في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تصوير ومونتاج: يونس الميموني
بعد مرور نحو 20 يوما على موجة الدخول الجماعي التي شهدتها سبتة يومي 30 و31 يوليوز، لم تعد المدينة تعيش فقط تداعيات لحظة استثنائية من الهجرة غير النظامية، وإنما تحولت الأزمة إلى واقع يومي مفتوح على احتمالات متعددة، في ظل استمرار وجود آلاف المهاجرين في الشوارع والأحياء والشواطئ، وغياب صورة واضحة بشأن مصيرهم، بالتزامن مع اقتراب الدخول المدرسي والاستعداد لفصل الشتاء.
ومن خلال جولة ميدانية جديدة قامت بها جريدة “العمق” في عدد من الأحياء والمناطق التي تتركز فيها أعداد كبيرة من المهاجرين، بدا أن آثار الأزمة لا تزال حاضرة بقوة، وإن كانت حركية المهاجرين وأعدادهم في الشوارع قد تراجعت نسبيا مقارنة بالزيارات السابقة.
في أحياء برينسيبي، خادو، روساليس، مورو، سيدي امبارك، وكذلك محيط مستودعات تراخال وشاطئ ترامبولين، لا يزال المهاجرون حاضرين في الفضاءات العامة، فيما اختار عدد منهم الاحتماء داخل منازل وغرف في الأحياء المغربية، بعضها مقابل مبالغ مالية، وبعضها الآخر فتحه مواطنون مغاربة أمامهم بشكل تطوعي.
لكن اللافت في المشهد أن الأزمة بدأت تنتقل تدريجياً من حالة الفوضى الأولى إلى نمط من “الحياة المؤقتة”، فمهاجرون باتوا يعرفون أماكن توزيع الطعام، ومسارات التنقل، ومواقع النوم، والمحلات التي يقصدونها، والأحياء التي يتجمعون فيها، في انتظار جواب لا يبدو أن أحدا قادرا على تقديمه بشأن مستقبلهم.
بين حلم إسبانيا وكابوس الانتظار
في حديثهم مع جريدة طاقم العمق”، عبر عدد من المهاجرين عن حالة من التعب والإرهاق النفسي، بسبب طول فترة الانتظار وعدم وضوح ما إذا كانوا سينقلون إلى داخل إسبانيا أو سيعادون إلى المغرب.
بعضهم بدا مستسلما لحالة الانتظار، فيما أصر آخرون على أنهم لن يعودوا إلى المغرب مهما طال الزمن، وأن الوصول إلى إسبانيا هو الهدف الذي دخلوا من أجله سبتة، وسيواصلون محاولة تحقيقه.
وقبل يومين، انتقلت الأزمة إلى مستوى جديد بعدما نظم عدد من المهاجرين وقفة احتجاجية بشاطئ ترامبولين، رفعوا خلالها شعارات ولافتات تطالب بمنحهم حق اللجوء وعدم إعادتهم إلى المغرب.
واختتمت الوقفة بقراءة الفاتحة ترحما على أرواح الضحايا، تلتها تكبيرات، فيما تفاعل مهاجرون آخرون، بينهم نساء وقاصرون موجودون بمستودعات تراخال، مع المطالب نفسها، من خلال الامتناع عن تناول الوجبات التي تقدم لهم.
وبحسب مصطفى بن عبد السلام بن محمد، نائب رئيس جمعية الهلال الأبيض في سبتة، فإن أكثر من ألف امرأة وطفل في منطقة مستودعات تراخال كانوا قد امتنعوا عن تسلم الوجبات، الأحد، قبل أن يعودوا إلى تناولها في اليوم الموالي بسبب الجوع.
ويقول بن عبد السلام، في حديث لـ”العمق” من مقر الجمعية بحي سيدي امبارك، إن “الوضع صعب كما كان خلال الأيام الخمسة الأولى”، مضيفا أن “الناس والدراري مكارفصا”، في إشارة إلى الحالة الصعبة التي يعيشها المهاجرون.
وبحسب المسؤول الجمعوي، يوجد في سبتة أكثر من 7000 مهاجر، بينهم أفارقة جنوب الصحراء وتونسيون وجزائريون وسودانيون ويمنيون، لكن الأغلبية الساحقة منهم مغاربة.
ويعتقد المسؤول الجمعوي أن الوضع قد يستمر لفترة طويلة، محذرا من أن عدم إيجاد أماكن لإيواء المهاجرين وإبقائهم في الشوارع قد يؤدي إلى “كارثة”، خصوصا مع اقتراب الدخول المدرسي وفصل الشتاء.
وتبدو هذه المخاوف حاضرة أيضا لدى سكان المدينة والفاعلين المحليين، إذ لا يزال السؤال الأكبر مطروح عن مصير هؤلاء الأشخاص، ففي جولة “العمق” كان الجواب نفسه يتكرر تقريبا لدى المهاجرين والسكان وبعض الفاعلين المحليين “حتى واحد ما عارف شنو غايوقع”.
وحتى داخل أوساط المسؤولين المحليين، يظل مآل الأزمة غير محسوم، وهو ما يفسر استمرار حالة الانتظار وعدم العودة إلى الوضع الطبيعي.
استمرار المساعدات.. لكن!
في خضم هذا المشهد، يبرز الدور الذي يلعبه سكان سبتة المغاربة في مساعدة المهاجرين، خصوصا خلال الأيام الأولى للأزمة.
فقد فتح عدد من السكان منازلهم وغرفهم أمام مهاجرين، فيما تكفل آخرون بتوفير الطعام والماء والأغطية والملابس، وهو ما يعتبره عدد من المهاجرين سببا رئيسيا في قدرتهم على الصمود طوال هذه المدة.
لكن هذا التضامن بدأ يواجه بدوره حدودا مادية واجتماعية، إذ يقول نائب رئيس جمعية الهلال الأبيض إن السكان “عياو بزاف”، غير أنهم لا يستطيعون وقف مساعداتهم لأن آلاف المهاجرين أصبحوا يعتمدون عليها في الحصول على وجباتهم اليومية.
وتتكلف الجمعية، بدعم من بلدية الحكومة وتبرعات المحسنين، بتوفير ما بين 3500 و5000 وجبة في بعض الأيام، فيما يصل التوزيع اليومي حاليا إلى نحو 3000 وجبة موزعة على ستة مواقع.
ويجري التوزيع أساسا في أحياء برينسيبي، وتراخال، وخادو، وروساليس، ومورو، إضافة إلى الملعب الذي أصبح يؤوي النساء والأطفال.
وبحسب المتحدث، فقد اضطرت الجمعية إلى وقف توزيع الطعام من مقرها بسبب الاكتظاظ والفوضى التي كانت ترافق العملية، ونقلت نشاطها إلى نقاط مختلفة لتتمكن من التعامل مع الأعداد الكبيرة.
ومن أكثر المشاهد التي وقفت عليها “العمق” خلال جولتها، تحويل سكان مغاربة لملعب كرة قدم مصغر إلى مأوى للنساء والقاصرات والأطفال الصغار برفقتهن.
وتأتي هذه المبادرة في سياق التعاطف الكبير الذي أبداه سكان الأحياء المغربية مع هذه الفئة، خصوصا بعد تداول شهادات عن تعرض بعض النساء والقاصرات لاعتداءات وانتهاكات خلال الأيام الأولى للأزمة.
ويحاول السكان توفير الحد الأدنى من الحماية والمبيت والطعام لهذه الفئة، في مشهد يعكس في الوقت ذاته حجم الفراغ الذي خلفته الأزمة والحاجة إلى حلول مؤسساتية أكثر استدامة.
كما عاينت “العمق” قيام عناصر من الجيش بتنظيم عملية دخول المهاجرين إلى المراكز التجارية الكبرى، من خلال تفويجهم على دفعات وتنظيم فترات الانتظار، تفاديا للاكتظاظ والفوضى داخلها.
ورغم الإجماع تقريبا بين المهاجرين الذين تحدثت إليهم “العمق” على أهمية الدعم الذي قدمه سكان سبتة المغاربة، فإن بعضهم تحدث أيضا عن تعرضه للاعتداء والسرقة والاستغلال.
وكشف مهاجرون عن تعرضهم، وفق رواياتهم، لاعتداءات من بعض الشباب المغاربة المقيمين في سبتة، فيما تحدث آخرون عن سرقات ومشاكل مرتبطة بالكراء وأسعار المواد الغذائية.
وبحسب إفادات استقتها “العمق” ميدانيا، تتراوح بعض أسعار الكراء بين 500 و2500 يورو شهريا، خصوصا بالنسبة إلى غرف صغيرة ومكتظة، بعضها يفتقد إلى أبسط شروط الحياة، من الماء والكهرباء والمراحيض.
لكن هذه المعطيات لا تنطبق على الجميع، إذ أكد مهاجرون آخرون أن هناك مغاربة يوفرون لهم غرفا ومساكن بأسعار معقولة، فيما فتح بعض السكان منازلهم أمامهم مجانا.
“الوضع يزداد صعوبة”
لا يخفي نائب رئيس جمعية الهلال الأبيض قلقه من استمرار الأزمة، إذ يقول لـ”العمق” إن “الوضع صعب صراحة ويزداد صعوبة”، مشيرا إلى أن سكان سبتة المغاربة أنفسهم حُرموا من جزء كبير من عطلتهم الصيفية، كما تأثرت حياتهم اليومية بسبب اكتظاظ الشواطئ والأحياء بالمهاجرين.
ويضيف أن الأطفال لم يعودوا قادرين، في بعض المناطق، على الخروج واللعب بشكل طبيعي، فيما اختارت أسر كثيرة البقاء في منازلها وعدم السفر خلال العطلة بسبب الظروف الاستثنائية التي تعيشها المدينة.
ويرى مصطفى أن استمرار دعم السكان للمهاجرين قد يصبح أكثر صعوبة مع مرور الوقت، بسبب الكلفة المادية والصحية والنفسية لهذه المساعدات.
وفي مقابل استمرار المهاجرين في الشوارع والأحياء، بدأت السلطات الإسبانية خطوات جديدة لاستيعاب جزء من الأعداد الموجودة.
وعاينت “العمق” بداية إقامة عشرات الخيام داخل المرآب المخصص للسيارات التي تنتظر دورها للعبور إلى المغرب عبر معبر سبتة.
وكانت الحكومة الإسبانية قد أعلنت أن هذه الخيام ستخصص لإيواء نحو 1500 شخص، مع إمكانية رفع طاقتها الاستيعابية إلى حوالي 4000 مهاجر.
ويبدو أن هذه الخطوة ترتبط، بشكل كبير، بالاستعدادات للدخول المدرسي، في ظل القلق من استمرار وجود أعداد كبيرة من المهاجرين في محيط المؤسسات التعليمية والأحياء، بما قد يؤثر في عودة التلاميذ إلى الدراسة.
الجثث والمفقودين.. مأساة مفتوحة
بعيدا عن الشوارع ومراكز الإيواء، توجد مأساة أكثر صمتا، ملف جثث الضحايا الذين لم يتم التعرف على هوياتهم بعد.
وبعد تداول وسائل إعلام إسبانية أخبارا عن احتمال بدء دفن الجثث مجهولة الهوية في المقبرة الإسلامية بسبتة، اعتبارا من الثلاثاء، انتقلت “العمق” إلى مقبرة سيدي امبارك وعاينت المكان والتقت بعدد من النشطاء والجمعويين وجيران المقبرة.
ولم تسجل الجريدة، وفق معاينتها الميدانية، أي عملية دفن للجثامين مجهولة الهوية، كما لم تلاحظ مؤشرات ميدانية واضحة على قرب بدء العملية إلى حدود إعداد هذا التقرير.
وتشير المعطيات الرسمية الإسبانية إلى وجود 83 جثة لم يتم التعرف على أصحابها منذ أحداث 30 يوليوز، في حين تم التعرف على هويات ستة آخرين، دون أن يتم، وفق المعطيات المتوفرة، نقل جثامينهم إلى المغرب بسبب تعقيدات مرتبطة بالتراخيص والإجراءات المطلوبة.
وتقول عائلات الضحايا إن الإجراءات الإدارية الخاصة بنقل الجثامين استُكملت في بعض الحالات، غير أن عملية النقل تظل متوقفة بسبب عدم توفر الترخيص المطلوب من عمالة المضيق الفنيدق.
وعاينت “العمق” في مناسبات سابقة وصول سيارات نقل الأموات إلى المعبر من الجانبين المغربي والإسباني، لكن عملية نقل الجثامين ظلت متعثرة، في ملف لا يحمل فقط أبعادا إدارية، وإنما يضع عشرات الأسر أمام مأساة إنسانية مؤلمة.
وإلى جانب الجثامين، يبقى ملف المفقودين واحدا من أكثر الملفات إيلاما، فبعد مرور نحو 20 يوما على الأحداث، لا تزال عشرات العائلات المغربية تبحث عن أبنائها وأقاربها الذين انقطعت أخبارهم منذ موجة الدخول الجماعي.
والتقت “العمق” عددا من هذه الأسر عند معبر سبتة وفي مدينة الفنيدق، حيث تتحدث العائلات عن أيام طويلة من الانتظار والقلق، دون معلومات حاسمة بشأن مصير ذويها.
وفي ظل غياب معطيات نهائية حول عدد المفقودين، تبقى هذه العائلات عالقة بين احتمال العثور على أبنائها، أو انتظار أخبار عنهم، أو مواجهة احتمال أن يكونوا ضمن الضحايا مجهولي الهوية.
“لا نفهم لماذا حدث كل هذا”
وبالنسبة إلى سكان سبتة المغاربة، فإن الأزمة لم تكن مجرد ملف هجرة غير نظامية، بل حدثا ترك أثرا مباشرا على حياتهم وعلى علاقتهم بالمهاجرين وبالمجتمع الإسباني.
يقول مصطفى بن عبد السلام إن الهجرة في حد ذاتها “إجراء عادي وحق لكل البشر”، لكنه يعتبر أن ما حدث في سبتة لا يمكن اختزاله في مفهوم الهجرة، لأن جزءا من الشباب الذين دخلوا المدينة، بحسب ملاحظته، “لا يعرفون أصلا لماذا جاؤوا”.
ويضيف أن بعض السلوكيات التي سجلت خلال الأزمة، من فوضى وسرقات واستهلاك للخمر والمخدرات، انعكست سليا على صورة المغاربة في سبتة وفي مناطق أخرى من إسبانيا، معتبرا أن هذه التداعيات أضرت بصورة الجالية المغربية.
في المقابل، يميز المسؤول الجمعوي بين هؤلاء وبين من قدموا إلى سبتة بحثا عن مستقبل أفضل بسبب ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية، قائلا إن هؤلاء لا يشكلون أي مشكل أمني في المدينة، ملخصا نظرته لما بقع بالقول: “إلى حد الآن ليس لي تفسير ولم أفهم بعد سبب ما وقع”.
المصدر:
العمق