الحزب الذي ترشح باسمه، أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها، مع تصريح المحكمة الدستورية بذلك.

ويمتد المبدأ نفسه، وفق الصغيري، إلى المنتخبين في الجماعات الترابية والغرف المهنية بموجب المادة 20 من القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية.

غير أن الإشكال، في تقديره، يكمن في أن القانون يحمي الانتداب أكثر مما يحمي الاستقرار الحزبي، إذ يرتب جزاء على التخلي عن الانتماء الحزبي أثناء الولاية، من دون أن يفرض بالضرورة فترة زمنية فاصلة تحول دون انتقال المنتخب الذي غادر حزبا إلى الترشح مباشرة باسم حزب آخر في الاستحقاق الموالي.

ويعتبر الصغيري أن الأمر لا يتعلق، في هذه الحالة، بالإفلات من الجزاء، لأن الاستقالة من الحزب يمكن أن تؤدي فعلا إلى التجريد من المقعد، وإنما قد تتحول إلى كلفة سياسية محدودة إذا تمت في نهاية الولاية، مقابل إمكانية الاستثمار في الاستحقاق الانتخابي المقبل.

ومن ثم، يخلص الباحث إلى أن “الثغرة” الأساسية ليست بالضرورة في النص القانوني نفسه، وإنما في الفجوة بين الزمن الذي ينظمه القانون والزمن الذي تتحرك فيه الحسابات الانتخابية.

من الحزب المناضل إلى “الحزب الانتخابي”

وفي قراءته للتحولات التي يشهدها العمل الحزبي، يربط الصغيري الدافع الأساسي للترحال بانتقال جزء من المنافسة السياسية من التنافس على البرامج والمشاريع إلى التنافس على الموارد الانتخابية.

ويشير إلى أن بعض المنتخبين أصبحوا يغيرون انتماءاتهم الحزبية تبعا لتغير شروط المنافسة الانتخابية، وليس بالضرورة نتيجة تحول في قناعاتهم أو مواقفهم السياسية.

ويعتبر أن هذه الظاهرة تعكس تحولا أعمق في بنية العمل الحزبي، يتمثل، بحسب وصفه، في «موت الحزب المفكر» وتراجع دور المناضل الحزبي، مقابل تنامي نفوذ الآلة الانتخابية.

فبدلاً من أن يصنع الحزب مرشحه من داخل التنظيم، ويواكب مساره وتكوينه وتدرجه السياسي، أصبح، في حالات عديدة، يبحث قبيل الانتخابات عن “المرشح الجاهز” الذي يمتلك القدرة على المنافسة وجلب المقعد.

“الرأسمال الانتخابي” في مواجهة الانتماء الحزبي

ويضيف الصغيري أن الأحزاب تتسابق، قبيل الاستحقاقات، على استقطاب الأعيان وأصحاب النفوذ والجاه والمال، فضلا عن أشخاص لا يستمدون حضورهم السياسي بالضرورة من مشروع حزبي أو مسار نضالي، وإنما من رأسمال انتخابي شخصي.

وقد يتخذ هذا الرأسمال أشكالا متعددة، من بينها شبكة العلاقات المحلية، والنفوذ الاجتماعي، والقدرة المالية، والحضور العائلي والمجالي.
وبحسب الباحث، فإن معيار اختيار المرشح حين يصبح مرتبطا أساسا بقدرته على الفوز، بدل قدرته على تمثيل مشروع سياسي، فإن المشهد ينتقل من نموذج “الحزب الذي ينتج النخب” إلى نموذج “الحزب الذي يستوردها من السوق الانتخابية”.

ويحذر الصغيري من أن أخطر تداعيات الترحال السياسي تكمن في إفراغ الانتماء الحزبي من جزء من معناه، موضحا أن رؤية الناخب لمنتخبين ينتقلون بسهولة من حزب إلى آخر، بالتوازي مع تنافس الأحزاب على استقطابهم، قد تعزز صورة الحزب باعتباره مجرد “مركبة انتخابية”، بدل أن يكون مؤسسة سياسية قائمة على هوية واضحة ومشروع وبرنامج.

أزمة تتجاوز الترحال السياسي

تكشف قراءتا يايموت والصغيري أن الترحال السياسي لا يمكن اختزاله في مجرد انتقال منتخب أو مرشح من حزب إلى آخر، بل ينبغي وضعه ضمن سياق أوسع يرتبط بطبيعة المنافسة الانتخابية وبنية الأحزاب السياسية وآليات إنتاج النخب.

فبالنسبة إلى الصغيري، تتراجع تدريجيا صورة الحزب الذي ينتج النخب ويؤطرها لصالح حزب يبحث عن المرشح القادر على الفوز، بينما يرى يايموت أن الترحال ليس سوى مظهر من مظاهر أزمة أعمق ترتبط بطبيعة الثقافة السياسية والانتخابية السائدة.

وبينما يفرض الفصل 61 من الدستور جزاءً على التخلي عن الانتماء الحزبي أثناء الولاية، يبقى السؤال مطروحا حول مدى قدرة القواعد القانونية وحدها على معالجة ظاهرة تتداخل فيها، وفق هذه القراءات، الثقافة السياسية مع الحسابات الانتخابية وشبكات النفوذ والموارد.

وفي المحصلة، يبدو أن الحد من الترحال السياسي لا يرتبط فقط بتشديد العقوبات أو سد الثغرات القانونية، وإنما يتطلب، قبل ذلك، إعادة بناء الحياة الحزبية على أسس تقوم على البرامج والتكوين والتأطير والانتماء السياسي.

فاستعادة الانتخابات لوظيفتها الأساسية، باعتبارها آلية لترجمة الإرادة الشعبية وإنتاج نخب سياسية ذات مشاريع واضحة، تظل رهينة بالانتقال من منطق استقطاب “الرأسمال الانتخابي” و”المرشح الجاهز” إلى منطق صناعة النخب داخل الأحزاب، وتعزيز الثقة في المؤسسات وفي العملية الديمقراطية برمتها.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا