أكد عبد الوهاب الكاين المحلل السياسي والخبير في قضايا الصحراء المغربية أن التناول الإعلامي الجزائري للأحداث الواقعة في مدينة سبتة والمتعلقة باندلاع أزمة الحدود الشمالية للمغرب تحول بفعل جغرافيا الصراع الإقليمي وتاريخه إلى مناسبة لإعادة تدوير خطابات قديمة بأدوات جديدة.
وأوضح الخبير في قضايا الصحراء المغربية أن الأحداث الأخيرة في سبتة المحتلة لم تخرج عن هذه القاعدة حيث سارعت بعض الأصوات الإسبانية اليمينية والجزائرية الرسمية وشبه الرسمية إلى استغلال الحادثة كفرصة سانحة لإعادة تقديم المغرب في صورة الطرف التوسعي المسؤول عن زعزعة الاستقرار الإقليمي.
واعتبر المتحدث ذاته أن هذا التأطير ليس وليد اللحظة بل يشكل امتدادا لمسار طويل من محاولات تحجيم الحضور المغربي في محيطه الإقليمي والدولي غير أنه يكتسب هذه المرة بعدا لافتا يتمثل في الصعود المفاجئ لناشط في صفوف جبهة البوليساريو بالديار الإسبانية يدعى الطالب علي سالم.
وأضاف المحلل السياسي أن هذا الناشط بدأ يظهر في منابر إعلامية إسبانية وجزائرية بصفته محللا سياسيا وناشطا صحراويا حاملا خطابا يتقاطع تماما مع الأطروحة الجزائرية التقليدية لكن بلغة تحاول التموضع داخل النقاش الإسباني حول مدينتي سبتة ومليلية بدل الاقتصار على ملف الصحراء المغربية وحده.
وأشار المصدر نفسه إلى أنه لا يمكن فهم الجدل الحالي بمعزل عن الحقيقة الجغرافية والتاريخية الثابتة المتمثلة في مغربية المدينتين اللتين تقعان في الشمال الإفريقي ضمن التراب المغربي وتخضعان لاحتلال إسباني يعود إلى قرون خلت في وضعية أقرب ما تكون إلى نموذج الاستعمار الاستيطاني الوحيد المتبقي في القارة الإفريقية.
وتابع الكاين أن هذا الوضع القانوني والتاريخي لا يحتمل كثيرا من الجدل في الأدبيات المتعلقة بإنهاء الاستعمار لكون الأمم المتحدة نفسها أدرجت لعقود مدنا وأقاليم مشابهة ضمن لوائح الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي أو موضع مطالبات إنهاء استعمار وإن كانت سبتة ومليلية تحظيان بمعاملة سياسية استثنائية بسبب موقعهما داخل الاتحاد الأوروبي.
وأبرز الخبير أن المفارقة الأولى التي يفرضها المشهد الحالي تتجلى في كون النقاش حول سبتة ومليلية حين يتصاعد يدار غالبا بمنطق أمني بحت يتعلق أساسا بملفات الهجرة والحدود والتهريب بعيدا عن جوهر القضية بوصفها ملف تصفية استعمار لم يكتمل وهو ما يفتح الباب أمام توظيفات سياسية متعددة الاتجاهات.
وسجل المحلل أن هذه القضية بقدر ما يمكن أن تستحضر لإحراج إسبانيا وتذكيرها بالتناقض بين خطابها عن السيادة الإقليمية وممارساتها الاستعمارية المتبقية بقدر ما يمكن أيضا تحويرها لخدمة أطراف ثالثة لا علاقة مباشرة لها بالملف وهو ما يحدث الآن مع إقحام قضية الصحراء المغربية في صلب النقاش حول سبتة.
وبين المتحدث أن الاسم الذي برز فجأة في التغطيات الإعلامية الإسبانية والجزائرية لأحداث سبتة ليس شخصية جديدة كليا على المشهد لكن الجديد يكمن في موقعه ووظيفته حيث يقدم الآن كمحلل سياسي محايد ذي خلفية صحراوية يعلق على شأن لا علاقة مباشرة له به من الناحية الجغرافية أو القانونية بدل ظهوره المعتاد في سياقات مرتبطة حصرا بملف الصحراء.
وكشف المصدر أن هذا الانزياح في الوظيفة الإعلامية يعكس منطقا واضحا تلجأ من خلاله الجزائر عبر وسطاء وأصوات مستقلة ظاهريا إلى محاولة توسيع رقعة الأصوات المعادية للمغرب لتشمل قضايا جديدة لم تكن جزءا تقليديا من استراتيجيتها الإعلامية عبر آلية اشتغال تقوم على ثلاث خطوات متكاملة.
وفصل الخبير في هذه الخطوات مبينا أن الأولى ترتكز على مسألة الشرعنة عبر السياق بإدخال الناشط الانفصالي إلى نقاش سبتة لمنحه شرعية الحديث عن قضية ذات حساسية أوروبية مباشرة ومحاولة منحه منصة أوسع وجمهورا أكبر بينما تنطوي الخطوة الثانية على تعميم الاتهام بجعله صوتا يحذر من التوسع المغربي رغم اختلاف الطبيعة القانونية والتاريخية بين الملفين.
وأردف الكاين أن الخطوة الثالثة والأهم تروج لتحييد الجزائر من المعادلة بجعل الحديث يدور حول مغرب توسعي في مواجهة إسبانيا ضحية وصحراويين مهددين والعمل على إخفاء الجزائر تماما من المشهد كطرف في الصراع رغم كونها الفاعل الأكبر في تأجيج الأزمة سياسيا ولوجستيا ودبلوماسيا معتبرا أن هذا التمويه هو جوهر الوظيفة الاستراتيجية لهذه الأصوات.
وأكد المحلل السياسي أن الخطاب الجزائري المعادي للمغرب يشتغل منذ عقود عبر قنوات متعددة تشمل الاتحاد الإفريقي وبعض دوائر البرلمان الأوروبي ومنظمات حقوقية فضلا عن صحافة استقصائية ووسائل إعلام يمينية متطرفة ميزها استثمار الأزمة الإسبانية المغربية تحديدا بدل الاكتفاء بالقنوات التقليدية في السياق الحالي.
واعتبر المتحدث أن هذا الاختيار ليس عشوائيا لكون إسبانيا توفر أرضية خصبة وجاهزة لالتقاط أي خطاب يحذر الرأي العام الإسباني من الجار الجنوبي بحكم الجوار الجغرافي المباشر مع سبتة ومليلية ووجود تيار سياسي يميني قوي يتبنى خطابا معاديا للمغرب لأسباب تتعلق بالهجرة والحدود والمنافسة الاقتصادية.
وأوضح الخبير أن حكام الجزائر لا يحتاجون لبناء هذا الخطاب من الصفر بل يكفيهم إلحاق صوت صحراوي ليمنحه غطاء إضافيا لدعم أطروحة الجزائر المتعلقة بالانفصال لتصبح المعادلة الإعلامية أكثر إقناعا لجمهور لا يعرف تفاصيل ملف الصحراء مبرزا أن الخطاب تغيرت واجهته فقط ليقدم بصوت مستقل مرتبط بقضية أوروبية بدل تقديمه بصوت جزائري رسمي يسهل تحييد تأثيره.
وأشار المصدر ذاته إلى أن الجزائر التي بنت جزءا أساسيا من هويتها السياسية وشرعيتها الدولية على إرث ثورة التحرير ومبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها تسقط في مفارقة كبرى حين تصرف هذا الموقف بانتقائية مبالغ فيها وتغيب كصوت رسمي عن أي مطالبة جدية بإنهاء الاحتلال الإسباني لمدينتين مغربيتين.
وشدد المحلل على أن الأذرع الإعلامية الجزائرية تذهب إلى أبعد من ذلك بتوظيف أزمة سبتة ومليلية لخدمة سردية معادية للمغرب الذي يفترض أن يكون الضحية في معادلة مناهضة الاستعمار مفسرا ذلك بأن الجزائر لا تنظر إلى المدينتين كقضية مبدأ بل كأداة تكتيكية ضمن صراع أوسع مع المملكة.
وأضاف الكاين أن كل تصعيد حول سبتة يخدم هدفين جزائريين متكاملين يتمثل أولهما في إشغال المغرب على جبهة إضافية لاستنزاف طاقته الدبلوماسية وتشتيت تركيزه عن الزخم الدولي المتصاعد لصالح مبادرة الحكم الذاتي بينما يتركز الثاني في صرف الانتباه عن سؤال الحدود الموروثة عن الاستعمار الذي يمثل نقطة ضعف قوية في الخطاب الجزائري.
وبين الخبير في قضايا الصحراء أن من أعقد المفارقات في الخطاب الجزائري هو التمسك المطلق بمبدأ قدسية الحدود الموروثة عن الاستعمار في علاقته مع المغرب رغم أن هذه الحدود رسمتها الإدارة الاستعمارية الفرنسية لخدمة مصالحها الاستراتيجية واقتطعت بموجبها مناطق واسعة من الصحراء الشرقية المغربية لضمان استمرار جزائر فرنسية موسعة.
وسجل المحلل أن الجزائر التي تطالب بتطبيق صارم لقدسية الحدود الاستعمارية ترفض تطبيق المبدأ المقابل برفض الاحتلال الاستعماري على وضعية سبتة ومليلية وتوظف قضيتهما لتقوية موقعها التفاوضي ضد المملكة مما يكشف أن مرجعيتها انتقائية تستدعى حين تخدم مصلحتها الاستراتيجية وتهمل حين تتعارض معها.
وأبرز المتحدث أن التوقيت الاستراتيجي لهذا الصعود الإعلامي ليس بريئا بالنظر إلى التراكم الدبلوماسي المتصاعد لصالح الموقف المغربي واعتراف دول أوروبية وإفريقية وعربية بمبادرة الحكم الذاتي وفتح قنصليات بالعيون والداخلة مقابل تراجع ملحوظ في الزخم الدولي لأطروحة الانفصال ووجود الجزائر في موقع دفاعي متزايد.
وأوضح الكاين أن الجزائر تواجه تحديات داخلية تدفعها لتوظيف الملف الخارجي لتعبئة الرأي العام حيث تشكل أزمة سبتة فرصة ثمينة لفتح جبهات جديدة لإضعاف الزخم الدبلوماسي المغربي عبر ربط صورة المملكة في الذهنية الأوروبية والإسبانية بمفاهيم سلبية كالتوسع وعدم احترام الحدود.
وخلص الخبير إلى أن هذه الاستراتيجية تحمل مكامن ضعف بنيوية تحد من فعاليتها لكون التناقض الجزائري قابلا للكشف والاعتماد على أصوات مستقلة ظاهريا يضعف مصداقية الخطاب بمجرد انكشاف خيوط توظيفه فضلا عن كون إسبانيا تضم قوى سياسية واقتصادية وازنة ترى في العلاقة الاستراتيجية مع المغرب مصلحة حيوية لا يمكن التضحية بها.
وأنهى المحلل السياسي تصريحه بالتأكيد على أن ثبات الموقف المغربي وعدم انجراره إلى سجالات إعلامية آنية يحرم هذه الحملات من الوقود الذي تحتاجه متسائلا في الوقت نفسه عن مدى قدرة خطاب مناهضة الاستعمار على البقاء مقنعا حين يطبق بمعايير جزائرية مزدوجة.
المصدر:
العمق