لم تعد الأزمة المرتبطة بمشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، وفق قراءة أكاديمية جديدة، مجرد خلاف مهني أو نقابي بين الحكومة وهيئات المحامين، بل تحولت إلى إشكال أوسع يرتبط بطبيعة العلاقة بين الدولة ومهنة تؤدي، بحسب الدراسة، وظيفة أساسية في حماية الحق في الدفاع وضمان المحاكمة العادلة.
وفي دراسة بعنوان “أزمة قانون المحاماة بالمغرب على ضوء فلسفة القانون: بين السلطة التقديرية للدولة واستقلالية المهن القانونية”، يرى عبد النبي الحري، الباحث بجامعة الحسن الثاني، أن الجدل حول المشروع يطرح أسئلة تتجاوز مضامينه التقنية، لتصل إلى صميم فلسفة دولة القانون وحدود السلطة التقديرية للدولة في تنظيم المهن القانونية.
وتنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن المحاماة لا يمكن اختزالها في كونها مهنة حرة تخضع للتنظيم القانوني، باعتبار أن لها، بحسب صاحبها، وظيفة مرتبطة بشكل مباشر بتحقيق العدالة وحماية حقوق المتقاضين.
وتضع الدراسة، في هذا السياق، سؤالا مركزيا: إلى أي حد يحترم مشروع القانون 66.23 المعايير الدولية المتعلقة باستقلالية المحاماة والعدالة والحق في الدفاع، وما الحدود التي ينبغي أن تقف عندها سلطة الدولة في تنظيم مهنة قانونية لا تشكل جزءا من الجهاز الإداري للدولة؟
من خلاف مهني إلى سؤال مؤسساتي
بحسب عبد النبي الحري، فإن تطورات الخلاف بين جمعية هيئات المحامين بالمغرب ووزارة العدل منذ مطلع سنة 2026 جعلت من المشروع موضوعا لا يقتصر على القطاع المهني، وإنما يمس العلاقة بين السلطة التنفيذية والمهن القانونية المنظمة ذاتيا.
وتشير الدراسة إلى أن الخلاف اكتسب طابعا أكثر حدة بعد انتقال المشروع من مراحل الحوار والتشاور إلى مسار تشريعي أثار اعتراضات من الهيئات المهنية.
ويعتبر الباحث أن جوهر الإشكال يكمن في السؤال المتعلق بمدى الانسجام بين حق الدولة في التشريع والتنظيم وبين ضرورة الحفاظ على استقلالية مهنة المحاماة.
وتزامن هذا الجدل مع المسار التشريعي الفعلي للمشروع، الذي أحيل إلى مجلس النواب في أبريل 2026 وصادق عليه المجلس في 19 ماي بالأغلبية، قبل أن يخضع داخل مجلس المستشارين لمناقشات وتعديلات تشريعية. وتظهر المعطيات الرسمية للبرلمان أن المشروع أدرج ضمن الدورة التشريعية لأبريل 2026، فيما أعلنت وزارة العدل أنه يأتي في إطار مواصلة إصلاح منظومة العدالة وتأهيل مهنة المحاماة.
من أبرز الأفكار التي تتوقف عندها الدراسة طبيعة مهنة المحاماة نفسها، إذ يرى الحري أن للمهنة طبيعة مزدوجة، فهي من جهة مهنة حرة ينبغي أن تمارس باستقلال عن السلطة الإدارية، لكنها من جهة أخرى تشارك بصورة أساسية في المرفق العام للعدالة، لأن الدفاع يمثل، وفق الدراسة، شرطا ضروريا لتحقيق التوازن داخل الخصومة القضائية.
ويعتبر الباحث أن هذه الطبيعة المزدوجة هي التي تجعل مسألة تنظيم المهنة شديدة الحساسية، فالدولة، بحسب الدراسة، لا يمكن أن تتخلى عن تنظيم المهنة حماية للمصلحة العامة والمتقاضين، لكن إخضاع المحاماة بشكل كامل لمنطق الوظيفة العمومية قد يؤدي إلى إضعاف استقلاليتها.
وبين هذين الحدين، يقترح التحليل الذي تقدمه الدراسة نموذجا يقوم على تنظيم الدولة للإطار العام للمهنة، مع الحفاظ على دور مركزي للهيئات المهنية المنتخبة في تدبير شؤونها الداخلية وتأديب أعضائها.
استقلال المحامي ليس امتيازا مهنيا فقط
من أكثر الاستنتاجات التي تركز عليها الدراسة أن استقلالية المحامي لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد مطلب خاص بأصحاب المهنة.
ويذهب الحري إلى أن استقلال الدفاع يمثل، في جوهره، ضمانة للمتقاضي نفسه، لأن المحامي قد يجد نفسه في مواجهة مؤسسات الدولة أو الإدارة أو أجهزة عمومية.
وتقول الدراسة إن فعالية القضاء المستقل تبقى منقوصة إذا لم يكن الدفاع مستقلا بالقدر نفسه، معتبرة أن استقلال المحاماة يشكل، من هذه الزاوية، امتداداً وظيفيا لمبدأ فصل السلطات.
وتستند هذه الرؤية إلى المرجعيات الدولية المتعلقة بدور المحامين، وفي مقدمتها المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين التي اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين سنة 1990، إذ تؤكد هذه المبادئ حق كل شخص في الاستعانة بمحام، وتضع ضمانات تتعلق بتمكين المحامين من أداء مهامهم باستقلال.
في نفس السياق، لا تنظر الدراسة إلى شرعية القانون من زاوية الجهة التي تملك دستوريا حق اقتراحه وإصداره فقط، وإنما تطرح أيضاً سؤال الطريقة التي تم بها إعداد النص.
ويرى الحري أن احترام المسطرة التشريعية بشكلها الرسمي لا يلغي أهمية إشراك الفاعلين المهنيين المعنيين مباشرة بالنص، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمهنة ترتبط بشكل وثيق بالحق في الدفاع.
وبحسب الدراسة، فإن التشاركية لا ينبغي أن تكون مجرد إجراء شكلي، بل ينبغي أن يكون لها أثر فعلي في صياغة التشريع.
ويذهب الباحث إلى أن الانتقال من الحوار المؤسساتي إلى إعداد صيغة نهائية لا تعكس، بحسب تقييم الهيئات المهنية، مخرجات ذلك الحوار، هو أحد العناصر التي ساهمت في تعميق الأزمة.
ثلاثة معايير أمام المشروع
تحدد الدراسة ثلاثة معايير أساسية تعتبرها ضرورية لتقييم مدى احترام أي تشريع لاستقلالية المحاماة، أولها التنظيم الذاتي للمهنة، من خلال وجود أجهزة مهنية منتخبة قادرة على تدبير شؤونها بعيدا عن الوصاية التنفيذية المباشرة.
ثاني تلك المعايير، وفق المصدر ذاته، حماية المحامي من الضغوط الإدارية والمالية التي يمكن أن تؤثر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على استقلال قراره المهني، فيما المعيار الثالث يكمن في التشاركية في إعداد التشريعات التي تمس جوهر المهنة وتنظيمها.
ويعتبر الحري أن بقاء مسافة بين النص موضوع الخلاف وهذه المبادئ يجعل مسألة مطابقته للمعايير الدولية، وفق تقييمه، موضع تحفظ يستوجب المراجعة.
ومن بين المقتضيات التي تتوقف عندها الدراسة ما يتعلق بربط استمرار الترخيص بممارسة المهنة ببعض الالتزامات الإدارية والضريبية والاجتماعية.
ويرى صاحب الدراسة أن هذا الربط قد يثير إشكالا يتعلق باستقلالية المحامي، إذا ما تحولت الالتزامات الإدارية أو المالية إلى وسيلة يمكن أن تستخدم للضغط على المهني.
ولا يعني ذلك، وفق منطق الدراسة، رفض خضوع المحامين للقانون أو إعفاءهم من الالتزامات الضريبية والاجتماعية، وإنما يتعلق الأمر بتحديد الجهة التي تملك سلطة ترتيب آثار الإخلال بهذه الالتزامات، والضمانات الموضوعة لمنع استخدامها للتأثير على ممارسة الدفاع.
وهنا يميز الحري بين احترام القانون من جهة، وحماية استقلالية القرار المهني من جهة أخرى.
السلطة التنفيذية والتنظيم الذاتي
تعتبر الدراسة أن توسيع هامش تدخل السلطة الحكومية في تنظيم المهنة يمثل واحدة من أكثر القضايا حساسية، فمن منظور الباحث، فإن التنظيم الذاتي لا يعني خروج المهنة عن القانون، وإنما يعني منح الهيئات المهنية المنتخبة دورا حقيقيا في تدبير الشؤون المهنية والتأديبية.
بالمقابل، فإن تقليص هذا الدور لصالح أجهزة إدارية تابعة للسلطة التنفيذية قد يطرح، وفق الدراسة، سؤالا حول مدى استقلالية المهنة، حسب المصدر ذاته.
وتربط الدراسة هذه المسألة بمبدأ أوسع هو التنظيم الذاتي للمهن القانونية، باعتباره أحد الضمانات التي كرستها المرجعيات الدولية لاستقلال المحامين.
ومن الزوايا الفلسفية اللافتة في الدراسة وصف المحاماة بأنها يمكن أن تؤدي وظيفة “موازنة للسلطة” أو contre-pouvoir داخل منظومة العدالة.
ولا يقصد الباحث أن المحاماة تشكل سلطة دستورية مستقلة، وإنما أن طبيعة وظيفتها تجعلها قادرة على توفير حماية مؤسساتية للأفراد في مواجهة القوة القانونية والإدارية للدولة.
وبحسب الدراسة، فإن المحامي قد يجد نفسه في موقع مواجهة الدولة ذاتها، وهو ما يجعل استقلاله شرطا أساسيا حتى يتمكن من أداء وظيفة الدفاع دون ضغوط.
وتخلص الدراسة، انطلاقا من هذا التصور، إلى أن أي تدخل للسلطة التنفيذية في الأدوات التي تسمح لها بالتأثير على الترخيص أو التأديب أو التنظيم المهني ينبغي أن يخضع لضمانات صارمة.
ويقدم الحري قراءة فلسفية للنزاع باعتباره صداما بين نموذجين، الأول هو النموذج الوضعي-الدولتي الذي ينطلق من أن الدولة، باعتبارها صاحبة السيادة التشريعية، تملك حق تحديد قواعد ممارسة المهن داخل ترابها.
أما الثاني فهو النموذج الليبرالي-المؤسساتي الذي يعتبر أن بعض المهن، وخاصة القضاء والمحاماة، تؤدي وظائف أساسية في حماية الحقوق والحريات، وبالتالي تحتاج إلى استقلالية بنيوية عن السلطة التنفيذية.
وبحسب الدراسة، فإن السؤال ليس ما إذا كانت الدولة تملك حق تنظيم المحاماة، وإنما أين ينبغي أن تتوقف هذه السلطة التنظيمية؟
هل تكفي الأغلبية البرلمانية؟
تطرح الدراسة سؤالاً فلسفياً آخر حول معنى الشرعية الديمقراطية.
فمجرد توفر الأغلبية البرلمانية والمصادقة الحكومية، وفق قراءة الحري، لا يحسم بالضرورة كل الأسئلة المتعلقة بمشروعية النص، لأن الديمقراطية، في تصور القانون الدستوري الحديث، لا تختزل في حكم الأغلبية، وإنما ترتبط أيضاً باحترام الحقوق والحريات والمبادئ الدستورية.
ومن هنا تميز الدراسة بين الشرعية الشكلية التي ترتبط باحترام الإجراءات، والشرعية الموضوعية التي ترتبط بمدى احترام مضمون القانون للمبادئ الأساسية لدولة الحق والقانون.
أزمة المحاماة.. والمتقاضي هو الحلقة الأضعف
ولا تغفل الدراسة الانعكاسات العملية للأزمة، خصوصاً استمرار التوتر بين الهيئات المهنية والسلطات الحكومية وما ترتب عنه من تعطيل أو تعليق لبعض الخدمات المرتبطة بالعدالة.
ويرى الباحث أن استمرار الخلاف لا ينعكس فقط على العلاقة بين المحامين والحكومة، وإنما يمكن أن يمس بصورة مباشرة حق المواطنين في الولوج إلى العدالة، ولا سيما الفئات الهشة المستفيدة من المساعدة القضائية.
ومن هذه الزاوية، يصبح إنهاء الأزمة، وفق الدراسة، ضرورة تتجاوز المصالح المهنية للطرفين إلى حماية سير مرفق العدالة وحقوق المتقاضين.
خمس توصيات للخروج من الأزمة
وفي ختام دراسته، يقدم عبد النبي الحري مجموعة من المقترحات التي يرى أنها يمكن أن تساهم في تجاوز الأزمة.
أولى هذه التوصيات استئناف حوار تشاركي فعلي وملزم بين الحكومة وهيئات المحامين، بما يضمن أن تكون الصيغة النهائية للقانون انعكاساً لمخرجات الحوار.
كما يدعو إلى مراجعة المقتضيات المرتبطة بربط ممارسة المهنة بالوضعية الإدارية أو الضريبية بما يحول دون إمكانية استخدامها كأداة ضغط.
ويقترح كذلك تعزيز صلاحيات التنظيم الذاتي والتأديب لدى الأجهزة المهنية المنتخبة، بما ينسجم، بحسب الدراسة، مع المعايير الدولية.
كما يدعو إلى إخضاع النصوص المتعلقة بالمهنة إلى رقابة دستورية صارمة تراعي الجوانب الشكلية والموضوعية معاً.
أما التوصية الخامسة فتتمثل في التعجيل بحل توافقي ينهي الأزمة ويحفظ استمرارية مرفق العدالة، مع ضمان حق المواطنين، خصوصاً الفئات المعوزة، في الولوج إلى القضاء.
دراسة تضع سؤالاً أكبر من قانون المحاماة
في المحصلة، ترى دراسة عبد النبي الحري أن جوهر أزمة قانون المحاماة لا يكمن فقط في تفاصيل مشروع قانون أو في خلاف بين وزارة وهيئات مهنية، وإنما في سؤال أوسع يتعلق بالنموذج الذي ينبغي أن يحكم العلاقة بين الدولة والمهن القانونية.
فالدولة، بحسب الدراسة، تملك حق تنظيم المهنة، لكن هذا الحق ليس مطلقاً؛ والمحاماة مطالبة باحترام القانون وتحمل مسؤولياتها المهنية، لكن استقلاليتها تظل، في نظر الباحث، شرطاً لحماية الوظيفة التي تؤديها في منظومة العدالة.
المصدر:
العمق