دعا تحليل حديث نشره معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إلى إقامة شراكة أميركية أوسع مع المغرب وتونس لبناء سلسلة توريد أكثر تنوعا ومرونة للأسمدة الفوسفاتية، معتبرا أن منطقة المغرب العربي يمكن أن تتحول إلى ركيزة مهمة للأمن الغذائي الأميركي في ظل تشديد الصين القيود على صادرات الفوسفات وتزايد هشاشة سلاسل الإمداد العالمية.
وجاء التحليل، الذي حمل عنوان “تحول الفوسفات: لماذا يهم المغرب وتونس الأمن الغذائي الأميركي؟”، بتوقيع غازي بن أحمد، وسابينا هينبرغ، ومحسن الأحمدي، ونشر خلال صيف 2026 على موقع معهد واشنطن، بعدما كان قد ظهر في الأصل على منصة “MENA2050”.
ولا يعكس التحليل قرارا رسميا للإدارة الأميركية، وإنما يقدم توصيات سياسية واقتصادية للولايات المتحدة بشأن كيفية التعامل مع ما يعتبره الباحثون تحولا للفوسفات من مجرد مادة أولية للأسمدة إلى مورد استراتيجي مرتبط بالأمن الغذائي والاقتصادي.
ويربط الباحثون دعوتهم بالتحولات التي شهدها سوق الأسمدة خلال الفترة الأخيرة، خصوصا بعد تشديد الصين القيود على صادرات الأسمدة الفوسفاتية. ويشير التحليل إلى أن بكين قررت في دجنبر 2025 وقف صادرات الفوسفات، من حيث المبدأ، إلى غاية غشت 2026، في إطار سياسة ترمي إلى إعطاء الأولوية لتأمين السوق الداخلية واستقرار الأسعار. وتؤكد تقارير متخصصة أن السلطات الصينية أبقت هذه القيود قائمة خلال 2026.
وسجلت صادرات الصين من الأسمدة الفوسفاتية مستويات شديدة الانخفاض في بداية 2025، إذ بلغ حجم الصادرات في مارس من ذلك العام نحو 13 ألف طن فقط، وهو أدنى مستوى مسجل خلال الفترة المشار إليها، مقارنة بنحو 950 ألف طن في مارس قبل ثلاث سنوات، وليس مقارنة بالشهر السابق مباشرة، كما قد يوحي عرض الرقم دون سياقه الزمني.
وبحسب تحليل معهد واشنطن، ارتفعت أسعار فوسفات ثنائي الأمونيوم “DAP”، أحد أهم الأسمدة الفوسفاتية المستخدمة عالميا، بنحو 28 في المائة خلال عام، في وقت أدت فيه القيود الصينية واضطرابات أخرى في أسواق المدخلات الزراعية إلى زيادة المخاوف بشأن توفر الأسمدة وأسعارها بالنسبة إلى المزارعين الأميركيين.
وتزايد البعد الاستراتيجي للفوسفات في الولايات المتحدة بعدما أدرجته هيئة المسح الجيولوجي الأميركية ضمن القائمة النهائية للمعادن الحرجة لعام 2025، التي تضم 60 معدنا وصدرت في السجل الفيدرالي في نونبر الماضي.
وأكدت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية أن الفوسفات كان من بين عشرة معادن جديدة أضيفت إلى القائمة، إلى جانب النحاس والبوتاس والفضة واليورانيوم وغيرها، وهي القائمة التي تهدف إلى تحديد المواد الأساسية للاقتصاد والأمن الأميركي والتي قد تكون سلاسل توريدها معرضة للاضطراب.
ويعتبر معدو التحليل أن إدراج الفوسفات في قائمة المعادن الحرجة يكشف تحولا في طريقة نظر واشنطن إلى هذه المادة، لكنه لا يحل، في حد ذاته، مشكلة الإمدادات، إذ تظل الولايات المتحدة في حاجة إلى بناء شبكة متنوعة من الموردين والقدرات الإنتاجية والشراكات الصناعية بدلا من نقل الاعتماد من مصدر واحد إلى مصدر آخر.
المغرب في صدارة الخيارات
ويضع التحليل المغرب في صدارة الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة، مستندا إلى ما يتوفر عليه من أكبر احتياطيات الفوسفات في العالم، والتي تقدر بنحو 50 مليار طن، أي ما يقارب 70 في المائة من الاحتياطيات العالمية المعروفة وفق الأرقام التي
اعتمدها الباحثون.
ولا يحصر الباحثون ميزة المغرب في الاحتياطي الجيولوجي فقط، بل يشددون على أن المملكة بنت عبر مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط “OCP” منظومة صناعية متطورة تشمل استخراج الخام وتحويله وإنتاج الحامض الفوسفوري والأسمدة، إلى جانب
حضور واسع في الأسواق الدولية وبرامج مرتبطة بالزراعة والتسميد في إفريقيا.
ويشير التحليل كذلك إلى البنية التحتية اللوجستية والمينائية التي طورها المغرب وموقعه على المحيط الأطلسي وقربه من أوروبا وإفريقيا، مستشهدا على الخصوص بميناء طنجة المتوسط باعتباره نموذجا للقدرات اللوجستية التي جعلت المملكة منصة مهمة
للتجارة العالمية، دون أن يعني ذلك أن صادرات الفوسفات المغربية تتم حصريا أو أساسا عبر هذا الميناء.
ويرى الباحثون أن المغرب يمثل، بناء على ذلك، المرتكز الصناعي واللوجستي الطبيعي لأي بنية غربية جديدة لتأمين الأسمدة في شمال إفريقيا.
لكنهم يحذرون، في الوقت نفسه، من تحويل الاعتماد على الصين إلى اعتماد مفرط على مورد واحد آخر، حتى وإن كان شريكا مقربا من الولايات المتحدة، معتبرين أن المرونة الحقيقية تتطلب تعدد مصادر الإنتاج وقدرات احتياطية في أكثر من بلد.
لماذا تونس؟
ومن هذا المنطلق، يقترح التحليل إدماج تونس في المنظومة الجديدة، باعتبارها عنصرا مكملا للمغرب وليس منافسا له.
ويقدر الباحثون احتياطيات تونس من الفوسفات بنحو 2.5 مليار طن، وهو رقم يتوافق مع تقديرات حديثة مستندة إلى بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، ما يجعل البلاد صاحبة واحد من أكبر الاحتياطيات المعروفة عالميا، رغم أن إنتاجها الفعلي لا يعكس الحجم الكبير لهذه الموارد.
ويربط التحليل ضعف الاستفادة التونسية من هذه الإمكانات بعقود من نقص الاستثمار، والاضطرابات الاجتماعية والعمالية، والتقلبات السياسية، ومشكلات البنية التحتية، وهي عوامل أبقت الإنتاج دون المستويات التي يرى الباحثون أنه قادر على بلوغها.
ويضيف أن الموقع التونسي في وسط البحر المتوسط يمنح البلاد ميزة إضافية، بالنظر إلى قربها من الأسواق الأوروبية وإمكان ربطها بموانئ وشبكات نقل توفر منفذا إضافيا لسلسلة الإمداد الغربية.
“ممر أسمدة عابر للمغرب العربي”
وبناء على ذلك، يقترح الباحثون إنشاء ما وصفوه بـ”ممر أسمدة عابر للمغرب العربي”، وليس مجرد مشروع لاستخراج الفوسفات، يقوم على ربط الخبرة والقدرة الصناعية المغربية بموارد تونس وموقعها المتوسطي، ضمن إطار تعاون مدعوم أميركيا ودوليا.
ويطرح التحليل في هذا السياق استراتيجية أطلق عليها “الفوسفات مقابل البنية التحتية”، تقضي باستخدام الاستثمارات الدولية لتحديث قطاع الفوسفات التونسي وتطوير شبكات النقل والموانئ والمعالجة.
وتشمل المشاريع المقترحة تحديث مناجم الفوسفات وتقنيات الاستخراج في تونس، وتوسيع خطوط السكك الحديدية والقدرات المينائية، وبناء منشآت لتحويل الخام إلى أسمدة مصنعة، والاستثمار في تقنيات معالجة الأضرار البيئية المرتبطة بعمليات الاستخراج القديمة.
كما يقترح الباحثون تطوير منصات رقمية مشتركة لربط سلاسل الإمداد المغربية والتونسية، إلى جانب برامج لتكوين المهندسين والتقنيين والحد من هجرة الكفاءات.
ويدعو التحليل إلى إشراك مؤسسات تمويل دولية في هذه المشاريع، من بينها البنك الدولي والبنك الإفريقي للتنمية ومؤسسة تمويل التنمية الدولية الأميركية، إلى جانب مؤسسات التنمية الأوروبية.
ويشدد الباحثون على أن التصور المقترح لا يقوم على وضع الموارد التونسية تحت السيطرة المغربية أو الأميركية، بل على مشاريع مشتركة، وتبادل التكنولوجيا، وتنسيق الخدمات اللوجستية، وتطوير قدرات المعالجة والتصنيع.
وفي هذا النموذج سيظل المغرب، بحسب التحليل، القاعدة الصناعية واللوجستية الأساسية للممر، بينما توفر تونس قدرة إنتاجية إضافية وامتدادا جغرافيا في البحر المتوسط، بما يقلل مخاطر الاعتماد على بلد واحد.
ويرى الباحثون أن المستفيدين من هذا الربط لن يكونوا الولايات المتحدة وأوروبا فقط، إذ يمكن لسلسلة إمداد مغاربية أكثر قوة أن تزيد أيضا من توفر الأسمدة في الأسواق الإفريقية، وبالتالي تساهم في دعم الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي في القارة.
منافسة الصين وروسيا
ويمنح التحليل للمشروع بعدا جيوسياسيا واضحا، إذ يربطه بتزايد المنافسة بين القوى الكبرى في شمال إفريقيا، وبالاستثمارات الصينية في الموانئ والبنية التحتية، فضلا عن توسع النفوذ الروسي في منطقة الساحل.
ويرى الباحثون أن شراكة اقتصادية أميركية طويلة الأمد في قطاع استراتيجي مثل الفوسفات من شأنها أن تمنح واشنطن حضورا اقتصاديا أكثر استدامة في شمال إفريقيا، بدلا من حصر علاقاتها بالمنطقة في التعاون العسكري والأمني.
كما يعتبرون أن المغرب ليس من مصلحته النظر إلى تونس باعتبارها منافسا في سوق الفوسفات، لأن بناء سلسلة قيمة إقليمية أقوى من شأنه، بحسب تصورهم، أن يعزز الوزن الجماعي للمغرب العربي ويقوي في الوقت نفسه مكانة المملكة باعتبارها المركز الصناعي الأكثر تطورا في القطاع.
غير أن التحليل يقر بأن تنفيذ تصور من هذا الحجم يواجه تحديات سياسية ومؤسساتية، خصوصا في تونس، ويدعو لذلك إلى ربط
الاستثمارات الكبيرة بمعايير تتعلق بالشفافية واستقرار القواعد التنظيمية والمساءلة المؤسساتية.
واشنطن تفتح فعليا الباب للفوسفات المغربي
وتكتسب هذه التوصيات أهمية إضافية لأنها تأتي في وقت بدأت فيه الولايات المتحدة بالفعل اتخاذ إجراءات استثنائية لإعادة فتح سوقها أمام إمدادات الفوسفات المغربية.
ففي 29 يونيو 2026 أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب حالة طوارئ مرتبطة بتوفر الأسمدة، وسمح بتعليق مؤقت لبعض الرسوم على واردات الأسمدة الفوسفاتية القادمة من المغرب، معتبرا أن اضطرابات سلاسل الإمداد وحاجة الزراعة الأميركية تستدعي تنويع مصادر التوريد.
ويستمر الإجراء لمدة تصل إلى ثمانية أشهر أو إلى حين انتهاء حالة الطوارئ، أيهما يأتي أولا.
لكن الإعفاء لا يعني إلغاء الرسوم التعويضية نهائيا؛ إذ أوضحت وزارة التجارة الأميركية في إشعار رسمي نُشر في السجل الفيدرالي في 8 يوليوز أن المصدر أو المستورد الراغب في الاستفادة من الإعفاء يتعين عليه تقديم طلب مكتوب، وأن الوزارة توافق على الإدخال دون رسوم للشحنات المؤهلة، على أن تدخل البضائع عادة خلال 60 يوما من الإذن.
وجاء أول تطبيق بارز لهذا الانفتاح خلال الأسبوع الجاري، بعدما أعلنت “OCP North America”، التابعة لمجموعة OCP، وصول سفينة محملة بنحو 54 ألف طن من سماد السوبر فوسفات الثلاثي “TSP” من المغرب إلى ميناء نيو أورلينز، تمهيدا لتوزيعه على المزارعين الأميركيين قبل موسم استخدام الأسمدة في الخريف.
وأكدت الشركة أن هذه أول شحنة في إطار التخفيف المؤقت للرسوم، وأنها عملت بعد قرار 29 يونيو مع وزارة التجارة والسلطات الأميركية المختصة لتوضيح قواعد تطبيق الإجراء قبل استئناف عمليات التسليم.
وبذلك تتقاطع توصيات تحليل معهد واشنطن مع تحول ملموس في السياسة التجارية الأميركية تجاه الفوسفات المغربي، إذ لم يعد الحديث يقتصر على أهمية احتياطيات المملكة في السوق العالمية، بل بات تأمين إمداداتها يدخل بصورة متزايدة في نقاش أميركي أوسع حول الأمن الغذائي والمعادن الحرجة وتنويع سلاسل التوريد بعيدا عن الصين.
ويخلص تحليل معهد واشنطن إلى أن الصدمات الأخيرة أظهرت أن الفوسفات والأسمدة لم يعودا مجرد مدخلين زراعيين تقليديين، وإنما أصبح ضمان توفرهما جزءا من قدرة الدول على حماية إنتاجها الغذائي في مواجهة الأزمات الجيوسياسية، وهو ما يمنح المغرب موقعا متقدما في الحسابات الجديدة المتعلقة بسلاسل الإمداد الأميركية والغربية.
المصدر:
العمق