أكد أمين السعيد، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، أن معالجة ظاهرة الترحال السياسي لا تكمن في محاولة القضاء النهائي عليها لتعارض ذلك بشكل مباشر مع مبدأ دستوري أصيل يضمن حرية الانتماء بل تستوجب التخفيف من الترحال الانتهازي الذي يبحث عن مواقع أفضل عبر قيام الأحزاب السياسية بمراجعة أنظمتها الداخلية وفرض شروط صارمة وشفافة كاشتراط سنة كاملة من العضوية قبل منح التزكية لمنع تحول الأسابيع التي تسبق الانتخابات إلى سوق مفتوحة لاستقدام كائنات انتخابية جاهزة على حساب تهميش الكفاءات والمناضلين الحقيقيين.
وأوضح الخبير الدستوري في تصريح أدلى به لجريدة العمق أن ظاهرة السياحة السياسية أو الميركاتو السياسي ليست وليدة المرحلة الراهنة أو مرتبطة بانتخابات 2026 بل رافقت التجربة الانتخابية المغربية وظلت حاضرة منذ سنة 1963 وشهدت محاولات مبكرة للضبط منذ سنة 1998 حين حاول مجلس المستشارين معالجتها داخليا لتصطدم بقرار للمجلس الدستوري يحمي حرية الانتماء النقابي والسياسي مبرزا أن تاريخ الظاهرة يعكس في العمق تاريخ البحث عن التوازن الدقيق بين حماية الحرية السياسية للفرد وحماية الإرادة الانتخابية التي أنتجت التمثيلية داخل المؤسسات المنتخبة.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن النقاش التشريعي والسياسي عاد بقوة بين سنتي 2007 و2011 مع تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة وتنامي الهجرة شبه الجماعية للمنتخبين نحوه ما دفع المشرع حينها لفرض عقوبات مالية على الرحل عبر تعديل قانون الأحزاب وهي مقاربة ظلت محدودة الأثر لكونها لا تمس مصلحة المنتخب الأساسية المتمثلة في الاحتفاظ بمقعده قبل أن يحدث التحول النوعي الفعلي مع دستور 2011 الذي طوق الظاهرة عبر الفصل الحادي والستين المقر بتجريد البرلماني من مقعده بقرار للمحكمة الدستورية في حال تخليه عن انتمائه.
وأضاف الأستاذ الجامعي أن هذا المنطق الدستوري الصارم امتد ليشمل مجالس الجماعات الترابية والغرف المهنية عبر مساطر القضاء الإداري استنادا إلى المادة العشرين من القانون التنظيمي للأحزاب ما جعل كلفة الترحال تمس صفة العضوية الانتدابية وتحمي إرادة المواطنين مبينا أن المشرع ورغم نجاحه الكبير في محاصرة الظاهرة داخل الولاية الانتخابية فإنه يواجه اليوم ثغرة قانونية حقيقية تتجلى في الترحال وإعادة التموضع الذي يحدث في الأمتار الأخيرة من عمر الولاية الانتدابية أو في الفترة الفاصلة بين ولايتين حيث يعجز القانون عن منع هذا الميركاتو السياسي.
وتابع المصدر نفسه تفكيكه للظاهرة مؤكدا أنها أفرزت تحولا خطيرا في طبيعة العلاقة بين الأحزاب والمرشحين حيث تخلت بعض التنظيمات عن دورها الكلاسيكي في تأطير المواطنين وإنتاج النخب وتصعيد القيادات لتتحول إلى مجرد مستوردة تبحث بلهفة عن أشخاص يمتلكون نفوذا ماليا واقتصاديا وامتدادات عائلية وقبلية وشبكات علاقات واسعة يشكلون كائنات انتخابية جاهزة تضمن الفوز السهل لتصبح سلطة هؤلاء الأشخاص في أحيان كثيرة أقوى من سلطة الحزب نفسه الذي بات مجرد أداة للحصول على مقاعد إضافية.
ولفت السعيد الانتباه إلى التداعيات الوخيمة لهذا التحول المصلحي على ثقة الناخبين والمشاركة الانتخابية موضحا أن المواطن عندما يرى مرشحين يغيرون ألوانهم الحزبية وفق حسابات ضيقة ويسجل وضعية غير متكافئة بين مناضل قضى سنوات بالحزب ومستقطب حديث تتأسس لديه قناعة سلبية بأن السياسة ترتبط بالمصالح الشخصية وليس بالبرامج مما يغذي العزوف الانتخابي ويفقده الدافع للمشاركة مبرزا أهمية الانتقال التدريجي نحو تكريس ثقافة التصويت السياسي القائم على اختيار الحزب والبرنامج والحصيلة عوض التصويت على الأشخاص والعلاقات العابرة.
وكشف الخبير في العلوم السياسية عن حزمة حلول تنظيمية وتشريعية تتجاوز الشروط الداخلية للأحزاب مقترحا الشروع في نقاش دستوري وقانوني هادئ لدراسة فكرة ضبط المسافة الزمنية الفاصلة بين الاستقالة من حزب سياسي والحصول على تزكية حزب آخر قبيل الاستحقاقات دون المساس بحرية الترشح إلى جانب المطالبة بتسريع مسطرة التجريد من العضوية بالمجالس الترابية لضمان الفعالية الردعية للعقوبة وعدم تأخر أثرها مع التمسك الدائم باحترام حقوق الدفاع وضمانات التقاضي لضمان التوازن المطلوب بين فعالية الجزاء وحماية الحقوق.
وخلص المتحدث إلى أن جميع الحلول التشريعية والقانونية المقترحة ستظل قاصرة ومحدودة الأثر ما لم تتم معالجة المشكلة من جذورها المتمثلة في العجز البنيوي للأحزاب عن إنتاج نخبها الخاصة مشددا على أن الحد من الميركاتو السياسي يتطلب ضرورة عودة الحزب لوظيفته الأصلية كمدرسة فعلية تؤطر المواطنين وتكون الشباب وتتوج مسارات مناضليها بالتزكيات المستحقة لأن الديمقراطية الحقيقية تحتاج إلى جانب الانتخابات النزيهة إجرائيا أحزابا قوية ومؤسسات منتخبة تعكس الإرادة الفعلية المعبر عنها في صناديق الاقتراع.
المصدر:
العمق