دخل مشروع قانون إسباني يقضي بتسهيل حصول الصحراويين المولودين في الصحراء المغربية خلال فترة الإدارة الإسبانية على الجنسية الإسبانية، مرحلة جديدة وحاسمة في مساره التشريعي، بعدما صادقت لجنة العدل بمجلس النواب الإسباني على تقرير المشروع، في انتظار عرضه على الجلسة العامة للكونغرس ثم إحالته إلى مجلس الشيوخ.
ويكشف تقرير لجنة العدل (Dictamen) الصادر في 7 غشت الجاري، والذي تحصلت “العمق المغربي” على نسخة منه، تفاصيل الصيغة التي انتهى إليها المشروع بعد إدخال عدد من التعديلات خلال مناقشته برلمانيا.
ويكتسي المشروع حساسية خاصة بالنسبة للمغرب، بالنظر إلى أن الفئة المستهدفة بالنص مرتبطة بسكان الصحراء المغربية، التي يعتبرها المغرب جزءا من ترابه الوطني، في وقت تقدم فيه الجهات الإسبانية الداعمة للمبادرة النص باعتباره معالجة لوضع تاريخي مرتبط بفترة الإدارة الإسبانية للإقليم.
وخلافا لما قد توحي به بعض العناوين المتداولة، فإن الجنسية الإسبانية لم تمنح بعد بموجب هذا النص، كما أن المشروع لم يدخل حيز التنفيذ.
فالمعروض حاليا هو تقرير لجنة العدل في مجلس النواب الإسباني بشأن مقترح قانون يحمل الرقم 122/000072، بعدما صادقت عليه اللجنة في 23 يوليوز الماضي بأغلبية 19 صوتا مقابل 3 أصوات ضد و15 امتناعا.
وبحسب الكونغرس الإسباني، يتعين أن يناقش النص ويصوت عليه في الجلسة العامة قبل مواصلة مساره في مجلس الشيوخ.
وكان مشروع القانون قد قدمها الفريق البرلماني متعدد القوميات “سومار”، قبل أن تقطع عدة مراحل داخل مجلس النواب، حيث وافق المجلس في فبراير 2025 على أخذها بعين الاعتبار، قبل أن يتم إسناد مناقشتها إلى لجنة العدل.
وتشير تقارير إعلامية إسبانية إلى أن التصويت في الجلسة العامة للكونغرس متوقع في شتنبر، مع تداول تاريخ 10 شتنبر موعدا محتملا لذلك، قبل انتقال النص إلى مجلس الشيوخ في حال المصادقة عليه.
جنسية بلا شرط الإقامة
جوهر المشروع يتمثل في اعتماد آلية “الجنسية عن طريق بطاقة التجنيس” (Carta de Naturaleza) لفائدة الصحراويين المولودين في الصحراء المغربية قبل 29 شتنبر 1977.
وتعتبر هذه الآلية استثنائية في القانون الإسباني، إذ ينص النص المقترح على اعتبار الظروف الاستثنائية اللازمة للاستفادة منها متوفرة بالنسبة إلى هذه الفئة، حتى في حال عدم توفر الإقامة القانونية في إسبانيا.
ويحدد النص بشكل صريح تاريخ 29 شتنبر 1977 كحد فاصل للاستفادة، وهو تاريخ يرتبط بدخول مرسوم إسباني سابق بشأن خيار الجنسية لفائدة سكان الصحراء حيز التنفيذ، في وقت كانت فيه الإدارة الإسبانية قد غادرت الإقليم.
ويشير التقرير إلى أن مرسوم 10 غشت 1976 كان قد فتح آنذاك إمكانية اختيار الجنسية الإسبانية أمام من تتوفر فيهم شروط معينة خلال سنة، غير أن مغادرة الإدارة الإسبانية للإقليم جعلت ممارسة هذا الحق فعليا أمرا متعذرا، وهو ما استندت إليه أيضا أحكام سابقة للمحكمة العليا الإسبانية.
ولا يضع النص مسطرة إثبات واحدة، بل يعتمد مجموعة واسعة من الوثائق التي يمكن استخدامها لإثبات ولادة الشخص في الصحراء خلال الفترة المحددة.
ومن بين وسائل الإثبات الواردة في تقرير اللجنة: بطاقة الهوية الوطنية الإسبانية، حتى وإن كانت منتهية الصلاحية، مع التحقق من الهوية من طرف الشرطة الإسبانية، إلى جانب وثيقة التسجيل في تعداد الاستفتاء الخاص بالصحراء المغربية والمصادق عليها من الأمم المتحدة.
كما أتاح المشروع الإثبات بشهادة الميلاد المصادق عليها أو الموثقة وفق الإجراءات المعمول بها، أو شهادة الميلاد أو دفتر العائلة أو وثائق تثبت صفة موظف عمومي صادرة عن الإدارة الإسبانية في الصحراء، إلى جانب شواهد التمدرس، وثائق المعاشات، رخصة السياقة الإسبانية، شهادات الاستشفاء والعلاج الطبي، وأي وثيقة أخرى صادرة عن سلطة إدارية إسبانية تثبت الولادة في الصحراء قبل التاريخ المحدد.
كما ينص النص على إخضاع الوثائق الأجنبية، عند الاقتضاء، للتصديق أو المصادقة الدبلوماسية وترجمتها إلى الإسبانية.
أبناء المستفيدين
ولا يتوقف أثر المشروع عند الأشخاص المولودين في الصحراء خلال الفترة المحددة، إذ يفتح النص أيضا الباب أمام الأبناء المباشرين من الدرجة الأولى للأشخاص الذين يحصلون على الجنسية الإسبانية بموجب القانون.
ويمنح هؤلاء مدة خمس سنوات، ابتداء من تسجيل اكتساب أحد الوالدين للجنسية الإسبانية في السجل المدني، من أجل اختيار الجنسية الإسبانية.
وبذلك، فإن نطاق المستفيدين المحتملين لا يقتصر على الجيل الذي عاش خلال فترة الإدارة الإسبانية، بل يمكن أن يمتد إلى الجيل التالي وفق الشروط التي حددها النص.
ويقترح المشروع إعفاء طلبات اكتساب الجنسية من أي رسوم، مع منح المعنيين مدة ثلاث سنوات لتقديم طلباتهم ابتداء من دخول القانون حيز التنفيذ، كما يسمح النص بتمديد هذه المدة لسنة إضافية بقرار من الوزارة المختصة بالعدل.
وتتولى المديرية العامة للأمن القانوني والإيمان العام بوزارة العدل الإسبانية معالجة الطلبات، مع إلزامها بطلب تقارير من الجهات المختصة بوزارة الداخلية ووزارة العدل، وإصدار القرار في أجل أقصاه سنة من تاريخ توصلها بالطلب.
ولا يعني انقضاء السنة دون صدور قرار قبولا ضمنيا، إذ ينص المشروع على اعتبار الطلب مرفوضا في حالة عدم صدور قرار صريح خلال الأجل.
كما لا يقتصر المشروع على مسطرة التجنيس الاستثنائية، بل يقترح أيضا تعديل المادة 22 من القانون المدني الإسباني.
وبموجب الصيغة المقترحة، سيدرج الصحراويون ضمن الفئات التي يكفيها عامان من الإقامة القانونية في إسبانيا للحصول على الجنسية عن طريق الإقامة، بدلا من القاعدة العامة المحددة في عشر سنوات.
ويضع النص الصحراويين، في هذا الجانب، ضمن الفئات التي تستفيد من المدة المختصرة نفسها المطبقة على مواطني عدد من البلدان والمجموعات التي تعتبر ذات ارتباط تاريخي أو ثقافي خاص بإسبانيا.
“الارتباط التاريخي بالصحراء”
وتكشف دباجة تقرير لجنة العدل عن الأساس التاريخي الذي بنت عليه المبادرة حجتها، أن النص يستعيد مرحلة الإدارة الإسبانية للصحراء المغربية، ويشير إلى أن الإقليم كان يتمتع، في مرحلة معينة، بوضع مقاطعة إسبانية، وأن سكانه كانوا يحملون وثائق هوية إسبانية ويتمتعون بمجموعة من الحقوق والامتيازات المرتبطة بذلك الوضع.
كما يتحدث التقرير صراحة عن “الروابط التاريخية” بين الصحراء وإسبانيا، وعن استمرار الروابط اللغوية والثقافية، ويعتبر أن القانون يأتي في إطار ما يصفه بـ”تعزيز” تلك الروابط.
وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط حساسية في النص، إذ لا يتعامل المشروع مع الجنسية باعتبارها مجرد مسطرة إدارية، وإنما يؤسسها على قراءة تاريخية للعلاقة بين إسبانيا وسكان الصحراء المغربية.
وتتحدث الجهات الداعمة للمشروع عن إمكانية استفادة عشرات الآلاف من الصحراويين منه، إذ قدرت مصادر مرتبطة بـ”سومار” العدد بنحو 80 ألف شخص.
في المقابل، نشرت وسائل إعلام إسبانية تقديرات أعلى، فقد تحدثت صحيفة “إنفوباي” عن إمكانية وصول عدد المستفيدين إلى نحو 130 ألف شخص، ما يعكس عدم وجود رقم رسمي نهائي لعدد المستفيدين المحتملين في هذه المرحلة.
ملف شائك مع الرباط
بالنسبة إلى الرباط، لا يتعلق الأمر بمجرد تعديل تقني في قانون الجنسية الإسباني، بل بنص يرتبط مباشرة بملف الصحراء وبالطريقة التي تقارب بها إسبانيا الإرث القانوني والسياسي لفترة إدارتها للإقليم.
ويستند المغرب في موقفه إلى أن الصحراء جزء من ترابه الوطني وأن سكان الأقاليم الجنوبية مواطنون مغاربة، وبالتالي فإن تخصيص تشريع إسباني لفئة تعرف في النص باسم “الصحراويين” ومنحها مسارا استثنائيا نحو الجنسية الإسبانية يمكن أن يثير أسئلة سياسية تتجاوز البعد الإداري للمشروع.
كما أن حساسية النص ترتبط بكون مقدمته تستحضر بصورة مباشرة تاريخ الإدارة الإسبانية للإقليم، وتصف الروابط التاريخية والثقافية بين إسبانيا و”الشعب الصحراوي”، وهي صياغات قد تحمل، من منظور الرباط، أبعادا سياسية في سياق نزاع الصحراء.
وقد مر المشروع بمسار سياسي غير سلس داخل الكونغرس، فقد ظل لفترة طويلة دون حسم، قبل أن يتحرك مجددا خلال 2026، فيما كان موقف الحزب الاشتراكي الإسباني من أبرز عناصر النقاش السياسي حوله.
وفي التصويت داخل لجنة العدل في 23 يوليوز، حصل المشروع على 19 صوتا مؤيدا، مقابل 3 أصوات رافضة و15 امتناعا، حيث صوت الاشتراكيون لصالحه، بينما اختار الحزب الشعبي وحزب “جونتس” الامتناع، في حين صوت “فوكس” ضد النص.
وكانت وسائل إعلام إسبانية قد أشارت، قبل التصويت، إلى أن الحزب الاشتراكي حاول إدخال تعديلات على الصياغة، من بينها حذف إشارات إلى “الشعب الصحراوي”، في محاولة لتجنب زيادة حساسية الملف في علاقات إسبانيا مع المغرب.
وبعد مصادقة لجنة العدل، أصبح النص جاهزا للانتقال إلى الجلسة العامة، لكنه لا يزال بحاجة إلى المرور بالمراحل التشريعية المتبقية قبل أن يتحول إلى قانون نافذ.
المحطة المقبلة ستكون في مجلس النواب الإسباني، حيث يرتقب أن يناقش النص ويصوت عليه في شتنبر، مع تداول يوم 10 شتنبر موعدا متوقعا للتصويت.
وفي حال موافقة الكونغرس، سينتقل المشروع إلى مجلس الشيوخ، حيث قد يواجه مرحلة جديدة من النقاش والتعديلات قبل استكمال مساره التشريعي.
وأشارت تحليلات إعلامية إسبانية إلى أن تركيبة مجلس الشيوخ، التي يتمتع فيها الحزب الشعبي بثقل كبير، قد تجعل المرحلة المقبلة أكثر تعقيدا.
أما في حال إقراره نهائيا ونشره في الجريدة الرسمية الإسبانية، فإن النص الذي تتوفر عليه “العمق” ينص على دخوله حيز التنفيذ بعد أربعة أشهر من نشره في الجريدة الرسمية.
المصدر:
العمق