دعا النقيب السابق لهيئة المحامين بالرباط، عبد الرحيم الجامعي، جمعية هيئات المحامين بالمغرب إلى إنهاء التوقف عن تقديم الخدمات المهنية والعودة إلى المكاتب والمحاكم، معتبرا أن استمرار هذا الشكل الاحتجاجي، بعد نشر القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، لم يعد أداة حاسمة لتغيير القانون، وقد يتحول إلى عامل يهدد وحدة الجسم المهني.
وجاء موقف الجامعي في رسالة وجهها، في 22 غشت الجاري، إلى رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب وأعضاء مجلسها، بالتزامن مع احتدام النقاش داخل صفوف المحامين بشأن القرار الذي يتعين اتخاذه خلال المرحلة الجديدة التي أعقبت صدور قرار المحكمة الدستورية ونشر قانون المهنة في الجريدة الرسمية.
وطرح النقيب السابق أمام المؤسسات المهنية خيارين؛ يتعلق الأول باستمرار التوقف عن تقديم الخدمات داخل المحاكم، فيما يقوم الثاني على العودة إلى المكاتب واستئناف الممارسة المهنية، داعيا إلى إخضاع الخيارين لنقاش جماعي ينطلق من واقع المهنة ومستقبلها وموازين القوة التي أفرزتها التطورات الأخيرة.
وقال الجامعي إن المؤسسات المهنية أصبحت مطالبة باتخاذ قرار واضح ومعلل، يستحضر استقلال المحاماة وحرية ممارستها وحصانتها، إلى جانب انتظارات ما يزيد على 18 ألف محامية ومحام، فضلا عن مصالح المتقاضين والمرتفقين المتضررين من استمرار توقف الخدمات.
واعتبر أن سنة 2026 ستظل محطة استثنائية في تاريخ المحاماة بالمغرب، بالنظر إلى حجم التعبئة التي خاضها المحامون طيلة أشهر، دفاعا عن مهنتهم واستقلالها وعن موقع الدفاع داخل منظومة العدالة، مشيرا إلى أن الاحتجاجات حافظت على وحدة الصف والانضباط، وامتدت إلى المحاكم والساحات العمومية والمنابر الإعلامية.
وسجل الجامعي أن المحامين وهيئاتهم تمكنوا، خلال هذه المرحلة، من صناعة حدث مهني ومجتمعي وسياسي غير مسبوق، بعدما استمروا في التعبئة مدة طويلة من دون انهيار أو انشقاق، وأظهروا، بحسب تعبيره، قدرة كبيرة على التنظيم والتجاوب مع المبادرات التي دعت إليها جمعية هيئات المحامين.
ورأى أن هذه التعبئة حققت مكسبا معنويا لا يمكن إنكاره، يتمثل في وحدة المحامين ومؤسساتهم، وإبراز قدرتهم على التحرك الجماعي دفاعا عن مكانة المهنة داخل منظومة العدالة، مؤكدا أن تقييم الاحتجاج لا ينبغي أن يقتصر على ما إذا كان قد نجح في وقف صدور القانون من عدمه.
وفي مقابل إشادته بما حققته الحركة الاحتجاجية، تساءل الجامعي عما إذا كان استمرار التوقف عن تقديم الخدمات ما يزال يمثل وسيلة فعلية لتغيير القانون أو إسقاطه، معتبرا أن المرحلة التي أعقبت نشر النص في الجريدة الرسمية تفرض إعادة تقييم الأدوات والانتقال إلى منهجية جديدة في تدبير الصراع المهني.
وأكد النقيب السابق أن خيار العودة إلى المكاتب والمحاكم، بعد دخول القانون حيز التنفيذ، يعبر عن نضج مهني وتقدير مسؤول لطبيعة المرحلة، ولا يشكل إساءة إلى المحاماة أو إضرارا بالمحامين، رغم صعوبة الاختيار بين مواصلة التوقف واستئناف العمل.
وشدد على أن وقف التوقف عن تقديم الخدمات لا يعني الهزيمة أو التراجع عن المطالب، موضحا أن التضحيات التي قدمها المحامون خلال أشهر لا يمكن اختزالها في نتيجة تشريعية واحدة، بعدما نجحت الحركة في توحيد الصف وخلق وعي جماعي غير مسبوق داخل واحدة من المهن الأساسية المكونة لمنظومة العدالة.
واعتبر أن العودة إلى ممارسة المهام المهنية تجسد مسؤولية المحامين تجاه مهنتهم وقيم العدالة وضمانات المحاكمة، إلى جانب مسؤوليتهم تجاه المتقاضين والمرتفقين ومصالحهم، مؤكدا أن المحامين يظلون معنيين بتطبيق القانون والتصدي لمقتضياته التي يرون أنها تمس الحقوق والحريات، حتى إذا كانوا يعتبرون القانون الجديد “فاسدا”.
واستحضر الجامعي في هذا السياق تجارب سابقة قاد فيها المحامون معارك قانونية وحقوقية طويلة الأمد، من بينها المطالبة بإلغاء ظهير “كل ما من شأنه”، الذي استمر العمل به عقودا قبل نسخه، معتبرا أن تغيير القوانين لا يتحقق دائما من خلال الاحتجاج المباشر، بل قد يتطلب نفسا طويلا ومرافعات ومبادرات تشريعية وسياسية متواصلة.
وحذر من أن استمرار التوقف في صيغته الحالية أصبح “دون أفق”، ولم يعد العامل الحاسم في تغيير القانون، بل قد يفتح الباب أمام تمزق صفوف المحامين وتصاعد الانقسامات والمزايدات بينهم، خصوصا في غياب برنامج جديد يراعي الوضع الذي نشأ بعد نشر القانون ودخوله حيز التنفيذ.
واعتبر الجامعي أن مواصلة تعليق الخدمات قد تؤدي إلى خلق “أزمة مضادة” داخل الجسم المهني، وتقلب موازين القوة ضد المحامين، بدلا من تعزيز موقفهم في مواجهة الحكومة والسلطة والأطراف التي يتهمها باستهداف استقلال المهنة وإضعاف موقعها داخل منظومة العدالة.
ودعا، بناء على ذلك، مجلس الجمعية والنقباء إلى اختيار ما وصفه بالاتجاه الأقل خطرا، والمتمثل في وقف التوقف والعودة إلى المكاتب والمحاكم، ولو لمدة زمنية محددة سلفا، على أن يظل خيار تعليق الخدمات من جديد مطروحا متى توفرت شروطه وقررت المؤسسات المهنية اللجوء إليه.
وأكد أن استئناف العمل لا ينبغي أن يُفهم باعتباره طيا للملف أو إغلاقا للمسار النضالي، بل خطوة مرحلية تتيح للمحامين إعادة ترتيب أوراقهم وبناء استراتيجية جديدة للتعامل مع القانون رقم 66.23 وتداعياته المهنية والحقوقية.
واقترح الجامعي أن تعلن جمعية هيئات المحامين أن العودة إلى المكاتب والمحاكم ستكون محددة زمنيا، وأن تحتفظ بإمكانية استئناف تعليق الخدمات بعد تجديد المؤسسات المهنية وانتخاب قياداتها، إذا تبين أن الظروف تستدعي العودة إلى هذا الخيار.
كما دعا الجمعية والهيئات إلى إعداد نص قانوني بديل أو صياغة تعديلات على القانون الجديد، بهدف تقديمها إلى الحكومة المنتظرة بعد الانتخابات التشريعية وإلى وزير العدل المقبل، بدلا من الاكتفاء برفض القانون من دون توفير بديل تشريعي متكامل.
وشملت مقترحات الجامعي كذلك فتح قنوات واسعة للحوار مع الفاعلين السياسيين والحقوقيين والحزبيين، ووضع مخطط تواصلي وإعلامي يتناسب مع حجم الملف، إلى جانب الحفاظ على التعبئة داخل الجسم المهني واستمرار النقاش بين مختلف الحساسيات النسائية والشبابية والمهنية.
وطالب بأن يجري هذا النقاش في مناخ يحترم اختلاف الآراء، بعيدا عن التخوين والتجريح، مؤكدا أنه إذا قررت مؤسسات المحامين إنهاء التوقف واستئناف العمل، فلا يجوز وصف قرارها بالخيانة أو الانبطاح أو الهروب أو الانهزام، لأن مثل هذه الاتهامات تمثل إساءة إلى مؤسسة مهنية منتخبة يتعين احترام قراراتها حتى عند الاختلاف معها.
وربط النقيب السابق دعوته إلى العودة للعمل أيضا باقتراب الانتخابات المهنية، معتبرا أن المحامين مطالبون بالتفرغ لمناقشة أوضاع مهنتهم وإعداد برامج قادرة على مواجهة تحديات المرحلة السابقة واللاحقة لصدور القانون رقم 66.23.
ودعا إلى تغيير صورة الانتخابات المهنية وإبعادها عن المناورات والكواليس والولائم والوعود وشراء الذمم، وهي ممارسات قال إنها ليست عامة، لكنها تظهر على نطاق واسع خلال عدد من الاستحقاقات داخل الهيئات.
وأعرب الجامعي عن تطلعه إلى أن تفرز انتخابات الفترة الممتدة بين سنتي 2027 و2029 قيادات لا يقتصر هدفها على الوصول إلى مقاعد المؤسسات المهنية، بل تمتلك رؤية واضحة لمستقبل المحاماة، وتستطيع استثمار الرأسمال البشري والوحدة والتعبئة التي أظهرها المحامون خلال احتجاجاتهم.
وتأتي رسالة الجامعي في سياق اجتماع استثنائي لمجلس جمعية هيئات المحامين بالمغرب، تقرر عقده يوم الخميس 27 غشت بنادي المحامين بالسويسي في الرباط، بعد تقديم موعده من الخامس من شتنبر، لمناقشة مستجدات قانون المهنة وتحديد الخطوات التي ستتخذها الجمعية خلال المرحلة المقبلة.
وكان مكتب الجمعية قد قرر، يوم 18 غشت، مواصلة الامتناع عن تقديم الخدمات المهنية وتعليق العمل بنظام المساعدة القضائية، قبل أن يصدر القانون رقم 66.23 في الجريدة الرسمية بتاريخ 20 غشت ويدخل حيز التنفيذ.
وجاء نشر القانون عقب قرار المحكمة الدستورية القاضي بتعذر البت في الإحالة المتعلقة بمدى مطابقته للدستور، بسبب عدم إرفاق رسالة الإحالة بنسخة مطابقة لأصل النص النهائي الذي وافق عليه البرلمان، من دون أن تصدر المحكمة حكما يؤكد دستورية مضامين القانون أو يقضي بمخالفتها للدستور.
المصدر:
العمق