لم تكن الطفلة “وردية”، ذات الـ13 ربيعا، تطلب معجزة حين بدأت رحلة البحث عن العلاج، بل كانت تبحث عن حق بسيط في العلاج والرعاية الصحية، غير أن مسارها الاستشفائي انتهى بمأساة، بعدما قطعت مسافات طويلة بين مستشفيات أزيلال وبني ملال والدار البيضاء، قبل أن تعود إلى مسقط رأسها جثة هامدة.
من دوار “تباروشت” بإقليم أزيلال، انطلقت رحلة الطفلة رفقة والدها، في مسار لم يكن اختياراً بقدر ما فرضته، وفق رواية الأسرة، الحاجة إلى البحث عن خدمات وتجهيزات طبية غير متوفرة في المؤسسات الصحية القريبة. رحلة قادتها من المستشفى الإقليمي بأزيلال إلى المستشفى الجهوي ببني ملال، ثم إلى العاصمة الاقتصادية، وسط تنقلات متكررة وإحالات طبية أنهكت طفلة مريضة وأباً كان يحاول إنقاذ فلذة كبده.
وتعيد وفاة وردية إلى الواجهة واقع الولوج إلى العلاج في المناطق النائية، حيث تجد أسر نفسها مضطرة إلى قطع عشرات أو مئات الكيلومترات بحثا عن تخصصات أو تجهيزات طبية غير متوفرة محليا، فيما تتحول سيارات الإسعاف إلى حل شبه حتمي أمام غياب البدائل.
رحلة شاقة بين المستشفيات
يقول زايد، والد الطفلة وردية، في تصريح لجريدة “العمق”، إن ابنته كانت تعاني من مرض على مستوى القلب، قبل أن تبدأ معها رحلة طويلة بين المؤسسات الصحية، أملا في العثور على العلاج اللازم وإنقاذ حياتها.
ويضيف الأب، البالغ من العمر 47 سنة، أن مسار ابنته قاده في النهاية إلى مستشفيات بمدينة الدار البيضاء، بعدما تعذر، وفق روايته، توفير العلاج المطلوب في المؤسسات الصحية القريبة من مقر سكناه.
وبحسب رواية الأب، فقد اضطر إلى الاستعانة بسيارات الإسعاف لنقل ابنته، مؤديا ما مجموعه 1900 درهم مقابل عملية نقلها نحو الدار البيضاء، في وقت يقول إنه يعيش ظروفا اجتماعية صعبة.
وبين أزيلال وبني ملال والدار البيضاء، استمرت رحلة البحث عن العلاج، فيما كان الأب يتنقل رفقة ابنته من مؤسسة صحية إلى أخرى، في محاولة لإنقاذ حياتها.
حين يتحول المرض إلى رحلة عبر المدن
بالنسبة إلى أسرة وردية، لم تكن المسألة مجرد تنقل بين مستشفيات، بل رحلة استنزاف نفسي ومادي رافقت مرض الطفلة في أكثر لحظاته صعوبة.
فغياب بعض التخصصات أو التجهيزات الطبية في المناطق البعيدة يجعل المرضى، وفق تصريحات متطابقة، أمام خيار البحث عن العلاج خارج الإقليم، بما يترتب عن ذلك من تكاليف إضافية مرتبطة بالنقل والاستشفاء والإقامة، فضلاً عن الإرهاق الذي يرافق المرضى وذويهم.
وفي حالة وردية، انتهت الرحلة في مستشفى بمدينة الدار البيضاء، حيث فارقت الطفلة الحياة الثلاثاء الماضي، لتنتهي معها رحلة علاج بدأت أملا في إنقاذها وانتهت بفاجعة للأسرة.
ويقول والدها إنه، بعد وفاة ابنته، اضطر إلى أداء مبلغ 800 درهم للصندوق الذي وضع فيه جثمانها، في واقعة أضافت، بحسب روايته، كلفة مالية أخرى إلى رحلة استشفاء أنهكت الأسرة.
من يتحمل كلفة رحلة البحث عن العلاج؟
وقال الفاعل الحقوقي أيوب الحجاجي، في تصريح لجريدة “العمق”، إن وفاة الطفلة وردية تفتح من جديد النقاش حول واقع الخدمات الصحية بالمناطق الجبلية والنائية، ومدى قدرة المؤسسات الصحية المحلية على التكفل بالحالات التي تتطلب تخصصات أو تجهيزات دقيقة.
وأوضح الحجاجي أن الواقعة تطرح أيضا تساؤلات حول المسافات التي يضطر المرضى إلى قطعها بحثا عن العلاج، والكلفة التي تتحملها الأسر محدودة الدخل، خاصة عندما يتعلق الأمر بأطفال أو حالات صحية حرجة.
وأضاف أن قصة وردية، التي لم تتجاوز 13 سنة، لا ينبغي اختزالها في أرقام مرتبطة بمصاريف النقل والاستشفاء، بل تستدعي الوقوف عند ظروف التكفل بها منذ بداية مسارها العلاجي، ومدى توفر الإمكانات الطبية اللازمة في المؤسسات التي استقبلتها.
وأكد أن المطلوب هو معرفة ما إذا كان بالإمكان تفادي هذه النهاية لو توفرت خدمات صحية متخصصة بالقرب من مقر سكن أسرتها، مشددا على أن وفاة وردية يجب أن تشكل مناسبة لإعادة طرح سؤال العدالة الصحية والمجالية.
وختم الحجاجي بالقول إن مأساة وردية تعكس معاناة أسر كثيرة في إقليم أزيلال خاصة تلك المتواجدة بالمناطق النائية، حيث لا يكون الوصول إلى المستشفى دائما نهاية رحلة العلاج، بل قد يكون بداية لمسار آخر من الإحالات والتنقل بين المدن وتكاليف سيارات الإسعاف، وهي أعباء قد تعجز أسر محدودة الدخل عن تحملها.
المصدر:
العمق